وتجد كتب المتقدمين من أصحاب أحمد مهجورة عندهم، بل قد هجروا كتب المتوسطين، ولم يعتمدوا إلا على كتب المتأخرين، فـ «المغني» و«الشرح» و«الإنصاف» و«الفروع»، ونحو هذه الكتب التي يذكر أهلها خلاف الأئمة أو خلاف الأصحاب لا ينظرون فيها، فهؤلاء في الحقيقة أتباع الحجاوي وابن النجار، لا أتباع الإمام أحمد (^١).
_________________
(١) وجه كونه من أتباع الحجاوي لا من أتباع أحمد: أنه لما التزم ما قرره الحجاوي أو ابن النجار مطلقًا، سواء نص عليه أحمد أو كان نص أحمد على خلافه، والتزم ما تفرَّع عن ذلك من المسائل؛ كان انتسابه للحجاوي وابن النجار أولى من انتسابه لأحمد. وأما من انتسب لمذهب أحمد الانتساب الجائز، بمعنى أنه يوافقه في طريقته في الاستدلال غالبًا، ولو خالفه في كثير من الفروع؛ كان انتسابه إلى الإمام أحمد بهذا الاعتبار أقرب إلى المعقول من انتساب الأول المزعوم، فأي الفريقين أحق بأحمد حينئذ؟! وليس الانتساب إلى الإمام أحمد أو إلى غيره من الأئمة بقضية هامَّة عند صاحب الحق، ولكن القوم يتمدحون بانتسابهم لأحمد واعتزائهم لمذهبه، ويقدحون بطريقة أهل الحق القائمة على تعظيم النصوص والنظر فيها من أهلها، ويزعمون أنها طريقة مخالفة لطريقة أحمد وأصحابه، ومرادهم الانتقاص والتنفير غالبًا، حتى ذكر بعضهم أن إمام الدعوة ابتدع مذهبًا خامسًا. فإذا كنتم تعيبون على من خالف مذهب المتأخرين اتباعًا للدليل، فها أنتم تخالفون الدليل تارة، ونصوص أحمد تارة أخرى التزامًا بما في الإقناع والمنتهى، فصح مشاكلةً أن يقول قائل في طريقتكم: (حجَّاويَّة لا حنبلية، ونجَّارية لا نبويَّة).
[ ٩٧ ]
وكذلك متأخرو الشافعية هم في الحقيقة أتباع ابن حجر الهيتمي صاحب «التحفة»، وأضرابه من شُرَّاح «المنهاج»، فما خالف ذلك من نصوص الشافعي لا يعبؤون به شيئًا.
وكذلك متأخرو المالكية هم في الحقيقة أتباع خليل، فلا يعبأون بما خالف «مختصر خليل» شيئًا، ولو وجدوا حديثًا ثابتًا في الصحيحين لم يعملوا به إذا خالف المذهب، وقالوا: الإمام الفلاني أعلم منا بهذا الحديث، ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.
فكل أهل مذهب اعتمدوا على كتب متأخريهم، فلا يرجعون إلا إليها، ولا يعتمدون إلا عليها، وأما كتب الحديث؛ كالأمهات الست وغيرها من كتب الحديث وشروحها، وكتب الفقه الكبار التي يُذكر فيها خلاف الأئمة وأقوال الصحابة والتابعين؛ فهي عندهم مهجورة، بل هي في الخزانة مسطورة، للتبرك بها لا للعمل، ويعتذرون بأنهم قاصرون (^١) عن معرفتها؛ فالأخذ بها وظيفة المجتهدين، والاجتهاد قد انطوى بساطه من أزمنة متطاولة، ولم يبقَ إلا التقليد، والمقلِّد يأخذ بقول إمامه، ولا ينظر إلى دليلِه وتعليلِه (^٢).
_________________
(١) نهاية نسخة (ب).
(٢) تنبيهان: التنبيه الأول: مراده بلا ريب: بيان حال بعض مقلدة المذاهب الفقهية، لا عموم من انتسب إلىها، فإن بعض المتمذهبة اقتصروا في التعلُّم والعمل على ما تأخر من مصنفات المذهب، والسبب في ذلك: فهمهم ا لخاطئ للمقصود من تصنيف أصحابها لها، وقد جرَّهم إلى هذا الفهم: التقليد المتقدم ذمُّه وبيانه. وقد تقدم في المقدمة بيان المقصود من تصنيف المصنفات وكتابة المختصرات ص … التنبيه الثاني: ليس مراده بلا ريب: الاعراض عن كتب الفقهاء جملة وتفصيلًا، فإن هذا لا يفيده كلامه حتى من بعيد، بل إن المؤلف وشيوخه وتلاميذه في نجد من أشد الناس عناية بكتب الفقهاء، ويدل على ذلك أمور:
(٣) … أن الشيخ وأهل دعوته كانوا ينتسبون إلى المذهب، قال عبد الله ابن الشيخ: (ونحن في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل) ينظر: الدرر السنية ٤/ ١٥.
(٤) … أن شيخه الشيخ محمد بن عبد الوهاب اختصر الشرح الكبير والإنصاف، ومكانة الكتابين معروفة عند الحنابلة.
(٥) … أن من اطلع على فتاويهم رأى كثرة إيرادهم لكلام الحنابلة، من المغني والشرح والفروع والإنصاف وقواعد ابن رجب والإقناع والمنتهى وحواشيها وغيرها من مصنفات الحنابلة.
(٦) … دقة فهمهم لكتب المتأخرين؛ كالمنتهى والإقناع والروض وغيرها، فإنه قلَّ أن يَدرُس أحد كتاب الروض المربع مثلًا إلا ورجع إلى حواشيهم، فإن غالب حواشي الروض مما كتبوه، كحاشية أبا بطين والعنقري والشثري وابن سيف وابن عيسى وغيرهم، وكتب الشيخ عبد الله أبا بطين حاشية نفيسة على المنتهى وشرحه، وقُرئ عليه شرح المنتهى مرارًا، وشرح مختصر التحرير في الأصول، وقرأ الشيخ عمر بن حسن وأخيه عبد الله المنتهى وشرحه على والديهما كاملًا، وقُرئ على الشيخ محمد بن إبراهيم الروض كاملًا وشرحه شرحًا دقيقًا. ومن دقة فهمهم بعبارات كتب الفقهاء ما أجاب به الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن عن عبارة الروض، نقلًا عن صاحب النظم: (وتحرم القراءة في الحش وسطحه، وهو متوجه على حاجته)، فأجاب: (اعلم أن قوله: "متوجه"، من كلام صاحب الفروع، ومعناه: أن التحريم يتوجه إذا كان المتخلي جالسًا على حاجته بهذا القيد) ينظر: الدرر السنية ٤/ ١٤٧.
(٧) … أنه كانت بأيديهم سائر كتب المذهب من كتب المتقدمين والمتأخرين، فيقرؤونها ويشرحونها ويحشُّون عليها.
(٨) … ما قيل في تراجمهم من شدة عنايتهم بالمذهب، فمن ذلك ما قاله ابن حميد في شيخ أبا بطين: (إذا قرر مسألة يقول: هذي عبارة المقنع، مثلًا، وزاد عليها المنقح كذا ونقص منها كذا، وأبدل لفظة كذا بهذه) ثم قال: (وبموته فُقِد التحقيق في مذهب الإمام أحمد، فقد كان فيه آية، وإلى تحقيقه النهاية، فقد وصل فيه إلى الغاية) السحب الوابلة ٢/ ٦٣١. وأبا بطين من تلاميذ صاحب هذه الرسالة المباركة والشيخ عبد العزيز الحصين، وكلاهما من تلاميذ الإمام المجدد ﵏ جميعًا. فلم يُرِد المؤلف في هذه الرسالة ترك الاعتناء بالمذهب وقراءة كتبه، وإنما أراد النصح لمن أعرض عن نصوص الوحيين والتزم المذهب في التعلم والتعليم والعمل والإفتاء، وعظم المذهب في نفسه أكثر من تعظيم الوحي، وصار يذم من خالف المذهب ولو أخذ بمذهب آخر الموافق للدليل، حتى عدَّ بعضهم ما جاء به الشيخ محمد بن عبد الوهاب مذهبًا خامسًا لشدة غربة السنة في زمانهم. فمنهج أئمة الدعوة النجدية والعلماء المحققين قبلهم منهج وسط بين من ينبذ المذاهب وبين من يتعصب لها، فهم يستفيدون من الفقهاء ويتعلمون من كتبهم ويدرسونها ويدرسونها، ويعظمون الدليل ويقدمونه على غيره وإن لم يبلغ الواحد منهم مرتبة الاجتهاد، إذا كان ثَّم إمام قال به.
[ ٩٨ ]