وهذه شبهة (^٤):
ألقاها الشيطان على كثير ممن يدَّعي العلم،
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٠/ ٢٢٧.
(٢) في (أ): اتُّفق.
(٣) قوله: (لزوم) سقط من (ب).
(٤) يُعلم فساد هذه الشبهة مما تقدم وما سيأتي بيانه، وهي شبهة مبنية من مقدمات ثلاث: المقدمة الأولى: أن الناس قسمان: مجتهد ومقلد. وتقدم الجواب عنها ص … هامش … المقدمة الثانية: أن المقلد فرضه التقليد في جميع المسائل. وتقدم الجواب عنها أيضًا ص … هامش …، وتقدم بيان الحالات التي يجوز فيها التقليد. المقدمة الثالثة: أن الاجتهاد أمر صعب المنال، وأنه قد انطوى بساطه منذ زمن. وتقدم الجواب عنها ص … هامش … وسيأتي مزيد إيضاح في كلام المؤلف ﵀. نتيجة هذه المقدمات الثلاث: الركون إلى التقليد، قالوا: ولما كان الانتقال من قول إلى قول ذريعة إلى تتبع الرخص والعمل التشهي؛ أوجبوا التزام المذهب وحرموا الخروج عنه. فأجاب المؤلف ﵀ عن هذه الشبهة، وبيَّن المؤلف حال من استحوذت عليه هذه الشبهة مع النصوص، وهم على درجات، فليفتش المرء في نفسه إن كان معظمًا لمذهبه، فقلَّ أن يسلم من ذلك معظم لمذهب، وتعاهد السنة في قلبك فكم من إنسان سُلب تعظيمها وحسن متابعتها، هدانا الله إلى سواء السبيل.
[ ٨٨ ]
وصاد بها أكثرهم، فظنُّوا أن النظر في الأدلة أمرٌ صعبٌ لا يَقدِر عليه إلا المجتهد المطلق، وأن من نظر في الدليل، وخالف إمامه لمخالفة قوله لذلك الدليل فقد خرج عن التقليد، ونسب نفسه إلى الاجتهاد المطلق.
واستقرت هذه الشبهة في قلوب كثيرٍ، حتى آل الأمر بهم إلى أن تقطعوا أمرهم بينهم زبرًا كل حزب بما لديهم فرحون، وزعموا أن هذا هو الواجب عليهم، وأن مَن انتسب إلى مذهب إمامٍ؛ فعليه أن يأخذ بعزائمه ورخصه، وإن خالف نصَّ كتابٍ أو سنةٍ.
[ ٨٩ ]
فصار إمام المذهب عند أهل مذهبه كالنبي في أمته، لا يجوز الخروج عن قوله، ولا تجوز مخالفته، فلو رأوا أحدًا من المقلِّدين قد خالف مذهبه، فقلَّد إمامًا آخر في مسألة لأجل الدليل الذي استدل به، قالوا: (هذا قد نسب نفسه إلى الاجتهاد، ونزَّل نفسَه منزلة الأئمة المجتهدين)، وإن كان لم يخرج عن التقليد، وإنما قلَّد إمامًا دون إمام آخر لأجل الدليل، وعمل بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾.