ذهب الإمام أحمد -﵀- في إحدى الروايتين عنه إلى أن خبر الواحد العدل يفيد القطع إذا صح، واختارها جماعة من أصحابه، منهم ابن أبي موسى١ وغيره، ونصرها القاضي في الكفاية.
واختار هذا القول الحارث المحاسبي٢، وهو قول جمهور أهل الظاهر، وجمهور أهل الحديث٣.
_________________
(١) ١ لعله عثمان بن موسى بن عبد الله الطائي الأربلي ثم الآمدي، إمام حطيم الحنابلة بالحرم الشريف تجاه الكعبة، كان شيخًا جليلًا عالمًا فاضلًا زاهدًا عابدًا ورعًا، أقام بمكة نحو خمسين سنة. توفي ضحى يوم الخميس ٢٢ محرم سنة ٦٧٤هـ، وخلفه ولده. انظر: ذيل طبقات الحنابلة٢/٢٨٦-٢٨٧. ٢ هو: أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي، البصري، المولود ببغداد، والمتوفى بها سنة ٢٤٣هـ. أخذ عن الشافعي وغيره. كان صوفيًا، وفقيهًا، ومتكلمًا محدثًا، له مصنفات في أصول الدين، ورد على المعتزلة والرافضة والقدرية، وبعضها في الفقه وأحكامه، من مؤلفاته: رسالة المسترشدين. انظر: مقدمتها لعبد الفتاح أبو غده ص: ١٦ فما بعدها. الطبعة الثانية، المطبوعات الإسلامية، حلب. ٣ المسودة لآل تيمية ص: ٢٤٠، مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم ١-٢/٤٨٠.
[ ١٤٦ ]
قال ابن حزم:"وقد يضطر خبر الواحد إلى العلم بصحته، إلا أن اضطراره ليس بمطرد، ولا في كل وقت، ولكن على قدر ما يتهيأ فهذا قسم. والقسم الثاني من الأخبار: ما نقله الواحد عن الواحد، فهذا إذا اتصل برواية العدل إلى رسول الله ﷺ، وجب العمل به، ووجب العلم بصحته أيضًا"١.
وقال ابن القيم:"فممن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم مالك٢ والشافعي، وأصحاب أبي حنيفة وداود بن علي وأصحابه، كأبي محمد بن حزم ونص عليه الحسين بن علي الكرابيسي٣، والحارث بن أسد المحاسبي.
_________________
(١) ١ الإحكام لابن حزم١-٤/٩٧. ٢ ذكر ابن القيم أنها رواية عنه، وأنها اختارها جماعة منهم: ابن خويز منداد. انظر: مختصر الصواعق المرسلة١-٢/٤٨٤. ٣ هو: أبو عليّ الحسين بن عليّ بن زيد الكرابيسي البغدادي، صاحب الإمام الشافعي وأشهر تلاميذه بحضور مجلسه وحفظه لمذهبه، له تصانيف كثيرة في أصول الفقه وفروعه، عارف بالحديث، توفي سنة: ٢٤٥هـ تقريبًا اهـ من تعليق زكريا علي أبي يوسف على الإحكام لابن حزم١-٤/١٣٤.
[ ١٤٧ ]
قال ابن خويز منداد١ في كتاب أصول الفقه - وقد ذكر خبر الواحد الذي لم يروه إلا واحد واثنان - ويقع بهذا الضرب أيضًا العلم الضروري، نص على ذلك مالك. وقال أحمد في حديث الرؤية:٢ نعلم أنها حق، ونقطع على العلم بها، وكذلك روى المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: ههنا اثنان يقولان: "إن الخبر يوجب عملًا، ولا يوجب علمًا"، فعابه، وقال: "لا أدري ما هذا".
وقال القاضي: "وظاهر هذا أنه يسوي بين العلم والعمل إذا صح سنده ولم تختلف الرواية فيه، وتلقته الأمة بالقبول، وأصحابنا يطلقون القول فيه، وأنه يوجب العلم، وإن لم تتلقه بالقبول". قال: "والمذهب على ما حكيت لا غير"٣".
_________________
(١) ١ هو: محمّد بن أحمد بن عبد الله أبو بكر بن خويز منداد. له كتاب كبير في الخلاف، كتاب في أصول الفقه، كتاب في أحكام القرآن، وله شواذ عن مالك، اختيارات كقوله: إن العبد لا يدخل في خطاب الأحرار. وقال: إن خبر الواحد يوجب العلم. وكان يجانب الكلام، وينافر أهله. انظر: الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب لابن فرحون المالكي ٢/٢٢٩، تحقيق الدكتور محمّد الأحمدي أبو نور، مكتبة دار التراث القاهرة، وترتيب المدارك٣-٤/٦٠٦، تحقيق أحمد بكير محمود منشورات مكتبة الحياة. بيروت. ٢ انظر أحاديث الرؤية في صحيح مسلم١/١١٢ فما بعدها، صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري٢/٣٣ باب فضل صلاة العصر. ٣ مختصر الصواعق المرسلة١-٢/٤٧٤-٤٧٥.
[ ١٤٨ ]
وللحنفية في المشهور- الذي هو عندنا من الآحاد- رأيان:
أحدهما: أنه يفيد العلم اليقيني بطريق النظر والاستدلال، وبهذا قال: أبو بكر الجصاص١.
والثاني: أنه يفيد علم طمأنينة، فهو دون المتواتر وفوق الآحاد، وبه قال: عيسى ابن أبان، وصرح به السرخسي في أصوله، فجوزوا به الزيادة على كتاب الله تعالى التي هي عندهم نسخ، ومن أمثلته عندهم حديث المسح على الخفين٢، وحديث الرجم٣، وثمرة خلافهم في كونه يفيد علم اليقين، أو علم الطمأنينة هي: هل يكفر جاحده أو يضلل.
_________________
(١) ١ هو: أحمد بن عليّ أبو بكر الجصاص، إمام الحنفية في عصره، الفقيه الأصولي، له مؤلفات منها:"أحكام القرآن"، "أصول الجصاص في أصول الفقه"، "شرح مختصر الكرخسي" وغيرها، ولد سنة: ٣٠٠هـ وتوفي سنة: ٣٧٠هـ. انظر ترجمته في أوّل من كتابه "أحكام القرآن" ص: ٤. طبعة مصورة عن الأولى، الناشر دار الفكر، بيورت، لبنان. الفتح المبين في طبقات الأصوليين١/٢٠٣-٢٠٤. ٢ البخاري مع الفتح١/٣٠٥، صحيح مسلم١/١٥٦ فما بعدها. عن سعد بن أبي الوقاص ﵁. ٣ الموطأ٢/١٦٥ عن عبد الله بن عمر ﵄، البخاري٨/٢٠٤ فما بعدها. ٤ انظر تفاصيله في كشف الأسرار٢/٣٦٨.
[ ١٤٩ ]
قال ابن القيم: "وصرحت الحنفية في كتبهم بأن الخبر المستفيض يوجب العلم، ومثلوه بقول النبي ﷺ: "لا وصية لوارث "١، قالوا: ومع أنه إنما روى من طريق الآحاد. قالوا: ونحوه حديث ابن مسعود في المتبايعين إذا اختلفا، إن القول قول البائع أو يترادان٢، قالوا: ونحوه حديث عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس٣، قالوا: وكذلك حديث المغيرة بن شعبة ومحمّد بن مسلمة في إعطاء الجدة السدس٤، فقد اتفق السلف على استعمال حكم هذه الأخبار حين سمعوها، فدل ذلك من أمرهم على صحة مخرجها، وسلامتها، وإن كان قد خالف فيها قوم، فإنها عندنا شذوذ ولا يعتد بهم في الإجماع.
_________________
(١) ١ جزء من حديث أبي أمامة، قال ابن حجر: أخرجه الأربعة إلا النسائي وإسناده قوي. قال وأخرجه أحمد وصححه الترمذي. الدراية في تخريج أحاديث الهداية٢/٢٩٠. وانظر فيض القدير شرح الجامع الصغير٦/٤٤٠. ٢ الدارقطني٣/٢٠-٢١، تحقيق السيد عبد الله هاشم اليماني. المحاسن للطباعة. القاهرة. سنة: ١٣٨٦هـ - ١٩٦٦م. ٣ الموطأ في كتاب الزكاة جزية أهل الكتاب والمجوس١/٢٠٧، والشافعي في المسند وفي الرسالة، والبيهقي في السنن الكبرى، وابن المنذر، الدارقطني. انظر: تحفة الطالب لابن كثير ص: ٣٣٧. ٤ الموطأ١/٣٣٥، الدارقطني٢/١٥٤، ابن ماجة٢/٨٤، نيل الأوطار٦/١٧٥، سبل السلام٣/١٠٠، الكفاية ص: ٦٦.
[ ١٥٠ ]
قال: وإنما قلنا: ما كان هذا سبيله من الأخبار، فإنه يوجب العلم بصحة مخبره من قبل أنا إذا وجدنا السلف قد اتفقوا على قبول خبر هذا وصفه من غير تثبت فيه، ولا معارضة بالأصول، أو خبر مثله مع علمنا بمذاهبهم في قبول الأخبار، والنظر فيها، وعرضها على الأصول، دلنا ذلك من أمرهم على أنهم لم يصيروا إلى حكمه إلا من حيث ثبت عندهم صحته واستقامته، فأوجب لنا العلم بصحته. هذا لفظ أبي بكر الرازي في كتابه أصول الفقه١.
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق المرسلة١-٢/٤٧٥-٤٧٦.
[ ١٥١ ]
أدلة القائلين: بإفادة خبر الواحد العدل العلم
١-"أنه لو لم يفد العلم لما جاز اتباعه، لنهيه تعالى عن اتباع الظن بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١، وذمه على اتباعه في قوله ﷻ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ ٢، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣. وقد انعقد الإجماع على وجوب الاتباع على ما تبيّن، فيستلزم إفادة العلم لا محالة"٤. وحذر النبي ﷺ من اتباع الظن فيما ثبت عنه "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" ٥.
٢- قال السرخسي: "إن العمل يجب بخبر الواحد، ولا يجب العمل إلا بعلم، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٦، ولأن الله تعالى قال في نبأ الفاسق: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ ٧،وضد الجهالة
_________________
(١) ١ سورة الإسراء آية: ٣٦. ٢ سورة النجم آية: ٢٨. ٣ سورة البقرة آية: ١٦٩. ٤ كشف الأسرار٢/٣٧١. ٥ الموطأ٢/٩٠٧، صحيح البخاري٨/٢٣. ٦ سورة الإسراء آية: ٣٦. ٧ سورة الحجرات آية: ٦.
[ ١٥٢ ]
العلم، وضد الفسق العدالة، ففي هذا بيان أن العلم إنما لا يقع بخبر الفاسق وأنه يثبت بخبر العدد.
ثم قد ثبت بالآحاد من الأخبار ما يكون الحكم فيه العلم فقط، نحو: عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، ورؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة. فبهذا ونحوه يتبين أن خبر الواحد موجب للعلم١.
٣- قوله جل شأنه: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ٢، فقد أمرتعالى بأن تنفر من كل فرقة طائفة لتتفقه في الدين، وتنذر قومها إذا رجعت إليهم، وذلك يقتضي وجوب قبول إنذارها، ولفظ الطائفة - في لغة العرب التي بها خوطبنا- يقع على الواحد فصاعدًا، وطائفة من الشيء بمعنى بعضه، هذا ما لا خلاف فيه بين أهل اللغة٣.
_________________
(١) ١ أصول السرخسي١/٣٢٩. ٢ سورة التوبة آية: ١٢٢. ٣ انظر تفاصيله في الإحكام لابن حزم١-٤/٩٨.
[ ١٥٣ ]
وذكر ابن حجر أن البخارى يريد من سياق قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ أن لفظ"طائفة" يتناول الواحد فما فوقه، ولا يختص بعدد معين. وهو منقول عن ابن عباس وغيره كالنخعي ومجاهد نقله الثعلبي وغيره. وعن عطاء وعكرمة وابن زيد أربعة، وعن ابن عباس أربعة إلى أربعين، وعن مالك أن الأربعة أقل من يحضر رجم الزاني، وعن الراغب أن لفظ طائفة يراد بها الجمع والواحد طائفة، ويراد بها الواحد. قال البخاري: ويسمى الرجل طائفة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ١، فلو اقتتل رجلان دخلا، في معنى الآية٢.
قال ابن حجر:"وهذا الاستدلال سبقه إلى الحجة به الشافعي، وقبله مجاهد، ولا يمنع ذلك قوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣، لكون سياقه يشعر بأن المراد أكثر من واحد، لأنا لم نقل أن الطائفة لا تكون إلا واحدًا"٤. والطائفة وإن اختلفوا في عدد ما تطلق عليه، فما ذكروه من الأعداد فيها، لا يخرج قوله عند الجمهور عن كون خبره خبر آحاد.
_________________
(١) ١ سورة الحجرات آية: ٩. ٢ انظر: فتح الباري١٣/٢٣٤، مع تصرف. ٣ سورة النور آية: ٢. ٤ فتح الباري١٣/٢٣٤.
[ ١٥٤ ]
٤- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ ١ الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ ٢، في هاتين الآيتين نهى لكل واحد عن الكتمان، وأمر بالبيان على ما هو الحكم في الجمع المضاف إلى جماعة أنه يتناول كل واحد منهم، ولأن أخذ الميثاق من أصل الدين. والخطاب للجماعة بما هو أصل الدين يتناول كل واحد من الآحاد، ومن ضرورة توجه الأمر بالإظهار على كل واحد أمر السامع بالقبول منه والعمل به، إذ أمر الشارع لا يخلو من فائدة حميدة، ولا فائدة في النهي عن الكتمان، والأمر بالبيان سوى هذه. ولا يدخل عليه الفاسق، فإنه داخل في عموم الأمر بالبيان، ثم لا يقبل بيانه في الدين لأنه مخصوص من هذا النص بنص آخر، وهو ما فيه أمر بالتوقف في خبر الفاسق، ثم هو مزجور عن اكتساب سبب الفسق مأمور بالتوبة عنه، ثم يترتب البيان عليه، فعلى هذا الوجه بيانه يفيد وجوب القبول والعمل به٣.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ١٥٩. ٢ سورة آل عمران آية: ١٨٧. ٣ أصول السرخسي١/٣٢٢، كشف الأسرار٢/٣٧١-٣٧٢.
[ ١٥٥ ]
٥- قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١، أمر بسؤال أهل الذكر، ولم يفرق في المأمورين بين المجتهد وغيره، وسؤال المجتهد لغيره منحصر في طلب الأخبار بما سمع دون الفتوى، لأن المجتهد لا يقلد غيره، ولو لم يكن القبول واجبًا، لما كان السؤال واجباَ.
٦- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ ٢ الآية، أمر بالقيام بالقسط والشهادة لله، ومن أخبر عن رسول الله بها سمعه، فقد قام بالقسط وشهد لله، وكان ذلك واجبًا عليه بالأمر، وإنما يكون واجبًا، لو كان القبول واجبًا، وإلا كان وجوب الشهادة كعدمها، وهو ممتنع٣.
٧- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ٤، وقال: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٥، وقال النبي ﷺ: "بلغوا
_________________
(١) ١ سورة النحل آية: ٤٣. ٢ سورة النساء آية: ١٣٥. ٣ كشف الأسرار٢/٣٧٢. ٤ سورة المائدة آية: ٦٧. ٥ سورة النور آية: ٥٤.
[ ١٥٦ ]
عني" ١، وقال لأصحابه في الجمع الأعظم يوم عرفة: " أنتم تسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ " قالوا: "نشهد إنك قد بلغت وأبديت ونصحت" ٢، ومعلوم أن البلاغ هو الذي تقوم به الحجة على المبلغ ويحصل به العلم، فلوكان خبر الواحد لا يحصل به العلم لم يقع به التبليغ الذي تقوم به حجة الله على العباد، فإن الحجة إنما تقوم بما يحصل به العلم. وقد كان رسول الله ﷺ يرسل الواحد من أصحابه يبلغ عنه فتقوم الحجة على من بلغه، وكذلك قامت حجته علينا بما بلغنا العدول الثقات من أقواله وأفعاله وسننه، ولو لم يفد العلم لم تقم علينا بذلك حجة، ولا على من بلغه واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو دون عدد التواتر، وهذا من أبطل الباطل. فيلزم من قال: إن أخبار رسول الله ﷺ لا تفيد العلم أحد أمرين:
إما أن يقول: إن الرسول لم يبلغ غير القرآن وما رواه عنه عدد التواتر، وما سوى ذلك لم تقم به حجة ولا تبليغ.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح٦/٤٩٦ عن عبد الله بن عمرو، تحفة الأحوذي شرح الترمذي٧/٤٣١ فما بعدها. ٢ صحيح مسلم٤/٤١، جزء من حديث جابر بن عبد الله.
[ ١٥٧ ]
وإما أن يقول: إن الحجة والبلاغ حاصلان بما لا يوجب علمًا ولا يقتضي عملًا، وإذا بطل هذان الأمران بطل القول بأن أخباره ﷺ التي رواها الثقات العدول الحفاظ وتلقتها الأمة بالقبول لا تفيد علمًا، وهذا ظاهر لا خفاء به١.
٨- قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ٢، ومن المتفق عليه أنه ﷺ بلغ الرسالة، ومعلوم يقينًا أنه ما أتى كل واحد بنفسه فبلغه مشافهة، ولكنه بلغ قومًا بنفسه، وآخرين برسول أرسله إليهم، وآخرين بكتاب، وكتبه إلى ملوك الآفاق مشهورة، لا يمكن إنكارها، فقد بعث ﷺ لكل ملك من ملوك الأرض المجاورين لبلاد العرب كتابًا يدعوه فيه هو وقومه إلى الإسلام، وقد ألزم كل ملك ورعيته قبول ما أخبرهم به الرسول الموجه إليهم من شرائع دينهم.
من ذلك ما أرسله مع دحية الكلبي ﵁ إلى هرقل، ولفظه: " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق المرسلة١-٢/٤٩٧-٤٩٨. ٢ سورة السبأ آية: ٢٨.
[ ١٥٨ ]
أجرك مرتين، وإن توليت فعليك إثم الأريسيين" ١، "ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون "٢.
وقد صرح النووي -﵀بأن دعاية الإسلام هي: كلمة التوحيد٣، ولم ينقل عن هرقل أنه قال لدحية: إن خبرك خبر آحاد، وإنما نقل عنه أنه قال: "فسيملك موضع قدمي هاتين"٤، ولولم يكن خبر الواحد حجة، لما كان رسول الله ﷺ مبلغًا رسالات ربه بهذه الطريقة إلى الناس كافة.
٩- قال ابن حزم: قال الله ﷿ عن نبيه ﷺ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٥، وقال تعالى آمرًا لنبيّه
_________________
(١) ١ اختفلوا في المراد بهم على أقوالٍ أصحها وأشهرها الأكارون أي: الفلاحون والمزارعون، معناه: عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك ونبه بهم على جميع الرعية لأنهم الأغلب، والأسرع اتباعًا اهـ النووي شرح مسلم١٢/١٠٩. ٢ صحيح مسلم مع شرح النووي١٢/١٠٣، صحيح البخاري١/٨. ٣ شرح النووي لصحيح مسلم١٢/١١٠. ٤ صحيح البخاري١/٨ فما بعدها، وهو جزء من حديث أبي سفيان مع هرقل. ٥ سورة النجم آية: ٣-٤.
[ ١٥٩ ]
ﷺ أن يقول: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيّ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٣.
فصح أن كلام رسول الله ﷺ كله في الدين وحي من عند الله ﷿ لا شك في ذلك، ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل، فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين، وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون أن لا يضيع منه وأن لا يحرف منه شيء أبدًا، تحريفًا لا يأتي البيان ببطلانه، إذ لوجاز غير ذلك لكان كلام الله تعالى كذبًا وضمانه خائسًا٤، وهذا لا يخطر ببال ذى مسكة عقل، فوجب أن الدين الذى أتانا به محمد ﷺ محفوظ بتولي الله تعالى حفظه، مبلغ كما هو إلى كل من طلبه ممن يأتي أبدًا إلى انقضاء الدنيا. قال تعالى: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سور الأحقاف آية: ٩. ٢ سورة الحجر آية: ٩. ٣ سورة النحل آية: ٤٤. ٤ هو الذي فسد وتغير. ٥ سورة الأنعام آية: ١٩.
[ ١٦٠ ]
فإذ ذلك كذلك فبالضرورة ندري أنه لا سبيل البتة إلى ضياع شيء قاله رسول ﷺ في الدين، ولا سبيل البتة إلى أن يختلط به باطل موضوع اختلاطًا لا يتميز عن أحد من الناس بيقين إذ لو جاز ذلك لكان الذكر غير محفوظ، ولكان قول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١كذبًا ووعدًا مخلفًا، وهذا لا يقوله مسلم.
فإن قال قائل: إنما عنى الله تعالى بذلك القرآن وحده فهو الذي ضمن تعالى حفظه، لا سائر الوحي الذي ليس قرآنًا. قلنا له، وبالله تعالى التوفيق: هذه دعوى كاذبة مجردة عن البرهان، وتخصيص للذكر بلا دليل وما كان هكذا فهو باطل لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢. فصح أن من لا برهان له على دعواه فليس بصادق فيها، والذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه ﷺ من قرآن أو من سنة وحي بيّن به القرآن، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة الحجر آية: ٩. ٢ سورة النمل آية: ٦٤ ٣ سورة النجم آية: ٣-
[ ١٦١ ]
١٠- وأيضًا فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ١، فصح أنه ﵇ مأمور ببيان القرآن للناس وفي القرآن مجمل كثير كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا نعلم مما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه، لكن ببيان رسول الله ﷺ، فإذا كان بيانه ﵇ لذلك المجمل غير محفوظ ولا مضمون سلامته مما ليس منه، فقد بطل الانتفاع بنص القرآن، فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه، فإذا لم ندر صحيح مراد الله تعالى منها، فما أخطأ فيه المخطيء أو تعمد فيه الكذب الكاذب ومعاذ الله من هذا٢.
١١- حث النبي ﷺ على استماع الحديث منه، وحفظه وتأديته لإقامة الحجة على من بلغ إليه، ولا تقوم الحجة إلا بما يفيد العلم، ويدل لهذا ما رواه الشافعي -﵀- عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "نضر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيهٍ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم". قال: فلما ندب رسول الله إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرءا يؤديها والامرء -هكذا-واحد، دل على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا
_________________
(١) ١ سورة النحل آية: ٤٤. ٢ الإحكام لابن حزم١-٤/١٠٩-١١٠.
[ ١٦٢ ]
من تقوم به الحجة على من أدى إليه، لأنه إنما يؤدي عنه حلال، وحرام يجتنب، وحد يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا.
قال: ودل على أنه قد يحمل الفقه غير فقيه، يكون له حاففًا، ولا يكون فيه فقيهًا. وأمر رسول الله بلزوم جماعة المسلمين مما يحتج به في أن إجماع المسلمين- إن شاء الله- لازم١.
١٢- ما تواتر من بعث النبي ﷺ أمراءه وسعاته إلى البلاد، المفتوحة لتعليم أهلها الدين وأحكام الشرع ولأخذ الزكاة. ومعلوم أنه ﷺ لم يبعث إلا من تقوم به الحجة، فكانوا يقبلون من كل واحد منهم ما يعلمهم من القرآن وأحكام الدين، ولا خلاف أن رسول الله ﷺ إنما بعث من بعث من رسله إلى الآفاق لينقلوا إليهم عنه القرآن، والسنة والشرائع. ومعلوم أن أهم أمور الدين إنها هو العقيدة، فهي أول شيء كان الرسل يدعون الناس إليه، ويدل لذلك ما أخرجه مسلم عن ابن عباس -﵄- أن معاذًا ﵁ قال: "بعثني رسول الله ﷺ قال: "إنك تأتي قومًا
_________________
(١) ١ الرسالة للإمام الشافعي ص:١٧٥، والحديث أخرجه الترمذي في باب العلم، والضياء في مختارة عن زيد بن ثابت قال الترمذي: صحيح. وقال ابن حجر في تخريج المختصر: حديث زيد بن ثابت هذا صحيح أخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان وابن أبي حاتم والخطيب وأبو نعيم والطيالسي والترمذي، وفي الباب عن معاذ بن جبل، وأبي الدرداء وأنس وغيرهم. وقال في موضع آخر: صحيح المتن وإن كان بعض أسانيده معلولًا اهـ من فيض القدير للمناوي شرح الجامع الصغير٦/٢٨٥.
[ ١٦٣ ]
من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب "١.
وجاء في حديث وفد عبد القيس أن النبي ﷺ: " أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ " قالوا: "الله ورسوله أعلم"، قال: " شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس "، ونهاهم عن أربع وقال: " احفظوهن، وأخبروا بهن من وراءكم "٢.
فهذان حديثان دالان على وجوب الأخذ بالآحاد في العقائد، وذلك مما يقتضي إفادة العلم عند الجمهور.
١٣- اتفاق الصحابة والتابعين على أن من نزلت به النازلة منهم سأل الصاحب عنها وأخذ بقوله فيها بروايته له من النبي ﷺ، "فصح بهذا إجماع الأمة كلها على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي ﷺ.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم١/٣٧-٣٨، صحيح البخاري٩/١٤٠. ٢ صحيح البخاري١/٢١-٢٢، صحيح مسلم١/٣٥ فما بعدها.
[ ١٦٤ ]
وأيضًا فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي ﷺ يجري على ذلك كل فرقة في علمها كأهل السنة والخوارج١ والشيعة٢ والقدرية٣ حتى حدث متكلمو المعتزلة٤ بعد المائة من
_________________
(١) ١ هم الذين شايعوا عليًا ﵁ أوّل الأمر على معاوية وأهل الشام إلى أن أوشك على الانتصار عليهم طلب معاوية التحكيم فحمل الخوارج عليًّا على الاستجابة، وعلى إنابة أبي موسى الأشعري، ولما تم ما حصل في التحكيم خرجوا على عليّ وادعوا كفره لتحكيمه الرجال، واجتمعوا بحروراء ناحية من الكوفة برآسة عبد الله بن الكواء وعتاب بن الأعور وعبد الله بن وهب، فأولهم ذو الخويصرة، وآخرهم ذو الثدية. انظر: الملل والنحل٢/٢٣ فما بعدها. ٢ هم الذين شايعوا عليًّا على الخصوص، وقال بإمامته نصًا، ووصاية، إما خفيًا، أو جليًّا، وادعوا أن الخلافة لا تخرج عن أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقيّه من عنده، وهم فرق. انظر: الملل والنحل للشهرستاني مع الفصل٢/٦٨-٦٩. ٣ فرقة ضالة تقول: إن أفعال العباد محدثة فعلها فاعلوها ولم يخلقها الله ﷿. وأوّل من قال ذلك: معبد الجهني وغيلاني الدمشقي ثم سلك سبيلهم واصل بن عطاء العزال. انظر: الملل والنحل مع الفصل١/٦٨-٧٤، الفصل٣/٤١. ٤ المعتزلة يسمون أصحاب العدل، والتوحيد، ويلقبون بالقدرية. وقد جعلوا لفظ القدر مشتركًا بين القدر خيره وشرّه من الله تعالى هربًا مما ألصق بهم مما قالوه من أن الله لا يخلق فعل العبد، وقد نوه عنهم حديث: "القدرية مجوس هذه الأمة". وقد قالوا بخلق القرآن، ونفوا رؤية الله تعالى بالأبصار يوم القيامة، وأولوا آيات الصفات. انظر: الملل والنحل مع الفصل١/٦٥-٦٨، والفصل٣/٤١، العقدية الطحاوية مع شرحها ص: ٢١٥
[ ١٦٥ ]
التاريخ، فخالفوا الإجماع في ذلك"١.
١٤- ما ورد من الوعيد في حقّ من خالف أمر الرسول ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢، فالضمير في قوله ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ راجع إلى الرسول ﷺ، أو إلى الله تعالى، ولا منافاة، لأن الأمر لله تعالى في الحقيقة، والرسول مبلغ عن الله، وهو المقصود هنا٣.
قال الألوسي: "والمخالفة كما قال الراغب: أن يأخذ كل واحد طريقًا غير طريق الآخر في حاله أو فعله، والأكثر استعمالها بدون عن. فيقال: خالف زيد عمرًا، وإذا استعملت بعن فذلك على تضمين معنى الإعراض"٤.
قال: "وقيل: على تضمين معنى الصد. وقيل: إذا عدى بعن يراد به الصد دون التضمين، ويتعدى إلى مفعولين بنفسه، يقال: خالف زيدًا
_________________
(١) ١ الإحكام لابن حزم١-٤/١٠٢. ٢ سورة النور آية: ٦٣. ٣ انظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ محمّد الأمين بن محمّد المختار الشنقيطي -﵀-:٦/٢٥٥، مطبعة المدني مصر. ٤ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسي٢٨/٧٦.
[ ١٦٦ ]
عن الأمر، أي صده عنه، والمفعول عليه هنا محذوف، أي يخالفون المؤمنين أي يصدونهم عن أمره. وحذف المفعول، لأن المراد تقبيح حال المخالف، وتعظيم أمر المخالف عنه، فذكر الأهم، وترك ما لا اهتمام به"١.
واستدل ابن القيم -﵀- بالآية على إفادة خبر الواحد العلم فقال:"وهذا يعم كل مخالف بلغه أمر رسول الله ﷺ إلى يوم القيامة، ولوكان ما بلغه، لم يفد علمًا، لما كان متعرضًا بمخالفته ما لا يفيد علمًا للفتنة والعذاب الأليم، فإن هذا إنما يكون بعد قيام الحجة القاطعة التي لا يبقى معها لمخالف أمره عذر"٢. وهذه الآية الكريمة قد استدل بها الأصوليون على أن الأمر المجرد عن القرائن يقتضي الوجوب، لأنه جل وعلا توعد المخالفين عن أمره بالفتنة أو العذاب الأليم، وحذرهم من مخالفة الأمر. وكل ذلك يقتضي أن الأمر للوجوب، مالم يصرف عنه صارف، لأن غير الواجب لا يوجب تركه الوعيد الشديد والتحذير.
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة من اقتضاء الأمر المطلق الوجوب دلت عليه آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا
_________________
(١) ١ نفس المصدر٢٨/٧٦، وانظر أضواء البيان٦/٢٥٢-٢٥٣. ٢ مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة١-٢/٥٠٠.
[ ١٦٧ ]
قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ١، فإن قوله: ﴿ارْكَعُوا﴾ أمر مطلق، وذمه تعالى للذين لم يمتثلوه بقوله ﴿لا يَرْكَعُونَ﴾ يدل على أن امتثاله واجب.
وكقوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ٢، فإنكاره تعالى على إبليس موبخًا له بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ألا تسجد إذ أمرتك يدل على أنه تارك واجبًا، وأن امتثال الأمر واجب، مع أن الأمر المذكور مطلق، وهو قوله: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ ٣.
وكقوله عن موسى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ ٤، فسمى مخالفة الأمر معصية، وأمره المذكور مطلق، وهو قوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة المرسلات آية: ٤٨. ٢ سورة الأعراف آية: ١٢. ٣ سورة الأعراف آية: ١١. ٤ سورة طه آية: ٩٣. ٥ سورة الأعراف آية: ١٤٢.
[ ١٦٨ ]
وكقوله تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ١. وإطلاق اسم المعصية على مخالفة الأمر يدلّ على أن مخالفه عاص، ولا يكون عاصيًا إلا بترك واجب، أو ارتكاب محرم.
وكقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٢، فإنه يدل على أن أمر الله وأمر رسوله مانع من الاختيار موجب للامتثال، وذلك يدل على اقتضائه الوجوب. وأشار إلى أن مخالفته معصية بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ٣. واقتضاء الأمر المطلق الوجوب هو مذهب الجمهور، وإن خالف فيه بعض العلماء، ومن أراد تحقيق ذلك فليرجع إليه في محله، إذ غرضنا إنما هو بيان وجوب طاعة رسول الله ﵁ في كل ما صح نقله عنه المقتضي إفادة العلم على ما ذهب إليه القائلون بذلك.
_________________
(١) ١ سور التحريم آية: ٦. ٢ سورة الأحزاب آية: ٣٦. ٣ أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن٦/٢٥٣، والآية من سورة الأحزاب آية: ٣٦.
[ ١٦٩ ]
١٥- "أن الرسل - صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم - كانوا يقبلون خبر الواحد، ويقطعون بمضمونه، فقبله موسى من الذي جاء من أقصى المدينة قائلا له: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ ١، فخرج بخبره وخرج هاربًا من المدينة، وقبل خبر بنت صاحب مدين لما قالت له: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ ٢. وقَبِلَ خبر أبيها في قوله: هذه ابنتي، وتزوجها بخبره.
وقبل يوسف الصديق خبر الرسول الذي جاءه من عند الملك، وقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ ٣.
وقبل النبي ﷺ خبر الآحاد الذين كانوا يخبرونه بنقض عهد المعاهدين له وغزاهم بخبرهم، واستباح دماءهم وأموالهم وسبى ذراريهم.
ورسل الله صلواته وسلامه عليهم، لم يرتبوا على تلك الأخبار أحكامها، وهم يجوزون أن تكون كذبًا وغلطًا، وكذلك الأمة لم تثبت الشرائع العامة الكلية بأخبار الآحاد، وهم يجوزون أن يكون كذبًا على رسول الله ﷺ في نفس الأمر، ولم يخبروا عن الرب ﵎ في أسمائه
_________________
(١) ١ سورة القصص آية: ٢٠. ٢ سور القصص آية: ٢٥. ٣ سورة يوسف آية: ٥٠.
[ ١٧٠ ]
وصفاته وأفعاله بما لا علم لهم به، بل يجوز أن يكون كذبًا وخطأ في نفس الأمر، هذا مما يقطع ببطلانه كل عالم متبصر"١.
١٦-"أن السلف الصالح وأئمة الإسلام لم يزالوا يقولون: قال رسول الله ﷺ: كذا وفعل كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، وهذ معلوم في كلامهم بالضرورة.
وفي صحيح البخاري: قال رسول الله ﷺ في عدة مواضع وكثير من أحاديث الصحابة يقول فيها أحدهم: قال رسول الله ﷺ، وإنما سمعه من صحابي غيره، وهذه شهادة من القائل وجزم على الرسول ﷺ بما نسبه إليه من قول أو فعل، فلوكان خبر الواحد لا يفيد العلم، لكان شاهدًا على رسول الله ﷺ بغير علم.
١٧- أن أهل العلم بالحديث لم يزالوا يقولون: صح عن رسول الله ﷺ. وذلك جزم منهم بأنه قاله، ولم يكن مرادهم ما قاله بعض المتأخرين: إن المراد بالصحة صحة السند لا صحة المتن، بل هذا مراد من زعم أن أحاديث رسول الله ﷺ لا تفيد العلم، وإنما كان مرادهم صحة الإضافة إليه، وأنه قال، كما كانوا يجزمون بقولهم قال رسول الله ﷺ وأمر ونهى وفعل رسول الله ﷺ، وحيث كان يقع لهم الوهم في ذلك يقولون: يذكر عن رسول الله ﷺ، ويروى عنه، ونحو ذلك، ومن له خبرة
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق المرسلة١-٢/٥٠٣.
[ ١٧١ ]
بالحديث يفرق بين قول أحدهم: هذا الحديث صحيح وبين قوله: إسناده صحيح، فالأوّل جزم بنسبة صحته إلى رسول الله ﷺ، والثاني شهادة بصحة سنده، وقد يكون فيه علة، أو شذوذ، فيكون سنده صحيحًا ولا يحكمون أنه صحيح في نفسه١.
اعتراض الجمهور على القائلين بإفادة خبر الواحد العلم
اعترض الجمهور على القائلين بأن خبر الآحاد العدل المستوفي لشروط القبول يفيد العلم بما سبق أن استدلوا به في الفصل الأوّل على إفادته الظن. وأهم ما اعترضوا به هو:"أنك لو سئلت عن أعدل رواة خبر الواحد أيجوز في حقه الكذب والغلط؟ لاضطررت أن تقول: نعم، فيقال: قطعك إذن بصدقه مع تجويزك عليه الكذب والغلط لا معنى له"٢.
وأجيب عنه بأنا وإن كنا لا ندعي عصمة الرواة، إلا أنا نقول: إن الراوي إذا كذب أو غلط أو سها، فلا بد أن يكون في الأمة من يكشف غلطه وكذبه وسهوه، وهذا هو واقع السنة المطهرة بحمد الله، فقد قيض الله لها من جهابذة العلماء ذوي الصدق والورع والتحري من دوّنها في الأسفار، وبين صحيحها، وضعيفها، والموضوع منها. كما صنفوا في
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق المرسلة١-٢/٤٩٦-٤٨٧. ٢ مذكرة أصول الفقه للشيخ محمّد الأمين الشنقيطي ص: ١٠٣.
[ ١٧٢ ]
الرواة مصنفات مكنتنا ومن يأتي بعدنا إلى يوم القيامة من التمكن من معرفة صحة ما ينسب إلى النبي ﷺ.
وإذا كان العلماء اليوم يمكنهم الحكم على الحديث بالصحة حتى يقول أحدهم: قال رسول الله ﷺ، فما بالك بمن أفنى معظم أوقاته وأيامه مشتغلًا بالحديث والبحث عن سيرة النقلة والرواة، ليقف على رسوخهم في هذا العلم وكبير معرفتهم به، وصدق ورعهم في أقوالهم وأشعالهم، وشدة حذرهم من الطغيان والزلل، وما بذلوه من شدة العناية في تمهيد هذا الأمر والبحث عن أحوال الرواة، والوقوف على صحيح الأخبار وسقيمها، وكانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحدًا في كلمة واحدة يتقولها على رسول الله ﷺ، ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك، وقد نقلوا هذا الدين إلينا كما نقل إليهم، وأدوا كما أدى إليهم، وكانوا في العناية والاهتمام بهذا الشأن ما يجل عن الوصف ويقصر دونه الذكر، فإذا وقف المرء على هذا من شأنهم وعرف حالهم وخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم ظهر له العلم فيما نقلوه ورووه١.
قال ابن حزم: "فنقول لمن قال: إن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغًا إلى النبي ﷺ لا يوجب العلم، وأنه يجوز فيه الكذب والوهم، وأنه غير مضمون الحفظ، أخبرونا هل يمكن عندكم أن تكون شريعة فرض أو
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق المرسلة١-٢/٥٠٧.
[ ١٧٣ ]
تحريم أتى بها رسول الله ﷺ ومات عنها وهي باقية لازمة للمسلمين غير منسوخة، فجهلت حتى لا يعلمها علم يقين أحد من أهل الإسلام في العالم أبدًا، وهل يمكن عندكم أن يكون حكم موضوع بالكذب أو بخطأ بالوهم قد جاز ومضى واختلط بأحكام الشريعة اختلاطًا لا يجوز أن يميزه أحد من أهل الإسلام في العالم أبدًا، أم لا يمكن عندكم شيء من هذين الوجهين؟ فإن قالوا: لا يمكننا أبدًا، بل قد أمنا ذلك، صاروا إلى قولنا وقطعوا أن كل خبرٍ رواه الثقة عن الثقة مسندًا إلى رسول الله ﷺ في الديانة فإنه حق قد قاله ﵇ كما هو، وأنه يوجب العلم، ونقطع بصحته، ولا يجوز أن يختلط به خبر موضوع أو موهوم فيه لم يقله رسول الله ﷺ قط اختلاطًا لا يتميز الباطل فيه من الحق أبدًا.
وإن قالوا: بل كل ذلك ممكن، كانوا قد حكموا بأن الدين دين الإسلام قد فسد وبطل أكثره واختلط ما أمر الله تعالى به مع مالم يأمر به اختلاطًا لا يميزه أحد أبدًا. وأنهم لا يدرون أبدًا ما أمرهم به الله تعالى مما لم يأمرهم به، ولا ما وضعه الكاذبون والمستخفون مما جاء به رسول الله ﷺ إلا بالظن الذي هو أكذب الحديث، والذي لا يغني من الحق شيئًا. وهذا انسلاخ من الإسلام، وهدم للدين، وتشكيك في الشرائع"١.
_________________
(١) ١ الإحكام لابن حزم١-٤/١١٠-١١١.
[ ١٧٤ ]
هذا، وإن مما استدل به القائلون بإفادة خبر الواحد العلم، ما استدل به الجمهور على وجوب العمل به، مما سيأتي تفصيله - إن شاء الله- في باب وجوب العمل به.
[ ١٧٥ ]
العلم بمعنى الظاهر:
ذهب بعض القائلين بإفادة خبر الواحد العلم إلى أن المراد بالعلم فيه هو العلم الظاهر، وممن نقل عنه ذلك الحسين بن علي الكرابيسي، وأبو بكر القفال، وصرح به السرخسي أثناء استدلاله على وجوب العمل بخبر الواحد حيث قال: "فإنه عندنا عمل هو ثابت من حيث الظاهر، ولكنه غيرمقطوع به، وقد سمى الله تعالى مثله علمًا، فقال: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ ١، وإنما قالوا ذلك سماعًا من مخبر أخبرهم به، وقال: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ ٢وإنما قالت ذلك باعتبار غالب الرأي واعتماد نوع من الظاهر، فدل على أن مثله علم لا ظن إنما الظن عند خبر الفاسق، ولهذا أمر الله بالتوقف في خبره، وبين المعنى فيه بقوله: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ ٣فيكون بالتوقف في خبره ذلك بيانًا أن من اعتمد خبر العدل
_________________
(١) ١ سورة يوسف آية: ٨١. ٢ سورة الممتحنة آية: ١٠. ٣ سورة الحجرات آية: ٦.
[ ١٧٦ ]
في العمل به يكون بعلم لا بجهالة، إلا أن ذلك علم باعتبار الظاهر، لأن عدالته ترجح جانب الصدق في خبره"١.
واعترض عليه بأن العلم ليس له ظاهر وباطن، وبأن العلم في الآَية محمول على"الظن الغالب بالحلف وظهور الأمارات، وإنما سماه علمًا إيذانًا بأنه كالعلم في وجوب العمل به"٢.
ونقل الخطيب البغدادي عن القاضي أبي بكر محمد بن الطيب أنه قال:"فأما من قال من الفقهاء: إن خبر الواحد يوجب العلم الظاهر دون الباطن، فإنه قول من لا يحصل علم هذا الباب، لأن العلم من حقه أن لا يكون علمًا على الحقيقة بظاهر أو باطن، إلا بأن يكون معلومه على ماهو به ظاهرًا وباطنًا، فسقط هذا القول".
قال: "وتعلقهم في ذلك بقوله ﷿: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ ٣ بعيد، لأنه أراد تعالى وهو أعلم، فإن علمتموهن في إظهارهن الشهادتين،
_________________
(١) ١ أصول السرخسي١/٣٢٦-٣٢٧، وانظر فتح المغيث للسخاوي شرح ألفية العراقي في المصطلح١/٢١، تحقيق عبد الرحمن عثمان، الناشر المكتبة السلفية لمحمّد عبد المحسن، الطبعة الثانية، مطبعة العاصمة، القاهرة، وتوضيح الأفكار١/٢٦، الطبعة الأولى سنة: ١٣٦٦هـ. مطبعة السعادة. ٢ تفسير البيضاوي ص: ٧٣١. ٣ سورة الممتحنة آية: ١٠.
[ ١٧٧ ]
ونطقهن بهما، وظهور ذلك منهن معلوم يدرك إذا وقع، وإنما سمى النطق إيمانًا على معنى أنه دال عليه، وعلم في اللسان على إخلاص الاعتقاد ومعرفة القلب مجازًا واتساعًا، ولذلك نفى الله تعالى الإيمان عمن علم أنه غير معتقد له في قوله: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ١، أي قولوا أسلمنا فزعًا من أسيافهم"٢.
وأجاب عنه الصنعاني بقوله: "كيف يقال: إنه قول من لا يحصل علم هذا الباب؟ على أنه لا يخفى أن من أخبر عن نفسه بأنه حصل له العلم بأي سبب من الأسباب المحصلة له يصدق في نفسه.
وأما حكمه بأنه يحصل لغيره ما حصل له من العلم بذلك السبب، فهذه دعوى على الغير مستندها القياس على النفس واختلاف الإدراكات معلوم، فلا يكاد يستوي اثنان في رتبة.
فالقول: بأن هذا السبب الفلاني مثلًا يفيد العلم أو لا يفيده، لكل من حصل له ليس بمقبول"٣.
_________________
(١) ١ سورة الحجرات آية: ١٤. ٢ الكفاية في علم الرواية للخطيب ص: ٦٥. ٣ توضيح الأفكار لمحمّد بن إسماعيل الأمير١/٢٨، الطبعة الأولى سنة: ١٣٦٦هـ. مطبعة السعادة، تحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد.
[ ١٧٨ ]
وأما استبعاده التعلق بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ فهو خلاف الظاهر، لأن الأصل حمل اللفظ على ظاهره مالم يأت دليل يدل على صرفه عن ظاهره، ولم يذكر ما يصرف اللفظ هنا عن ظاهره، بل في السياق ما يدل على إرادة الظاهر وذلك ما ورد في سياق الآية من ترتيب العلم على الامتحان بالنطق بالشهادتين في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ الاَية.
قال ابن كثير:"فيه دلالة على أن الإيمان يمكن الاطلاع عليه يقينًا"١.
وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ على اعتبار المجاز في الآية الأولى، فيعكره ما ورد من تفسير الآية الثانية في أحد وجهي التفسير فيها أن المراد بنفي الإيمان في قوله: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ نفى كمال الإيمان لا نفيه من أصله. وعليه فلا إشكال، لأنهم مسلمون مع أن إيمانهم غيرتام، وهذا لا إشكال فيه عند أهل السنة والجماعة القائلين بأن الإيمان يزيد وينقص"٢.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير٤/٣٥٠، الناشر عبد الفتاح عبد الحميد مراد. الحلبي، مصر. ٢ أصواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن٧/٦٣٨.
[ ١٧٩ ]
هل معنى هذا أنه يفيد العلم؟
الحق أن ما ذكره الجمهور من احتمال غلط الراوي ووهمه وارد قطعًا لعدم عصمته، وأن جانب صدق الراوي وإن كان راجحًا، وسلم عدم إفادته العلم اليقيني لهذا الاحتمال، فإن العمل بكل ما دل عليه الحديث الصحيح السالم من معارض واجب، سواء كان في الأحكام، أم في العقائد، لأن العمل به هو مقتضى ما دل عليه ظاهر الكتاب العزيز من وجوب طاعة رسول الله لم تؤمنوا، واتباعه في كل ما جاء به، سواء كان في العقائد أم الأحكام كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ١، فقد ذكر ابن جرير الطبري في تفسيرها أن الله أمر بطاعته وطاعة رسوله، لأنها طاعة لله وذلك باتباع سنته.
قال: "وذلك أن الله عم بالأمر بطاعته، ولم يخص ذلك في حال دون حال، فهو على العموم حتى يخص ذلك بما يجب التسليم له"٢.
وكذلك مثلها من الآيات التي يدل عمومها على وجوب طاعة الرسول ﷺ، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ٥٩. ٢ جامع البيان في تأويل القرآن٥/١٤٧.
[ ١٨٠ ]
فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ١. فالأخذ بعمومهما وما كان على مثلهما من آيات القرآن، وهو كثير هو مقتضى ما نقله الجمهور من إجماع السلف٢ على العمل بأخبار الآحاد. وما ادعاه المفرق بين ما يعمل به من السنة في الأحكام دون العقائد يحتاج إلى دليل من كتاب أو سنة أو إجماع قطعي، لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٣، والتحاكم هنا إنما هو لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، لقوله ﷻ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ٤، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول بعد وفاته ﷺ هو الرد إلى سنته. ونحن إذا رجعنا إليهما نجد أن ظاهرهما يوجب العمل بكل ما صح عن النبي ﷺ وسلم من معارض من غير تفريق فيما دل عليه سواء كان في العقائد، أم الأحكام.
_________________
(١) ١ سورة النور آية: ٥٤. ٢ الإحكام للآمدي٢/٥٧، المعتمد٢/٥٩١، المستصفى١/١٤٨، المنار وحواشيه ص: ٦٢١، الأسنوي لى منهاج الصول٢/٢٣٨، وروضة الناظر ص: ٥٣. ٣ سورة النمل آية: ٦٤. ٤ سورة النساء آية: ٥٩.
[ ١٨١ ]
قال ابن كثير في تفسير الآية: "قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله. وهذا أمر من الله ﷿ بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ١. فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق. وماذا بعد الحق إلا الضلال. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾، فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنًا بالله، ولا باليوم الآخر"٢. وسيأتي لهذا زيادة بيان -إن شاء الله - في أثر الاختلاف٣.
_________________
(١) ١ سورة الشورى آية: ١٠. ٢ تفسير ابن كثير١/٥١٨. ٣ انظر ص: ١١٧ فما بعدها من هذا البحث.
[ ١٨٢ ]