فنقول له: قد خالف الشافعي في هذه المسألة مَن هو مثله أو أعلم منه؛ كمالك والإمام أحمد، وغيرهما من كبار الأئمة، فنجعل هؤلاء الأئمة بإزاء الشافعي، ونقول: إمام بإمام، وتسلم لنا الأحاديث، ونرد الأمر إلى الله والرسول عند تنازع هؤلاء الأئمة، ونَتَّبِع الإمام الذي أخذ بالنص، ونعمل بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
فنمتثل ما أمر الله به، وهذا هو الواجب علينا، ولسنا في هذا العمل خارجين عن التقليد، بل خرجنا من تقليد إمام إلى تقليد إمام آخر؛ لأجل الحجة التي أدلى بها من غير معارض لها ولا ناسخ.
فالانتقال من مذهب إلى مذهب آخر لأمر ديني؛ بأن يتبين (^١) له رجحان قول على قول، فيرجع إلى القول الذي يرى أنه أقرب إلى الدليل؛ مُثابٌ على فعله، بل وجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله ورسوله في أمر أن لا يعدل عنه، ولا يُتَّبعُ أحدٌ في مخالفة حكم الله ورسوله؛ فإن الله فرض على الخلق طاعته وطاعة (^٢)
_________________
(١) في (أ): تبيَّن.
(٢) قوله: (طاعته) سقط من (ب).
[ ٩١ ]
رسوله ﷺ في كل حال كما تقدم ذكره.
وقد ذكرنا أن الشافعي قال: (أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس).
وأما الانتقال من مذهب إلى مذهب لمجرد الهوى أو لغرض دنيوي؛ فهذا لا يجوز، وصاحبه يكون مُتَّبِعًا لهواه، وقد نصَّ الإمام أحمد: على أنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجبًا أو محرمًا، ثم يعتقده غير واجب أو محرم بمجرد هواه.
وذلك مثل أن يكون طالبًا للشفعة بالجوار، فيعتقدها أنها حق، ويقول: مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة أرجح من مذهب الجمهور، ثم إذا طلبت منه الشفعة بالجوار اعتقد أنها ليست ثابتة، وقال: مذهب الجمهور في هذه المسألة أرجح.
أو مثل من يعتقد إذا كان أخًا مع جد؛ أن الإخوة تُقاسِم الجدَّ كما هو مذهب الأئمة الثلاثة، فإذا كان جَدًّا مع أخ اعتقد أن الجد يُسقِط الإخوة كما هو مذهب أبي حنيفة.
فهذا ونحوه لا يجوز، وصاحبه مذموم، بل يجب عليه أن يعتقد الحقَّ فيما له وعليه، ولا يَتَّبِع هواه، ولا يَتَتَبِع الرُّخَص، فمتبع الرخص مذموم، والمتعصب للمذهب مذموم، وكلاهما متبعٌ هواه.
[ ٩٢ ]