ولهذا جعل الفقهاء من شروط القاضي أن يكون مجتهدًا، فلا يصح أن يتولاه المقلد، هذا الذي عليه جمهور العلماء (^١).
_________________
(١) كذا عند المالكية كما في مواهب الجليل (٦/ ٨٨)، والشرح الكبير للدردير (٤/ ١٢٩)، والشافعية كما في المجموع للنووي (٢٠/ ١٥٠)، والبحر للروياني (١١/ ١٥٥)، وكفاية النبيه لابن الرفعة (١٨/ ٧٧)، والحنابلة فيما نقله المؤلف. ولم يشترط ذلك الحنفية في المشهور عندهم، وإنما يكفي عندهم أن يقضي بفتوى غيره. ينظر: فتح القدير (٧/ ٢٥٦)، الاختيار لتعليل المختار (٢/ ٨٣)، لسان الحكام (ص ٢١٨)، حاشية ابن عابدين (٥/ ٣٦٥). وللحنفية رواية أخرى موافِقة لقول الجمهور، نص عليها محمد بن الحسن في الأصل. ينظر: فتح القدير (٧/ ٢٥٦).
[ ٣١ ]
قال في «الإفصاح»: (اتفقوا على أنه لا يجوز أن يُولَّى القضاء من ليس من أهل الاجتهاد، إلا أبا حنيفة؛ فإنه قال: يجوز ذلك) (^١).
وقال الموفق في «المغني»: (يشترط في القاضي ثلاثة شروط:
أحدها: الكمال؛ وهو نوعان: كمال الأحكام، وكمال الخلقة.
والثاني: العدالة.
والثالث: أن يكون من أهل الاجتهاد، وبهذا قال مالك والشافعي وبعض الحنفية.
وقال بعضهم: يجوز أن يكون عاميًّا فيحكم بالتقليد؛ لأن الغرضَ (^٢) فصلُ الخصومات، فإذا أمكنه ذلك بالتقليد جاز؛ كما يُحكم بقول المقومين.
ولنا: قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾،
_________________
(١) ينظر: المسودة في أصول الفقه ص ٥٣٨.
(٢) في (أ): الغرض من. وهو خطأ.
[ ٣٢ ]
ولم يقل بالتقليد، وقال: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وروى بُريدة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ، اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ جَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ» رواه ابن ماجه (^١)،
والعامي يقضي على جهل، ولأن الحكم آكد من الفتيا، لأنه فتيا وإلزام، والمفتي لا يجوز أن يكون مقلدًا، فالحاكم أولى (^٢) انتهى (^٣).
وقال في «الإنصاف»: (ويشترط في القاضي أن يكون مجتهدًا، هذا المذهب المشهور، وعليه معظم الأصحاب.
قال ابن حزم: يشترط كونه مجتهدًا إجماعًا. وقال: أجمعوا على أنه لا يحل لحاكمٍ ولا لمفتٍ تقليدُ رجلٍ، فلا يُحكم ولا يُفتي إلا بقوله.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٣١٥)، وأخرجه أبو داود (٣٥٧٣)، والترمذي (١٣٢٢)، والحاكم (٧٠١٢)، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه ابن الملقن والألباني، وجود إسناده ابن عبد الهادي، وجمع الحافظ ابن حجر طرقه في جزء له. ينظر: البدر المنير ٩/ ٥٥٢، المحرر في الحديث ص ٦٣٧، التلخيص الحبير ٤/ ٣٤٠، إرواء الغليل ٨/ ٢٣٥ ..
(٢) في (أ): في الحكم وال. وهو خطأ.
(٣) ينظر: المغني ١٠/ ٣٦.
[ ٣٣ ]
وقال في «الإفصاح» (^١): الإجماع انعقد على تقليدِ كلٍّ من المذاهب الأربعة، وأن الحق لا يخرج عنهم.
واختار في الترغيب: ومجتهدًا في مذهب إمامه للضرورة. واختار في «الإفصاح»: و«الرعاية»: ومقلدًا. قلت: وعليه العمل من مدة طويلة، وإلا تعطَّلت أحكام الناس.
وقيل في المقلد: يفتي ضرورة.
وذكر القاضي أن ابن شاقْلَا اعتُرِض عليه بقول الإمام أحمد: لا يكون فقيهًا حتى يحفظ أربعمائة ألف حديث. فقال: إن كنت لا أحفظه فإنني أفتي بقول من يحفظ أكثر منه.
قال القاضي: لا يقتضي هذا أنه كان يقلِّد أحمد؛ لمنعه الفتيا بلا علم.
قال بعض الأصحاب: ظاهره تقليده، إلا أن يُحمَل على أخذ طرق العلم منه.
وقال ابن بشَّار من الأصحاب: لا أعيب على من يحفظ خمس مسائل لأحمد يفتي بها. قال القاضي: هذا منه مبالغة في فضله.
وظاهر نقل عبد الله: يفتي غير مجتهد، ذكره القاضي، وحمله
_________________
(١) في (أ): الإنصاف. والصواب المثبت.
[ ٣٤ ]
الشيخ تقي الدين على الحاجة) انتهى ملخصًا (^١).