الباب الأول فيما يفيده خبر الواحد
اختلف العلماء فيما يفيده خبر الواحد العدل١ الضابط٢ عن مثله إلى رسول الله ﷺ، أو إلى من انتهى إليه من صحابي أو غيره.
_________________
(١) ١ العدل في اللغة: التوسط، واصطلاحًا يراد به هنا المسلم البالغ العاقل الذي له ملكة تحمله على ملازمة التقوى، والمروءة، وذلك بأن لا يرتكب كبيرة، ولا يصر على صغيرة، ويترك من المباحات ما يقدح في المروءة. قال ابن عاصم معرفًا له في منظومته: العدل من يجتنب الكبائر ويتقي في الأغلب الصغائرا وما أبيح وهو في العيان يقدح في مروءة الإنسان انظر: تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام لابن عاصم ص: ٩، الناشر عبد الحميد أحمد حنفي. مصر. مطبعة الفجالة الجديدة، وانظر تفاصيل ذلك كله في الأحكام للآمدي٢/٦٤ فما بعدها، ومختصر ابن الحاجب٢/٦٣، ومذكرة أصول الفقه للشيخ محمّد الأمين الشنقيطي ص:١١٣، مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة. ٢ الضبط حفظ الراوي مرويه، بحيث يكون حافظًا إن حدث من حفظه، ضابطًا لكتابه إن حدث فمنه، عالمًا بما يحيل المعنى إن روى به، ويعرف بقلة مخالفته للثقات. قال صاحب طلعة الأنوار معرفًا للضابط من غيره: كذاك لا يقبل إلا من ضبط من زايل الخطأ كثيرًا والغلط بالضابطين اعتبرن فإن غلب وفق فضابط وإلا يجتنب انظر: تدريب الراوي١/٣٠١، ومذكرة أصول الفقه للشيخ محمّد الأمين الشنقيطي ص:١١٢.
[ ١١٧ ]
فمن قائل: إنه يفيد العلم، وهؤلاء منهم من قال: يفيد العلم على اطراد، ومنهم من قال: يفيده لا على اطراد.
وذهب البعض الآخر إلى أنه إنما يفيد العلم بانضمام القرائن غير اللازمة للتعريف.
وقالت طائفة أخرى: إنه إنما يفيد الظن، واستدلت كل طائفة بأدلة واعترض على كل طائفة من مخالفيها. وها أنا أذكر ذلك إن شاء الله في الفصول الآتية:
[ ١١٨ ]
الفصل الأول: في أن خبر الواحد العدل إنما يفيد الظن فقط
ذهب جمهور الأصوليين إلى أن خبر الواحد العدل، لا يفيد إلا الظن، واستدلوا على ذلك بأدلة، أهمها ما يأتي:
١- قالوا: لأنا نعلم ضرورة أنا لا نصدق كل خبر نسمعه.
٢- أنه لو أفاد العلم لأدى إلى تناقض المعلومين، فيما لو أخبر ثقة آخر بضد ما أخبر به الأول.
٣- أنه لو أفاد العلم، لحصل العلم بنبوة من يخبر بكونه نبيا من غير حاجة إلى معجزة دالة على صدقه.
٤- لو أفاد العلم، لجاز نسخ القرآن والأخبار المتواترة به، لكونه بمنزلتها في إفادة العلم.
٥- لو أفاد العلم، لوجب تخطئة مخالفه بالاجتهاد، وتفسيقه وتبديعه، فيما يفسق فيه ويبدع.
٦- لو أفاد العلم، لوجب الحكم بالشاهد الواحد من غير حاجة إلى شاهد آخر، ومن غير افتقار إلى تزكية.
[ ١١٩ ]
٧- قالوا: لجواز الكذب، والغلط على الراوي، لكونه غير معصوم١، لأن صفة كل خبر واحد هي أنه يجور عليه الكذب والوهم٢.
الأجوبة عن أدلة الجمهور:
أما عن الأول: فإن المخالفين لا يقولون: بإفادة خبر كل واحد العلم، بل يشترطون لإفادة الخبر العلم أن يرويه العدل الضابط على مثله حتى ينتهي به إلى النبي ﷺ، أو إلى من انتهى به إليه. ولهذا قال الإمام الشافعي -﵀-:"ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا:
منها: أن يكون من حدث به ثقة في دينه؟ معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلًا، لما يحدث به، عالمًا بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدت به على المعنى، لأنه إن حدث به على المعنى وهو غير عالم بها يحيل معناه، لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام. فإن أداه بحروفه، فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته
_________________
(١) ١ انظر تفاصيله في روضة الناظر لابن قدامة ص: ٥٢. القاهرة، المطبعة السلفية ومكتبتها، شارع الفتح بالروضة، والمستصفى مع فواتح الرحموت ١/١٤٥، ومختصر ابن الحاجب مع شروحه٢/٥٦، والإحكام للآمدي٢/٣٢ فما بعدها، ومذكرة أصول الفقه للشيخ محمّد الأمين الشنقيطي ص:١٣٠. ٢ الإحكام للآمدي٢/١٠٧.
[ ١٢٠ ]
الحديث، حافظًا إذا حدث به من حفظه حافظًا لكتابه إن حدث من كتابه، إذا شرك أهل الحفظ في الحديث، وافق حديثهم، بريئًا من أن يكون مدلسًا، يحدث عن من لقي مالم يسمع منه، ويحدث عن النبي ما يحدث الثقات خلافه عن النبي. ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه، حتى ينتهي بالحديث موصولًا إلى النبي ﷺ أو إلى من انتهى به إليه دونه، فإن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه، ومثبت عن من حدث عنه، فلا يستغنى في كل واحد منهم عن وصفت"١.
ونقل الخطيب البغدادي إجماع أهل العلم على أنه لا يقبل إلا خبر العدل٢.
وكتب مصطلح الحديث طافحة بأنه لا يقبل من الحديث إلا ماتوفرت فيه الشروط المعتبرة لقبول الرواية الاَنفة الذكر في قول الشافعي -﵀-.
_________________
(١) ١ الرسالة للإمام الشافعي ص:١٦٠، الطبعة الأولى سنة: ١٣٨٨هـ – ١٩٦٩م. مطبعة مصطفى الحلبي، مصر، تحقيق محمّد سيد كيلاني. وانظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص: ١٠، تحقيق نور الدين العتر، الناشر المكتبة العلمية للنمنكاني بالمدينة. ٢ انظر: الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص: ١٨.
[ ١٢١ ]
فكيف يسوغ والحالة هذه أن يساوى بين العدل وغيره؟ حتى يقال: لأنا نعلم ضرورة أنا لا نصدق كل خبر نسمعه، كيف؟ وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ ١، فهذه الآية نصت على وجوب التبين في خبر الفاسق، وهي تدل بمفهوم الشرط على وجوب قبول خبر العدل المعتبر عند الأصوليين عدا الأحناف، وهم وإن خالفوا في حجية مفهوم الشرط، فقد استدلوا بالآية على وجوب قبول خبر الواحد العدل. فقالوا: "أمر بالتبين، وعلل بمجيء الفاسق بالخبر، إذ ترتيب الحكم على الوصف المناسب يشعر بالعلية ولوكان كون الخبر من أخبار الآحاد مانعًا من القبول، لم يكن لهذا التعليل فائدة، إذ علية الوصف اللازم، تمنع من علية الوصف العارض"٢.
وأجابوا عن الثاني: بأنه يمتنع أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من كل وجه، بحيث لا يكون مع أحدهما ما يرجح به على الآخر٣.
_________________
(١) ١ سورة الحجرات آية: ٦. ٢ كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري شرح البزدوي ٢/٣٧٢-٣٧٣، طبعة جديدة بالأوفست، سنة: ١٣٩٤هـ – ١٩٧٤م. دار الكتاب العربي، بيروت. ٣ المسودة لآل تيمية ص: ٣٠٦، تحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد. مطبعة المدني. القاهرة.
[ ١٢٢ ]
فإن فرض وجود خبرين متناقضين،؟ وكانا صدرا معًا، فكل واحد منهما قرينة كذب الآخر، وإلا بان تقدم أحدهما على الآخر، فالمتأخر ناسخ للمتقدم.
قال ابن حزم:"وكذلك نقطع ونبت في كل خبرين صحيحين متعارضين، وكل آيتين متعارضتين، وكل اثنين متعارضين لم يأت نص بيّن بالناسخ منهما، فإن الحكم الزائد على الحكم المتقدم من معهود الأصل هو الناسخ، وأن الموافق لمعهود الأصل المتقدم، هو المنسوح قطعًا يقينًا للبراهين التي قدمنا١ من أن الدين محفوظ، فلو جاز أن يخفى فيه ناسخ من منسوخ، أو أن يوجد عموم لا يأتي نص صحيح بتخصيصه، ويكون المراد به الخصوص، لكان الدين غير محفوظ، ولكانت الحجة غير قائمة على أحد في الشريعة، بل بالعمل بما لم يأمر الله تعالى قط به، وهذا باطل مقطوع على بطلانه"٢.
وأجاب ابن حزم عما لوكان أحد النصين حاظرًا لما أبيح في النص الآخر بأسره، أو كان أحدهما موجبًا، والآخر مسقطًا لما وجب في النص الآخر فقال:"الواجب في هذا النوع أن ننظر إلى النص الموافق لما كنا
_________________
(١) ١ ما أشار إليه لخصه هنا، وسيأتي في الدليل التاسع من أدلة إفادة الخبر للعلم في الفصل الآتي بعد هذا إن شاء الله. ٢ الإحكام لابن حزم١-٤/١٢٣.
[ ١٢٣ ]
عليه لولم يرد واحد منهما، فنتركه ونأخذ بالآخر، لا يجوز غير هذا أصلًا. وبرهان ذلك أننا على يقين من أننا قد كنا على ما في ذلك الحديث الموافق لمعهود الأصل، ثم لزمنا يقينًا العمل بالأمر الوارد بخلاف ما كنا عليه بلا شك، فقد صح عندنا يقينًا إخراجنا عما كنا عليه، ثم لو لم يصحّ عندنا نسخ ذلك الأمر الزائد الوارد بخلاف معهود الأصل. ولا يجوز لنا أن نترك يقينًا بشك، ولا أن نخالف الحقيقة للظن، وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ١.
وقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ٢. وقال تعالى ذامًا لقوم حاكمين بظنهم: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ٣. وقال رسول الله ﷺ: "فإن الظن أكذب الحديث" ٤.
ولا يحل أن يقال فيما صح الورود به: هذا منسوخ إلا بيقين، ولا يحل أن يترك أمر قد تيقن وروده خوفًا أن يكون منسوخًا، ولا أن يقول
_________________
(١) ١ سورة النجم آية: ٢٨. ٢ سورة الأنعام آية: ١١٦. ٣ سورة الجاثية آية: ٣٢. ٤ الموطّأ٢/٧-٩، والبخاري عن أبي هريرة٨/٢٣.
[ ١٢٤ ]
قائل: لعله منسوخ، وكيف ونحن على يقين مقطوع به من أن المخالف لمعهود الأصل هو الناسخ بلا شك ولا مرية عند الله تعالى، برهان ذلك ما قد ذكرناه آنفًا من ضمان الله تعالى حفظ الشريعة والذكر المنزل، فلو جاز أن يكون ناسخ من الدين مشكلًا بمنسوخ، حتى لا يدري الناسخ من المنسوخ أصلًا، لكان الدين غير محفوظ والذكر مضيعًا قد تعلقت الحامق هكذا فيه، وحاشا لله من هذا، وقد صح بيقين لا شك فيه نسخ الموافق لمعهود الأصل من النصين بورود النص الناقل عن تلك الحال، إذ ورد ذلك النص. فهذا يقين ومدّعي خلاف هذا كاذب مقطوع بكذبه إذ لا برهان له على دعواه إلا الظن، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١. فصح أن من لا برهان له على صحة قوله فليس بصادقٍ أصلًا٢.
ويجاب عن الثالث: بأن النبوة أمر في غاية الندرة، ونهاية العظمة، والعادة تحيل صدق مدعيها من غير معجزة دالة على صدقه، والطباع تستبعد وقوع مثل ذلك، لذا كان لا بد لمدعي الرسالة من معجزة دالة على صدقه، لأنه يخبرنا عن الله تعالى، أما من يخبرنا عن الرسول ﷺ،
_________________
(١) ١ سورة النمل آية: ٦٤. ٢ الإحكام لابن حزم١-٤/١٥٩.
[ ١٢٥ ]
فإنما يشترط فيه ما اتفق عليه من العدالة والإسلام والحفظ والضبط عن مثله إلى رسول الله ﷺ، أو إلى من انتهى إليه دونه١.
قال السرخسي٢:"وما قالوا: إن في هذا إثبات زيادة درجة لخبر غير المعصوم على خبر المعصوم غلط بيّن، فإن الحاجة إلى ظهور المعجزات لثبوت علم اليقين بنبوته، وليكون خبره موجبًا علم اليقين، ولا يثبت مثل ذلك بخبر مثل هذا المخبر"٣.
_________________
(١) ١ انظر: التقرير والتحبير شرح تحرير الكمال لابن أمير الحاج٢/٢٧٢، الطبعة الأولى. الأميرية ببولاق. مصر. سنة: ١٣١٦هـ. ٢ هو: أبو بكر محمّد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي، المعروف بشمس الأئمة الإمام الكبير، الفقيه، الأصولي النظار، أحد فحول الإئمة الكبار وأصحاب الفنون، له مؤلّفات منها: المبسوط في الفقه، وله في الأصول أصول السرخسي. ذكر أبو الوفاء أنه توفي سنة: ٤٩٠هـ. وقال المراغي: توفي سنة: ٤٨٣هـ. انظر: مقدمة أصول السرخسي لأبي الوفاء الأفغاني ص: ٤ فما بعدها، والفتح المبين في طبقات الأصوليين١/٢٦٤. ٣ أصول السرخسي١/٣٢٨، وحقّقه أبو الوفاء الأفغاني، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.
[ ١٢٦ ]
وذكر الآمدي: أن تجويز التعبد بخبر الواحد، لابد أن يستند إلى دليل قاطع من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا كذلك المدعي للرسالة، إذا لم تقترن بقوله معجزة دالة على وجوب العمل بقوله١.
فبان بذلك الفرق بين: مدعي الرسالة، وبين خبر الواحد العدل، لأن مدعي الرسالة مشروع عن الله، وناقل خبر الواحد مبلغ عن رسول الله ﷺ.
ويجاب عن الرابع: بأنه استدلال بمحل النزاع، حيث إن من العلماء من قال بأن خبر الواحد العدل ينسخ القرآن والسنة المتواترة، وها أنا أسوق بعض ذلك.
قال ابن حزم:"اختلف الناس في هذا بعد أن اتفقوا على جواز نسخ القرآن بالقرآن، وجواز نسخ السنة بالسنة. فقالت طائفة: لا تنسخ السنة بالقرآن، ولا القرآن بالسنة.
وقالت طائفة: كل ذلك جائز، والقرآن ينسخ بالقرآن وبالسنة، والسنة تنسخ بالقرآن والسنة. قال أبو محمد: وبهذا نقول، وهو الصحيح، وسواء عندنا السنة المنقولة بالتواتر، والسنة المنقولة بأخبار الآحاد، كل ذلك ينسخ بعضه بعضًا، وينسخ الآيات من القرآن، وينسخه الآيات من القرآن، وبرهان ذلك ما بيناه في باب الأخبار من هذا الكتاب من وجوب
_________________
(١) ١ الإحكام للآمدي٢/٤٦-٤٧.
[ ١٢٧ ]
الطاعة لما جاء عن النبي ﷺ، كوجوب الطاعة لما جاء في القرآن ولا فرق، ولأن كل ذلك من عند الله بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١. فإذا كان كلامه وحيًا من عند الله ﷿ والقرآن وحي، فنسخ الوحي بالوحي جائز، لأن كل ذلك سواء في أنه وحي"٢.
وفي المسودة ما لفظه:"وذكر ابن عقيل عن أحمد رواية أخرى بجواز النسخ بأخبار الآحاد احتجاجًا بقصة أهل قباء، وبه قال أهل الظاهر.
قلت: ويحتمله عندي قول الشافعي، فإنه احتج على خبر الراحد بقصة قباء.
قلت: ومن حجة النسخ بخبر الواحد حديث أنس في الخمر إذا أراقها هكذا وكسر الدنان٣.
_________________
(١) ١ سورة النجم آية: ٣، ٤. ٢ الإحكام لابن حزم١-٤/٤٧٧. ٣ المسودة ص: ٢٠٦-٢٠٧، والدنان: بكسر الدال جمع دن بالفتح وهي الخابية اهـ من هدي الساري مقدمة فتح الباري شرح صحيح البخاري. ص: ١١٧، كما بإخراجه محب الدين الخطيب.
[ ١٢٨ ]
وقال والدنا وشيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -﵀-: "والتحقيق الذي لا شك فيه هو جواز وقوع نسخ التواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه، والدليل الوقوع.
أما قولهم: إن التواتر أقوى من الآحاد، والأقوى لا يرفع بما هو دونه، فإنهم قد غلطوا فيه غلطًا عظيمًا مع كثرتهم وعلمهم. وإيضاح ذلك: أنه لا تعارض ألبتة بين خبرين مختلفي التاريخ لا مكان صدق كل منهما في وقته. وقد أجمع جميع النظار أنه لا يلزم التناقض بين القضيتين إلا إذا اتحد زمنهما، أما إن اختلفا، فيجوز صدق كل منهما في وقتها. فلو قلت: النبي ﷺ صلى إلى بيت المقدس، وقلت أيضًا: لم يصل إلى بيت المقدس، وعنيت بالأولى ما قبل النسخ، وبالثانية ما بعده، لكانت كل منهما صادقة في وقتها. ومثال نسخ القرآن بأخبار الآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه نسخ إباحة الحمر الأهلية مثلًا المنصوص عليها بالحصر الصريح في آية: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ ١الآية، بالسنة الصحيحة الثابت تأخرحا عنه، لأن الآية من سورة الأنعام، وهي مكية أي نازلة قبل الهجرة بلا خلاف،
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ١٤٥.
[ ١٢٩ ]
وتحريم الحمر الأهلية بالسنة واقع بعد ذلك في خيبر، ولا منافاة ألبتة بين آية الأنعام المذكورة، وأحاديث تحريم الحمر الأهلية لاختلاف زمنهما"١.
ومقصودي مما سقته أن ما استدل به المخالف محل النزاع، فلا يصلح دليلًا له، ومن أراد الوقوف على أدلة الجمهور على منع نسخ القرآن والسنة المتواترة بأخبار الآحاد، فليرجع إلى ذلك في محله.
وبجاب عن الخامس: بأنه ثبت عن الصحابة تخطئة مخالف السنة بالرأي. فعن عطاء بن يسار أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهبٍ بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا، فقال معاوية: "ما أرى بهذا بأسًا! " فقال أبو الدرداء: "من يعذرني٢ من
_________________
(١) ١ مذكرة أصول الفقه للشيخ محمّد الأمين بن محمّد المختار الشنقيطي ص:٨٦-٨٧، وحديث تحريم الحمر الأهلية أخرجه البخاري انظر صحيح البخاري٧/١٢٣، عن ابن عمر، صحيح مسلم٥/٦٣، أبو داود٢/٢٠٥. ٢ بكسر الذال، أي: من يلومه على فعله، ولا يلومني عليه، ومن يقوم بعذري إذا جازيته بصنيعه ولا يلومني على ما أفعل به، أو من ينصرني. يقال: عذرته إذا نصرته اهـ الزرقاني على الموطأ٤/٢٢٥.
[ ١٣٠ ]
معاوية! أخبره عن رسول الله ﷺ ويخبرني عن رأيه؟! ١. لا أساكنك بالأرض"٢.
وعن ابن عباس -﵄قال: "تمتع النبي ﷺ،فقال عروة بن الزبير: "نهى أبو بكر وعمر عن المتعة"، فقال ابن عباس: "أراهم سيهلكون"، أقول: "قال: النبي ﷺ ويقولون: نهى أبو بكر وعمر"٣.
فهذان نصان في محل النزاع كما ترى، نصًا على إنكار أبي الدرداء على معاوية عدم أخذه بما روى له عن النبي ﷺ له، وإنكار ابن عباس على عروة معارضة ما روى له عن النبي ﷺ من أمر المتعة بنهي أبي بكر وعمر -﵄عن المتنعة.
وفي المنار: "قال صاحب القواطع: الشافعي حكى عن مالك -﵁- أن خبر الواحد إذا خالف القياس لا يقبل، وهذا القول
_________________
(١) ١ أنف من رد السنة بالرأي، وصدور العلماء تضيق عن مثل هذا، وهو عندهم عظيم رد السنن بالرأي، اهـ الزرقاني٤/٢٢٥. ٢ الرسالة للشافعي ص: ١٩٢، الموطأ انظر الزرقاني٤/٢٢٥، صحيح مسلم٥/٤٣ فما بعدها. ٣ جمع بيان العلم وفضله لابن عبد البر٢/٢٣٩.
[ ١٣١ ]
بإطلاقه قبيح، وأنا أجل منزلته عن مثل هذا القول، وليس يدري ثبوته منه"١. وشاهدنا منه استقباحه لهذا الفعل، وإنكاره على صاحبه.
ونقل صاحب التيسير عن أبي حنيفة -﵀- أنه قال: "من أنكر المسح على الخفين يخاف عليه الكفر، فإنه ورد فيه من الأخبار ما يشبه التواتر"٢. ومعلوم أن حديث المسح على الخفين عند جمهور الأصوليين أنه من أحاديث الآحاد.
وذكر ابن عبد البر أن كثيرًا من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة -﵀- برده كثيرًا من أخبار الآحاد العدول٣.
أما عدم تفسيقه وتبديعه فلأن من ردّ خبر الآحاد إنما ردّه لعذر قام عنده كاعتقاد غلط الراوي، أو كذبه، أو أن الرسول ﷺ لا يقول مثل هذا.
_________________
(١) ١ شرح المنار مع حواشيه لابن مالك ص: ٦٢٣، طبعة دار سعادة. ٢ تيسير تحرير الكمال لمحمّد أمير. أمير باد شاه على التحرير لابن همام الدين٣/٣٨. مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر. سنة: ١٣٥٠هـ. ٣ انظر: الانتقاء لابن عبد البر ص: ١٤٩، مكتبة القدسي. القاهرة. سنة: ١٣٥٠هـ.
[ ١٣٢ ]
وفي المسودة: "ولهذا كان الصواب أن من ردّ الخبر الصحيح كما كانت تردّه الصحابة اعتقادًا لغلط الناقل أو كذبه، لاعتقاد الراد، أن الدليل قد دلّ على أن الرسول ﷺ لا يقول هذا، فإن هذا لا يكفر ولا يفسق، وإن لم يكن اعتقاده مطابقًا، وقد ردّ غير واحد من الصحابة غير واحد من الأخبار التي هي صحيحة عند أهل الحديث"١.
قال الشافعي -﵀-: "إن المرء قد يجهل السنة فيكون له قول يخالفها، لا أنه عمد خلافها، وقد يغفل المرء ويخطئ في التأويل"٢. ومثل هذا لا يكفر ولا يفسق لمكان العذر.
ولأن المجتهد إنما يفزع إلى الاجتهاد عند عدم الدليل، وهو حينئذٍ يعلم قطعًا أنه إما أن يصيب الحق أو يخطئه، لما روى عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر "٣. ولأنه لا واسطة بين
_________________
(١) ١ المسودة لآل تيمية ص: ٢٤٧. ٢ الرسالة للإمام الشافعي ص: ١٠٢. ٣ الرسالة للإمام الشافعي ص: ٢١٥، صحيح مسلم٥/١٣١، سنن ابن ماجة٢/٢٧، الطبعة الأولى سنة: ١٣١٣هـ مع حاشية السندي، تحفة الأحوذي شرح الترمذي للمباركفوري٤/٥٥٥.
[ ١٣٣ ]
إصابة الحق أو الخطأ في الاجتهاد، ولذا عرف السلف بسرعة الرجوع إلى الدليل عند ظهوره، وإن خالف ما ذهبوا إليه.
فعن سعيد بن المسيب: "أن عمر بن الخطاب كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله ﷺ كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته، فرجع إليه عمر"١.
وعن ابن أبي ذئب عن مخلد بن خلف قال: "ابتعت غلامًا فاستعملته ثم ظهر لي منه عيب، فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى لي بردّه وقضى عليّ بردّ غلّته، فأتيت عروة فأخبرته، فقال: "أروح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله ﷺ قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان، فعجلت إلى عمر، فأخبرته ما أخبرني عروة عن عائشة عن النبي ﷺ فقال عمر: "فما أيسر عليّ من قضاء قضيته، الله يعلم أني لم أرد فيه إلا الحقّ، فبلغتني فيه سنة عن رسول الله ﷺ، فأردّ قضاء
_________________
(١) ١ الرسالة للإمام الشافعي ص: ١٨٤-١٨٥.
[ ١٣٤ ]
عمر وأنفذ سنة رسول الله. فراح إليه عروة، فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به عليّ له"١.
وروى الشافعي" عن ابن أبي ذئب قال: قضى سعد بن إبراهيم٢ على رجل بقضية، برأى ربيعة ابن أبي عبد الرحمن٣ فأخبرته عن النبي بخلاف ما قضى به، فقال سعد لربيعة: هذا ابن أبي ذئب، وهو عندي ثقة، يخبرني عن النبي بخلاف ما قضيت به، فقال له ربيعة: قد اجتهدت ومضى حكمك، فقال له سعد: واعجبا! أنفذ قضاء سعد بن أم سعد، وأرد قضاء رسول الله، بل أرد قضاء سعد بن أم سعد، وأنفذ قضاء رسول الله، فدعا سعد بكتاب القضية فشقه، وقضى للمقضي عليه"٤. فهكذا يجب على كل مسلم الرجوع إلى الحديث متى صح.
_________________
(١) ١ نفس المصدر ص: ١٩٣، سبل السلام شرح بلوغ الرام٣/٣٠، الترمذي مع تحفة الأحوذي شرح الترمذي٤/٥٠٨. وقد تقدم التعليق على قول عائشة الخراج بالضمان ص:٥٦ من هذا البحث. ٢ هو: سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، كان قاضيًا بالمدينة وهو ثقة باتفاق، مات سنة: ١٢٧هـ اهـ محمّد سيد كيلاني تعليقًا على الرسلة للإمام الشافعي ص: ١٩٣. ٣ هو: ربيعة الرأي ثقة حجة مات سنة: ١٣٦هـ اهـ نفس المصدر ص: ١٩٣. ٤ الرسالة للإمام الشافعي ص: ١٩٣-١٩٤.
[ ١٣٥ ]
ويجاب عن السادس: بأن "الفرق بين الشاهد الذي يشهد بقضية معينة، وبين المخبر عن رسول الله بشرع يجب على جميع الأمة العملُ بينّ، هذا لو قدر أنه كذب على الرسول، ولم يظهر ما يدل كلما كذبه للزم من ذلك إضلال الخلق، والكلام إنما هو في الخبر الذي يجب قبوله شرعًا، وما يجب قبوله شرعًا لا يكون باطلًا، في نفس الأمر"١. ومعلوم أن الشهادة تخالف الرواية في أشياء وإن وافقتها في أخرى.
قال الشافعي:"أقبل في الحديث الواحد والمرأة، ولا أقبل واحدًا منهما وحده في الشهادة، وأقبل في الحديث"حدثني فلان عن فلان" إذا لم يكن مدلسًا، ولا أقبل في الشهادة إلا"سمعت" أو"رأيت" أو"أشهدني" وتختلف الأحاديث فآخذ بعضها استدلالًا بكتاب أو سنة أو إجماع، أو قياس، وهذا لا يؤخذ به في الشهادات هكذا. ولا يوجد فيها بحال، ثم يكون بشر كلهم تجوز شهادته، ولا أقبل حديثه، من قبل ما يدخل في الحديث من كثرة الإحالة وإزالة بعض ألفاظ المعاني"٢.
وأما الحكم بالشاهد الواحد فغير لازم، لأن الحاكم لا يحكم بعلمه، وإنما يحكم بالبيّنة التي هي مظنة الصدق. ويدل على أن الحاكم يعتمد على مظنة الصدق حديث أم سلمة:" إنما أنا بشر وإنكم تختصمون
_________________
(١) ١ المسودة لآل تيمية ص: ٢٤٥. ٢ الرسالة للإمام الشافعي ص: ١٦١.
[ ١٣٦ ]
إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا، فلا يأخذه، فإنماأقطع له قطعة من النار" ١.
فهذا الحديث نص في أن الحاكم يعتمد على البيّنة التي هي مظنة الصدق.
وذكر ابن حزم فروقًا بين الشهادة والرواية ننقلها هنا لزيادة الإيضاح وهي:
أحدها: أن الله تعالى قد تكفل بحفظ الدين وإكماله، وتبيينه من الغيّ، ومما ليس منه. ولم يتكفل تعالى قط بحفظ دمائنا، ولا بحفظ فروجنا، ولا بحفظ أبشارنا، ولا بحفظ أموالنا في الدنيا، بل قدر تعالى بأن كثيرًا من كل ذلك يؤخذ بغير حق في الدنيا. وقد نصّ على ذلك رسول الله ﷺ إذ يقول: " إنكم تختصمون إليّ وإنما أنا بشر، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجّته من الآخر، فأقضي له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما
_________________
(١) ١ صحيح البخاري واللفظ له ٩/٨٦، صحيح مسلم٥/١٢٩.
[ ١٣٧ ]
أقطع له قطعة من النار" ١. وبقوله ﵇ للمتلاعنين: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب" ٢، أو كما قال ﵇ في كل ذلك.
الفرق الثاني: أن حكمنا بشهادة الشاهد، وبيمين الحالف، ليس حكمًا بالظن كما زعموا، بل نحن نقطع ونبت بأن الله ﷿ افترض علينا الحكم بيمين الطالب مع شهادة العدل، ويمين المدعى عليه إذا لم يقم بينة، وبشهادة العدل والعدلين والعدول عندنا، وإن كانوا في باطن أمرهم كاذبين أو واهمين، والحكم بكل ذلك حق عند الله تعالى، وعندنا مقطوع على غيبه.
برهان ذلك أن حاكمًا لو تحاكم إليه اثنان ولا بينة للمدعي، فلم يحكم للمدعى عليه باليمين، أو شهد عنده عدلان فلم يحكم بشهادتهما، فإن ذلك الحاكم فاسق عاص لله ﷿، مجرح الشهادة ظالم سواء كان المدعى عليه مبطلًا في إنكاره أو محقًا، أو كان الشهود كذبة أو واهمين أو صادقين، إذا لم يعلم باطن أمرهم. ونحن مأمورون يقينًا بأمر الله ﷿ لنا بأن نقتل هذا البريء المشهود عليه بالباطل، أو نبيح هذا الفرج الحرام المشهود فيه بالكذب، وأن نبيح هذه البشرة المحرمة، وهذا المال الحرام المشهود فيه بالباطل، وحرم على المبطل أن يأخذ شيئًا من ذلك،
_________________
(١) ١ نفس المصدرين السابقين بأرقامهما واللفظ لمسلم. ٢ صحيح البخاري٧/٦٩، صحيح مسلم٤/٢٠٨ من حديث ابن عباس.
[ ١٣٨ ]
وقضى ربنا بأننا إن لم نحكم بذلك، فإننا فساق عصاة له تعالى، ظلمة متوعدون بالنار على ذلك. وما أمرنا تعالى قط أن نحكم في الدين بخبروضعه فاسق أو وهم فيه واهم. وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ١. فهذا فرق في غاية البيان.
وفرق ثالث: وهو أن تقول: إن الله تعالى افترض علينا أن نقول في جميع الشريعة: قال رسول الله ﷺ، وأمرنا الله تعالى بكذا، لأنه تعالى يقول: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ٢، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣. ففرض علينا أن نقول: "نهانا الله تعالى ورسوله ﷺ عن كذا، وأمرنا بكذا. ولم يأمرنا تعالى قط أن نقول شهد بحق، ولا حلف هذا الحالف على حق، ولا أن هذا الذي قضينا به لهذا حق له يقينًا، ولا قال تعالى: ما قال هذا الشاهد، لكن الله تعالى قال لنا: احكموا بشهادة العدول، وبيمين المدعى عليه إذا لم يقم عليه بيّنة. وهذا فرق لا خفاء به. فلم نحكم بالظن في شيء من كل ذلك أصلًا ولله الحمد"٤.
_________________
(١) ١ سورة الشورى آية: ٢١. ٢ سورة المائدة آية: ٩٢. ٣ سورة الحشر آية: ٧. ٤ الإحكام لابن حزم١-٤/١١٨-١١٩.
[ ١٣٩ ]
ويجاب عن السابع: وهو ما ذكروه من جواز الكذب والغلط على الراوي لكونه غير معصوم - بأن خبر العدل عن مثله إلى رسول الله ﷺ وإن جاز فيه كذب الراوي، أو غلطه، فإن جانب الصدق فيه يترجح، لما قيض الله تعالى لرواته من الحفظ والضبط وشدة الحيطة في الأخذ والتحمل عن الشيوخ،"ولكن هذا الذي قلناه لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم أوقاته وأيامه مشغولًا بالحديث والبحث عن سيرة النقلة والرواة ليقف على رسوخهم في هذا العلم، وكبير معرفتهم به، وصدق ورعهم في أقوالهم وأفعاهم وشدة حذرهم من الطغيات والزلل، وما بذلوه من شدة العناية في تمهيد هذا الأمر، والبحث عن أحوال الرواة والوقوف على صحيح الأخبار وسقيمها وكانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحدًا في كلمة واحدة يتقولها على رسول الله ﷺ، ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك، وقد نقلوا هذا الدين إلينا كما نقل إليهم، وأدوا كما أدى إليهم، وكانوا في صدق العناية والاهتمام بهذا الشأن ما يجل عن الوصف، ويقصر دونه الذكر، وإذا وقف المرء على هذا من شأنهم وعرف حالهم وخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم، ظهر له العلم فيما نقلوه ورووه"١.
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة١-٢/٥٠٧.
[ ١٤٠ ]
قال القرافي: "إذا علم أنهم من أهل الديانة والصدق حصل له العلم بالعدد اليسير منهم"١.
وقال السرخسي: "ينبغي أن يثبت ترجح جانب الصدق في خبر كل عدل كرامة لرسول الله ﷺ "٢.
ويؤيد ما ذهبوا إليه من ترجح جانب الصدق فيه وإفادته للعلم ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٣.
قال القرطبي: " ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أي لمحمّد ﷺ من أن يتقول علينا، أو نتقول عليه"٤ فأنت تراه هنا فسر الآية بما يدل على شمول الذكر للقرآن والسنة، وشهد لهذا التفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٥، وقوله تعالى في حق رسوله ﷺ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٦.
_________________
(١) ١ شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول للقرافي ص:٣٥١. ٢ أصول السرخسي١/٣٢٥. ٣ سورة الحجر آية: ٩. ٤ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي١٠/٦. ٥ سورة النحل آية: ٤٤. ٦ سورة النجم آية: ٣-٤.
[ ١٤١ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيّ﴾ ١. وإذا صح دخول السنة في الذكر، فالذكر محفوظ بحفظ الله تعالى له.
وممن ذهب إلى ذلك الإمام ابن حزم -﵀- فقد صحح أن كلام رسول الله ﷺ كله في الدين وحي من عند الله ﷿، وأنه محفوظ بحفظ الله تعالى له٢.
ونقل ابن القيم عن الإمام أبي المظفر٣أنه قال: "فإن قالوا: فقد كثرت الآثار في أيدي الناس، واختلطت عليهم، قلنا: ما اختلطت إلا على الجاهلين بها، فأما العلماء بها، فإنهم ينقدونها انتقاد الجهابذة هكذا الدراهم والدنانير فيميزون زيوفها ويأخذون خيارها، ولئن دخل في أغمار الرواة من وسم بالغلط في الأحاديث فلا يروج ذلك على جهابذة أصحاب الحديث وورثة العلماء حتى إنهم عدوا أغاليط من غلط في الإسناد والمتون، بل نراهم يعدون على كل واحد منهم كم في حديث
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف آية: ٩. ٢ انظر: الإحكام لابن حزم١-٤/١٠٩ فما بعدها. ٣ هو: منصور بن محمّد بن عبد الجبار بن أحمد بن محمّد أبو المظفر المعروف بالسمعاني، من أهل مرو، الشافعي، السلفي العقيدة، صاحب اليد الطولى في الفنون، له مصنفات منها: "القواطع في الأصول"، وكتاب "الانتصار"، توفي سنة: ٤٨٩هـ بمرو. انظر: الفتح المبين في طبقات الأصوليين١/٢٦٦، ومختصر الصواعق المرسلة لابن القيم١-٢/٥٠٤.
[ ١٤٢ ]
غلط، وفي كل حرف حرف، وماذا صحف، فإذا لم ترج عليهم أغاليط الرواة في الأسانيد والمتون والحروف فكيف يروج عليهم وضع الزنادقة! وتوليدهم الأحاديث التي يرويها الناس حتى خفية على أهلها، وهو قول بعض الملاحدة. وما يقول هذا: إلا جاهل ضال مبتدع كذاب، يريد أن يهجن بهذه الدعوى الكاذبة صحاح أحاديث النبي ﷺ وآثاره الصادقة، فيغالط جهال الناس بهذه الدعوى وما احتج مبتدع في رد آثار رسول الله ﷺ بحجة أوهن ولا أشد استحالة من هذه الحجة، فصاحب هذه الدعوى يستحق أن يسف في فيه وينفى من بلد الاسلام.
فتدبر- رحمك الله - أيجعل حكم من أفنى عمره في طلب آثاز النبي ﷺ شرقًا وغربًا، برًا وبحرًا، وارتحل في الحديث الواحد فراسخ واتهم أباه وأدناه في خبر يرويه عن النبي ﷺ إذا كان موضع التهمة ولم يحابه في مقال ولا خطاب غضبًا لله وحمية لدينه، ثم ألف الكتب في معرفة المحدثين وأسمائهم وأنسابهم وقدر أعمارهم، وذكر أعصارهم وشمائلهم وأخبارهم، وفصل بين الرديء والجيد، والصحيح والسقيم حبًا لله ورسوله وغيرة على الإسلام والسنة، ثم استعمل آثاره كلها حتى فيما عدا العبادات من أكله وطعامه وشرابه ونومه ويقظته وقيامه وقعوده، ودخوله وخروجه، وجميع سننه، وسيرته حتى في خطراته ولحظاته، ثم دعا الناس إلى ذلك
[ ١٤٣ ]
وحثهم عليه وندبهم إلى استعماله، وحبب إليهم ذلك بكل ما يملك حتى في بذل ماله ونفسه"١.
وقال:"ومما يدل على أن أهل الحديث على الحق أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أوّلها إلى آخرها، وجدتها مع اختلاف بلدانهم وزمانهم وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم في قطر من الأقطار – في باب الاعتقاد – على وتيرة واحدة، ونمط واحد، يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها، ولا يميلون عنها، قلوبهم في ذلك على قلب واحد، ونقلهم لا ترى فيه اختلافًا ولا تفرقًا في شيء ما، وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء عن قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا؟ قال الله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة١-٢/٥٠٧-٥٠٨. ٢ سورة النساء آية: ٨٢. ٣ مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة١-٢/٥١٨، والآية من سورة آل عمران آية: ١٠٣.
[ ١٤٤ ]
فكيف يرمى من هذه حاله بالكذب على رسول الله ﷺ؟ وهو يروى عن رسول الله ﷺ "من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ١، ويعتقد صدقه. إنهم براء من ذلك، ولذا فقد كانوا يفضحون كل من كذب على رسول الله ﷺ حتى يشتهر كذبه، ويرد حديثه، وقد صنفوا في ذلك المصنفات التي ميزت من يقبل حديثه، وممن لا يقبل حديثه. فحفظ الله بها سنة رسول الله ﷺ وهذا معلوم لا يحتاج إلى استدلال.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري١/٣٧، صحيح مسلم١/٧ فما بعدها، واللفظ لمسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أبو داود٢/٢٨٨، وابن ماجة١/٩.
[ ١٤٥ ]