وأما سؤال السائل: عن الترقي إلى معرفة طُرُق الحديث وصحته، أم تقليد المخرِّجين للحديث في أنه صحيح أو حسن يكفيهم؟ (^١)
فجوابه: أن ذلك يكفيهم.
قال في «شرح مختصر التحرير»: (ويُشترط في المجتهد أن يكون عالمًا بصحَّة الحديث وضعفه سندًا ومتنًا، ولو كان علمه بذلك تقليدًا؛ كنقله من كتاب صحيح من كتب الحديث المنسوبة إلى الأئمة؛ كمالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والدارقطني والحاكم ونحوهم؛ لأنهم أهل المعرفة بذلك؛ فجاز الأخذ بقولهم كما يؤخذ بقول المقوِّمين في القِيَم) انتهى (^٢).
_________________
(١) وهذه شبهة أخرى للمقلِّدة: أن القدرة على الترجيح تحتاج إلى رجل عالم بالحديث وطرقه وعلله، وهذا أمر يفتقده من لم يبلغ مرتبة الاجتهاد غالبًا. وجواب الشبهة باختصار:
(٢) … أن العلم بطرق الحديث وعلله لا يشترط في المجتهد، فضلًا عن غيره من المتفقهة.
(٣) … أن التمييز بين أقوال المحدثين في التصحيح والتضعيف أمر ممكن لمن لديه شيء من أهلية ذلك العلم.
(٤) … أن اختلاف المحدثين الاختلاف الشديد بحيث يصعب على الناظر الترجيح بين أقوالهم نطاقه أضيق بكثير من الأحاديث التي ظاهرها الصحة أو الضعف.
(٥) ينظر: شرح الكوكب المنير ٤/ ٤٦١.
[ ٧٠ ]
وقال في «مسودة بني تيمية»: (العاميُّ الذي ليس معه آلة الاجتهاد في الفروع؛ يجوز له التقليد فيها عند الشافعية والجمهور، وقال أبو الخطاب: ويجوز له الرجوع إلى أهل الحديث في الخبر، وكون سنده صحيحًا أو فاسدًا، ولا يلزمه أن يتعلم ذلك بالإجماع) انتهى (^١).
وقال عبد الرحيم بن الحسين العراقي في «ألفيته» (^٢):
وأخذ متن من كتاب لعمل … أو احتجاج حيث ساغ قد جعل
عرضًا له على أصول يشترط … وقال يحيى النووي أصل فقط
ثم قال المؤلف في «شرحه»: (أي: وأخذ الحديث من كتاب من الكتب المعتمدة لعمل به أو احتجاج به - إن كان ممن يسوغ له العمل بالحديث أو الاحتجاج به -؛ جعل ابن الصلاح شرطه أن يكون ذلك الكتاب مقابلًا بمقابلة ثقة على أصول صحيحة متعدِّدة مرويَّة بروايات متنوعة.
قال النووي: فإن قابلها بأصل معتمد محقق أجزأه.
_________________
(١) ينظر: المسودة ص ٤٥٨.
(٢) البيت (٤٧) و(٤٨) من الألفية.
[ ٧١ ]
وقال ابن الصلاح في قسم الحسن، حين ذكر أن نُسَخ الترمذي تختلف في قوله: حسن، أو حسن صحيح ونحو ذلك: فينبغي أن تصحِّح أصلَك بجماعة أصول، وتعتمد على ما اتفقت عليه.
فقوله: «ينبغي» قد يشير إلى عدم اشتراط ذلك، وإنما هو مستحب، وهو كذلك) انتهى كلام العراقي (^١).
وقال أبو الحسن البكري الشافعي في كتابه «كنز المحتاج على المنهاج»؛ لما ذكر أن مِن شروط القاضي أن يكون مجتهدًا إلا إذا فُوِّضت إليه واقعةٌ خاصة-: (فيكفي الاجتهاد في تلك الواقعة بناءً على تجزئ الاجتهاد وهو الأصح)، إلى أن قال: (وقد يحصل الاجتهاد في باب دون باب آخر، ولا حاجة لتتبع الأحاديث، بل يكفي أصل مُصحَّح اعتُنِيَ فيه بجمع أحاديث الأحكام؛ كسنن أبي داود، ولا (^٢) أن يَعرِف مواقع كلِّ باب فيراجعه عند الحاجة، ولا إلى البحث عن رواة حديث أجمع السلف على قبوله أو تواترت عدالة رواته ويقظتهم، وما عداه يكتفى في رواته بتعديل إمام مشهور عُرِفت صحةُ مذهبه جرحًا وتعديلًا، ولا إلى ضبط جميع مواضع الإجماع والاختلاف، بل يكفي معرفته بعدم مخالفة قوله الإجماع؛
_________________
(١) ينظر: شرح التبصرة والتذكرة للعراقي ١/ ١٤٦.
(٢) كذا في النسخ، والظاهر أن حرف (لا) مقحم، ويدل عليه كلام الغزالي: (ويكتفي فيه بمواقع كل باب، فيراجعه وقت الحاجة) ينظر: البحر المحيط ٨/ ٢٣٢.
[ ٧٢ ]
لموافقته متقدم عليه أو غلبة ظن بتوليها في عصره، وكذا في معرفة الناسخ والمنسوخ) انتهى (^١).
وقال في «شرح الروض» للقاضي زكريا؛ لما ذكر أن من شروط القاضي أن يكون مجتهدًا قال: (والمجتهد من علم ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة، وعرف منهما العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والنص والظاهر، والناسخ والمنسوخ، والمتواتر والآحاد، والمرسل والمتصل، وعدالة الرواة وجرحهم، وأقاويل الصحابة فمن بعدهم)، إلى أن قال: (ولا يُشترَط التبحر في هذه العلوم، بل يكفي معرفة جُمَل منها، وأن يكون له في كُتُب الحديث أصلٌ صحيحٌ يَجمع أحاديث الأحكام -أي غالبها-؛ كسنن أبي داود، فيعرف كل بابٍ، فيراجعه إذا احتاج إلى العمل به.
ويكتفي في البحث عن الأحاديث بما قَبِلَه منها السلف وتواترت أهليَّة رواته من العدل والضبط، وما عداه يكتفي في أهلية رواته بتأهل إمام مشهور عُرِفت صحة مذهبه في الجرح والتعديل والضبط (^٢).
_________________
(١) الكتاب غير مطبوع، وقد حقق في رسائل علمية بجامعة أم القرى باسم: هادي المحتاج إلى شرح المنهاج.
(٢) قوله: (والضبط) سقط من (أ).
[ ٧٣ ]
ثم اجتماع هذه العلوم إنما يُشترَط (^١) في المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الشرع، ويجوز أن يتبعض الاجتهاد، بأن يكون العالم مجتهدًا في باب دون باب، فيكفيه علم ما يتعلق بالباب الذي يجتهد فيه) انتهى كلام القاضي (^٢).
فتبين بما ذكرناه من النقول: جواز الاعتماد على نقل الأحاديث من الكتب المصحَّحة، وكذلك التقليد لأهل الجرح والتعديل في تصحيح الحديث أو تضعيفه، والله أعلم.