وإنما أراد الردَّ على من اشترط في القاضي أن يكون مجتهدًا، وأن المقلِّد لا ينفذ قضاؤه؛ كما هو مذهب كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين، وحَمَلَ كلام من اشترط في القاضي أن يكون مجتهدًا (^١) على ما كانت عليه الحال قبل استقرار هذه المذاهب الأربعة، وأما بعد استقرار هذه المذاهب فيجوز تولية المقلِّد لأهلها، وينفذ قضاؤه.
_________________
(١) من قوله: (وأن المقلِّد لا ينفذ قضاؤه) إلى هنا سقط من (ب).
[ ٧٥ ]
وليس في كلامه ما يدل على أنه يجب التقليد لهؤلاء الأئمة؛ بحيث أنْ يُلزَم الرجل أن يتمذهب بأحد هذه المذاهب الأربعة، ولا يخرج عن مذهب من قلَّده كما قد يُتوهم، بل كلامه يخالف ذلك ولا يوافقه.
وعبارته في «الإفصاح»: (اتفقوا على أنه لا يجوز أن يُوَلَّى القضاءُ مَن ليس من أهل الاجتهاد، إلا أبا حنيفة، فإنه قال: يجوز ذلك)، ثم قال: (والصحيح في هذه المسألة: أن قول من قال: لا يجوز تَوْلِيَة قاضٍ حتى يكون من أهل الاجتهاد؛ فإنه إنما عنى به ما كانت الحال عليه قبل استقرار هذه المذاهب الأربعة التي أجمعت الأمة أن كل واحد منها يجوز العمل به؛ لأنه مستند إلى سنة رسول الله ﷺ.
فالقاضي الآن، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، ولا يسعى في طلب الأحاديث وابتغاء طُرُقِها، ولا عَرَف مِن لُغة الناطق بالشريعة ﷺ ما لا يَعُوزُه معه معرفة ما يُحتاج إليه فيه، وغير ذلك من شروط الاجتهاد، فإن ذلك مما فُرِغ منه، ودَأَب له فيما سواه، وانتهى له الأمر من هؤلاء الأئمة المجتهدين إلى ما أراحوا به من بعدهم، وانحصر الحق في أقاويلهم، ودُوِّنت العلوم، وانتهت إلى ما اتضح فيه الحق.
[ ٧٦ ]
فإذا عمل القاضي في أَقضيته مما يأخذه (^١) عنهم أو عن الواحد منهم؛ فإنه في معنى مَن كان أدَّاه اجتهاده إلى قولٍ قاله.
وعلى ذلك؛ فإنه إذا خَرَج مِن خِلافهم، مُتوخِّيًا مواطن الاتفاق ما أمكنه؛ كان آخذًا بالحزم، عاملًا بالأَوْلى.
وكذلك إذا قصد في مواطن الخلاف تَوَخِّي ما عليه الأكثر منهم، والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد؛ فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى، مع جواز عمله أن يعمل (^٢) بقول الواحد، إلا أنني أكره له أن يكون ذلك (^٣)، من حيث إنه قد قرأ مذهب واحد منهم، أو نشأ في بلدة لم يُعرَف فيها إلا مذهب إمام واحد منهم، أو كان شيخه ومعلمه على مذهب فقيه من الفقهاء، فَقَصَر نفسه على اتباع ذلك المذهب، حتى إنه إذا حضر عنده خصمان، وكان ما تشاجرا فيه مما يُفتي الفقهاء الثلاثة فيه بحكم؛ نحو: الوكيل بغير رضا الخصم، وكان الحاكم حنفيًّا، وقد علم أن مالكًا والشافعي وأحمد اتفقوا على جواز هذا التوكيل، وأن أبا حنيفة يمنعه، فعدل عما اجتمع عليه هؤلاء الأئمة الثلاثة إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة، من غير أن يَثبُت عنده بالدليل ما قاله، ولا أدَّاه اجتهاده إلى أن أبا
_________________
(١) في (ب): بما يأخذ.
(٢) في (أ): علمه. مكان قوله: (عمله أن يعمل).
(٣) قوله: (ذلك) سقط من (أ).
[ ٧٧ ]
حنيفة أولى بالاتباع مما اتفق الجماعة عليه، فإني أخاف على هذا مِن الله ﷿ بأنه اتبع في ذلك هواه، وأنه ليس من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وكذلك إن كان القاضي مالكيًّا، فاختصم إليه اثنان في سؤر الكلب، فقضى بطهارته مع عِلمه بأن الفقهاء كلهم قضوا بنجاسته.
وكذلك إن كان القاضي شافعيًّا، فاختصم إليه اثنان في متروك التسمية عمدًا، فقال أحدهما: هذا منعني من بيع شاة مذكاة. فقال الآخر: إنما منعته من بيع الميتة. فقضى عليه بمذهبه وهو يعلم أن الأئمة الثلاثة على خلافه.
وكذلك إن كان القاضي حنبليًّا، فاختصم إليه اثنان، فقال أحدهما: لي عليه مال. فقال الآخر: كان له علي مال فقضيته. فقضى عليه بالبراءة من إقراره، مع علمه بأن الأئمة الثلاثة على خلافه.
فإن هذا وأمثاله مما تُوُخِّيَ اتباع الأكثرين فيه؛ أقرب عندي إلى الإخلاص، وأرجح في العمل.
وبمقتضى هذا؛ فإن ولايات الحُكَّام في وقتنا هذا صحيحة، وإنهم قد سَدُّوا ثغرًا من ثغور الإسلام سَدُّهُ فرضُ كفاية.
ولو أهملت هذا القول ولم أذكره، ومشيت على الطريق التي
[ ٧٨ ]
يمشي عليها الفقهاء، الذين يَذكر كلٌّ منهم في كتابٍ إنْ صَنَّفه، أو كلامٍ إنْ قالَهُ؛ أنَّه لا يصح أن يكون قاضيًا إلا من كان من أهل الاجتهاد، ثم يذكر من شروط الاجتهاد أشياء ليست موجودة في الحُكَّام؛ فإن هذا كالإحالة والتناقض، وكأنه تعطيلٌ للأحكام وسدٌّ لباب الحكم، وأن لا يَنفُذُ حق، ولا يُكاتَب به، ولا يُقام بينة، إلى غير ذلك من القواعد الشرعية، وهذا غير صحيح، بل الصحيح في المسألة أن وُلايات الحُكَّام جائزة، وأن حكوماتهم اليوم صحيحة نافذة، وولاياتهم جائزة شرعًا) انتهى كلام ابن هبيرة ﵀ (^١).