فانظر كيف اتفق أن مالكا ولد بعد أبي حنيفة بأربع عشرة سنة وزاد عمره على عمره. وولد أحمد بعد الشافعي بأربع عشرة سنة وزاد عمره على عمره. ومالك أطولهم عمرا، والشافعي أقصرهم عمرا، ﵃ أجمعين.
فصل
ثم انتقل الفقه بعد الشافعي إلى أصحابه، وأجلهم من أهل مكة أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي، ومن أهل بغداد أبو عبد الله أحمد بن حنبل، وأبو ثور إبراهيم بن خالد، وأبو على الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، والحسين بن علي الكرابيسي، ومن أهل / مصر أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي، وأبو حفص حرملة بن يحيى التجيبي، وأبو موسى يونس بن عبد الأعلى الصدفي، وأبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، والربيعان ابنا سليمان المرادي، والجيزي، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم.
وكتب عنه على بن المديني كتاب الرسالة وحملها إلى عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان بالبصرة فأعجبا بها وكانا من كبار أئمة الآثار، فكانا يدعوان الله للشافعي.
[ ٨٢ ]
وقيل إن الذي حملها إليهما صاحبه الحارث بن سريج النقال.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀:
«وقد عد أبو الحسن الدارقطني منن روى عن الشافعي ﵀ أحاديثه وأخباره وكلامه زيادة على مائة مع قصور سنه عن سن أمثاله من الأئمة، وإنما تكثر الرواية عن العالم إذا جاوز سنه الستين أو السبعين، والشافعي لم يبلغ في السن أكثر من أربع وخمسين».
ثم قام بعد هؤلاء بالفقه على مذهب الشافعي جماعة مثل أبي القاسم الأنماطي، وزكريا بن يحيى الساجي، وأبي نعيم الأستراباذي، وإمام الأئمة أبي بكر محمد بن خزيمة، وهم ممن أخذ عن أصحاب الشافعي وكذلك الإمامان محمد بن نصر المروزي، وأبو بكر محمد بن المنذر.
وأخذ عن أبي القاسم الأنماطي أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج، وعنه انتشر فقه الشافعي في أكثر الآفاق، وأخذ عنه فقهاء الإسلام مثل أبي الطيب ابن سلمة، وأبي علي بن خيران، وأبي عبيد بن حربويه، وأبي حفص بن الوكيل، وأبي سعيد الإصطخري، وأبي بكر الصيرفي، وأبي العباس بن القناص،
[ ٨٣ ]
وأبي بكر محمد بن على القفال الشاشي، وأبي إسحاق المروزي، وأبي علي بن أبي هريرة، وأبي الحسين بن القطان، ومن هذه الطبقة أبو بكر بن زياد، وابن الحداد.
ثم حصل الفقه في طبقة أخرى مثل أبي حامد المروروذي، وأبي زيد المروزي، وأبي علي الطبري، وأبي سهل الصعلوكي، وأبي بكر الإسماعيلي، وأبي الحسن الماسرجسي، وأبي القاسم الداركي، وغيرهم.
/ثم انتقل الفقه إلى طبقة أخرى مثل أبي الحسين بن اللبان الفرضي، وأبي الطيب سهل بن محمد الصعلوكي، والقاضي أبي الحسن على بن عبد العزيز الجرجاني، وأبي حامد الإسفراييني، وابي بكر البرقاني، والقاضي أبي الطيب الطبري، والقفال المروزي.
ثم بعد هؤلاء أبو الحسن المحاملي، والمارودي، وأبو الفتح سليم بن أيوب الرازي، وأصحاب القفال: أبو علي السنجي، وأبو بكر الصيدلاني، والقاضي حسين، وأبو محمد الجويني ثم بعد هؤلاء أبو إسحاق الشيرازي، والشيخ نصر المقدسي، وإمام الحرمين أبو المعالي، والحسين بن مسعود البغوي، وأبو نصر بن الصباغ، وغيرهم.
ثم بعدهم الإمام أبو حامد الغزالي، وأبو بكر الشاشي، ومن في طبقتهما بالعراق وخراسان. وعندنا بالشام أبو الحسن علي بن المسلم السلمي جمال الإسلام، وأبو الفتح نصر الله بن محمد المصيصي، وبعدهما أبو المعالي مسعود بن محمد النيسابوري، وأبو سعد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون.
[ ٨٤ ]
ثم الشيوخ الذين أدركناهم ممن جمع بين العلم والعمل كالقاضي أبي القاسم الأنصاري، وشيخنا أبي منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن، ومن تبعه وجرى على ذلك السنن، أذهب الله عنا وعنهم في الدنيا والآخرة الجزن، وأصلح أعمالنا في السر والعلن، ودفع عنا بفضله المحن، ووفقنا للمداومة على الاشتغال بالعلم ورزقنا العمل به.
قيل لعبد الله بن المبارك: إلى متى تطلب العلم؟ قال: أرجو أن تروني فيه حتى أموت. وقال: لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم أسمعها بعد.
وقال غيره: أليس يقال: يستغفر له - يعني لطالب العلم - كل شيء حتى الحيتان في الماء، أفلهذا مترك؟