ذهب قوم من أهل البدعة من الرافضة١،ومن المعتزلة إلى منع العمل بخبر الآحاد، ومنعه الفاشاني وابن أبي داود، وحكى عن النهرواني وإبراهيم بن إسماعيل بن علية، والأصم، والشيعة. وأهم ما استدلوا به ما يأتي:
١- من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٢،وقوله جل شأنه: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣،
_________________
(١) ١ هم: الذين رفضوا زيد بن علي بن الحسين ﵁، لما سألوه عن أبي بكر وعمر فأثنى عليهما خيرًا، فانصرفوا عنه، فقال: "رفضتموني"، فسموا بذلك. وقيل: لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر. وقالوا: "إن النبي ﷺ نصّ على إمامة علي وأظهر ذلك، وأن أكثر أصحابه ضلوا بترك الاقتداء به بعد وفاته". انظر الملل والنحل للشهرستاني مع الفصل١/٨٦، المقالات لأبي الحسن١/٨٧، ومذكرة الأديان والفرق والمذاهب العاصرة لعبد القادر شيبة الحمد ص:١٣٧، مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة. ٢ سورة الإسراء آية: ٣٦. ٣ سورة البقرة آية: ١٦٩.
[ ٢٥٢ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ ١، ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ٢.
قالوا: ذكر ذلك في معرض الذم، وهو يقتضي التحريم، والعمل بخبر الآحاد عمل بغير علم.
٢- قالوا: لو جاز التعبد به في الفروع، لجاز في الأصول والعقائد، وهو خلاف الإجماع بيننا وبينكم، فكما لا يقبل في العقائد، لا يقبل في الفروع.
٣- قالوا: توقف النبي ﷺ في خبر ذي اليدين حين سلم النبي ﷺ عن اثنتين، وهو قوله: "أقصرت الصلاة أم نسيت" حتى أخبره أبو بكر وعمر ومن كان في الصف، فصدقه، فأتم وسجد للسهو، ولو كان خبر الواحد حجة لأتم النبي ﷺ من غير توقف ولا سؤال.
٤- وَرَدَ عن عدد من الصحابة ردّ خبر الآحاد، فردَّ أبو بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة حتى انضم إليه خبر محمد بن مسلمة، وردّ عمر خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان حتى رواه معه أبو سعيد الخدري، وردّ أبو بكر وعمر خبر عثمان في إذن رسول الله ﷺ في رد الحكم بن
_________________
(١) ١ سورة النجم آية:٢٨. ٢ سورة النجم آية: ٢٨.
[ ٢٥٣ ]
أبي العاص، وردّ علي خبر أبي سنان الأشجعي في المفوضة، وأنه كان لا يقبل خبر الواحد حتى يحلفه سوى أبي بكر، وردّت عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه١.
الأجوبة عن تلك الأدلة:
أما عن الأوّل: فإن المراد من الآيات من الشاهد عن الجزم بالشهادة فيما لم يبصر ولم يسمع، والفتوى بما يرو ولم ينقله العدول، وبأن وجوب العمل بخبر الآحاد معلوم بالإجماع، وهو دليل قاطع، وأن إنكارهم للعمل به حكم بغير علم. والحكم بغير علم باطل، ولأن تجويز الكذب والخطأ لو كان مانعًا من العمل لمنع العمل بشهادة الاثنين والأربعة والرجل والمرأتين، وقد دل النص القرآني على وجوب الحكم
_________________
(١) ١ انظر تفاصيله في الإحكام للآمدي٢/٦٠ فما بعدها، كشف الأسرار٢/٣٧٠، نزهة المشتاق شرح اللمع ص:٤٢٤-٤٢٥، المعتمد لأبي الحسين البصري المعتزلي٢/٦٠٤، والمستصفى للغزالي١/١٥٣، المسودة لآل تيمية ص:٢٣٨، السنة ومكانتها للدكتور مصطفى السباعي ص:١٦٨، إرشاد الفحول للشوكاني ص:٤٨-٤٩.
[ ٢٥٤ ]
بها مع جواز الكذب والخطأ فيها، وإذا كنا متفقين على العمل بها، فما صحّ عن رسول الله ﷺ أولى بالعمل١.
ويجاب عن الثاني: بأنه قد دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة٢،على العمل بالخبر متى صح وتوفرت فيه شروط القبول فيما تضمنه من فروع وأصول من غير تفريق. وما ادعاه المخالف من إجماع على عدم قبول خبر الآحاد في العقائد، يحتاج إلى إثبات حتى يكون إجماعًا قطعيًا تقوم به الحجة٣،ويقدم على خبر الآحاد. أما ولم يرد غير دعوى مجردة عن الدليل فلا يترك العمل بالحديث الصحيح عن النبي ﷺ في كل ما دل عليه سواء كان أصولًا أو فروعًا،
_________________
(١) ١ انظر المستصفى١/١٥٤ فما بعدها، الإحكام للآمدي٢/٤٦، المختصر لابن الحاجب مع شروحه٢/٥٧، تيسير التحرير٣/٨٦. ٢ انظر المستفصى١/١٤٨، نهاية السول شرح منهاج الوصول٢/١٣٨، المنار مع حواشيه ص: ٦٢١، الإحكام للآمدي٢/٥٧، المعتمد لأبي الحسن٢/٥٩١، مختصر الصواعق المرسلة١-٢/٥٢٤، العدة لأبي يعلى ص: ١٢٩، فليم عند الدكتور عبد الوهّاب أبو سليمان. ٣ الإجماع القطعي هو: الإجماع القولي المشاهد المنقول بعدد التواتر. مذكرة أصول الفقه للشيخ محمّد الأمين ص:٣١٥.
[ ٢٥٥ ]
لأنه مقتضى ما دلت عليه آيات الكتاب وأحاديث السنة، وما نقل من إجماع الأمة.
قال ابن حزم: "فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي ﷺ يجري على ذلك كل فرقة في عملها، كأهل السنة والخوارج والشيعة والقدرية حتى حدث متكلمو المعتزلة بعد المائة من التاريخ، فخالفوا الإجماع في ذلك"١.
وقد ذكر ابن القيم -﵀- عن الإمام الشافعي والإمام أحمد -رحمهما الله- إنكارهما على من رد أخبار الآحاد بدعوى الإجماع، مما يوهم القارئ إنكارهما لوقوعه، وإنما حملهما على ذلك ما ابتليا به ممن كان يرد عليهم السنة الصحيحة بدعوى إجماع الناس على خلافها. وليس مرادهما منع وقوع الإجماع. فذلك خلاف واقعهما. "قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: من ادعى الإجماع فقد كذب، لعل الناس قد اختلفوا. هذه دعوى بشر المريسي والأصم"٢.
ومنع ابن القيم تصور وقوع إجماع الأمة على خلاف سنة إلا أن تكون هناك سنة معلومة ناسخة فيكون الإجماع على القول بالسنة
_________________
(١) ١ الإحكام لابن حزم١-٤/١٠٣. ٢ مختصر الصواعق المرسلة١-٢/٥٢٨.
[ ٢٥٦ ]
الناسخة، وإما أن تتفق الأمة على عدم العمل بحديث لا ناسخ له فهذا لم يقع أصلًا، ونسبته للأمة قدح فيها١.
ويجاب عن الثالث: "بأنه ﵇ إنما توقف في خبر ذي اليدين لتوهمه غلطه لبعد انفراده بمعرفة ذلك دون من حضره من الجمع الكثير. ومع ظهور الوهم في خبر الواحد يجب التوقف فيه، فحيث وافقه الباقون على ذلك ارتفع حكم الأمارة الدالة على وهم ذي اليدين، وعمل بموجب خبره. كيف وأن عمل النبي ﷺ بخبر أبي بكر وعمر وغيرهما مع خبر ذي اليدين عمل بخبر من لم ينته إلى حد التواتر، وهو موضع النزاع وفي تسليمه تسليم المطلوب"٢.
ويجاب عن الرابع: بأن ما ذكره المخالف اعتراف بقبول خبر الآحاد لأن شهادة محمد بن مسلمة مع المغيرة، وشهادة أبي سعيد مع أبي موسى لا تنقل الخبر عن كونه آحادًا، لأن خبر الاثنين خبر آحاد، وأن ما توقفوا فيه إنما كان لأمور اقتضت ذلك من وجود معارض، أو فوات شرط، لا لعدم الاحتجاج بها في جنسها مع كونهم متفقين على العمل بها، بدليل قبولهم لها بعد الاستظهار، لأن تلك الأحاديث لم تخرج بالاستظهار
_________________
(١) ١ انظر تفاصيله في نفس المصدر١-٢/٥٢٨. ٢ الإحكام للآمدي٢/٦٢.
[ ٢٥٧ ]
عن كونها آحادًا، وهم قبلوها بعد الاستظهار، ولذا قال عمر لأبي موسى: "إني لم أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ "١.
وبين ﵁ سبب رده لخبر فاطمة بنت قيس بقوله: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها صدقت أم نسيت" ٢،فقوله: "نسيت" صريح في سبب الرد٣.
قال الغزالي: "الذي رويناه قاطع في عملهم، وما ذكرتموه رد لأسباب عارضة تقتضي الرد، ولا تدل على بطلان الأصل، كما أن ردهم بعض نصوص القرآن، وتركهم بعض أنواع القياس، ورد القاضي بعض أنواع الشهادات لا يدل على بطلان الأصل"٤.
وأما رد عائشة -﵂- خبر ابن عمر -﵄- فلأنه عارض القطعي، حيث استدلت بقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٥.فهي لم ترده لكونه خبر واحد.
_________________
(١) ١ المستصفى للغزالي١/١٥٤. ٢ المستصفى للغزالي١/١٥٤. ٣ انظر الإحكام للآمدي٢/٦١، المستصفى١/١٥٤. ٤ المستصفى١/١٥٣. ٥ فتح الباري شرح صحيح البخاري١٣/٢٣٥، والآية من سورة فاطر آية: ١٨.
[ ٢٥٨ ]
"وعلى الجملة فلم يأت من خالف في العمل بخبر الواحد بشيء يصلح للتمسك به، ومن تتبع عمل الصحابة من الخلفاء وغيرهم، وعمل التابعين فتابعيهم بأخبار الآحاد وجد ذلك في غاية الكثرة، بحيث لا يتسع له إلا مصنف بسيط، وإذا وقع من بعضهم التردد في العمل به في بعض الأحوال، فذلك لأسباب خارجة عن كونه خبر واحد من ريبة في الصحة، أو تهمة في الراوي، أو وجود معارض راجح ونحو ذلك"١.
_________________
(١) ١ إرشاد الفحول ص:٤٩.
[ ٢٥٩ ]