فصل
صح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم، حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤرسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا».
ما أعظم حظ من بذل نفسه وجهدها في تحصيل العلم حفظا على الناس ما بقى بأيديهم منه، فإن هذه الأزمة قد غلب على أهلها الكسل والملل وحب الدنيا، فالمشتغل منهم عليها يحوم، ولها يعقد ويقوم، فإذا حصلت فترت همته واشتغل بها، وطلب الزيادة منها.
ومنهم من تفتر همته لعدم حصولها [له] ولا سيما إذا حصلت لغيره ممن يراه دون درجته، هذا / مع أن اشتغال المشتغل منهم ضعيف، قد قنع الحريص منهم من علوم القرآن بحفظ سواده، ونقل بعض قراءآته، وأغفل علم تفسيره ومعانيه، واستنباط أحكام الشريعة من مبانيه. واقتصر من علم الحديث على سماع بعض الكتب على شيوخ أكثرهم أجهل منه بعلم الرواية، فضلا عن الدراية، وأغفل إتقان معرفة الأسانيد والمتون من التقييد اللفظي، والبحث الصحيح المعنوي.
[ ٩٣ ]
واجتزأ من علم الفقه بحفظ مختصر، ولولا الجاري عليه بسببه لما صبر.
ومنهم من صعب عليه أيضا حفظ المختصر [ورفع نفسه عنه]، فنظر في بعض نكت الخلافيين المتأخرين، العارية عن مآخذ الأئمة وفقه المتقدمين، وعد نفسه - لغرابة ما أتى به - من رؤوس العلماء، وهو عند الله تعالى وعند علماء الشريعة من أجهل الجهلاء، قد حرم أنفاس أهل الدين والعلم الفاخر، ورضي مما هم عليه بإطلاق اسم المستدل المناظر.
واكتفى من علم العربية بالنظر في مقدمة يزعم أنه يصلح بها لسانه، ويقوى بها عند الجدال جنانه، وصدف عن الكتب النفيسة الكافلة بنفائس هذا الشأن، وعن الاشتغال بعلمي اللغة والبيان، اللذين بهما يفهم الحديث والقرآن.
وأما علم أصول الفقه فقد هجر هجرا، فلا تكاد تسمع له ذكرا، إلا
بأبحاث خارجة عنه، وإن كانت قد سطرت فيه حتى حسبت أنها منه.
فليتدبر ما قلناه طالب العلم، وليتهم نفسه بالتحصيل، فكل علم من هذه العلوم بحر زاخر، ولا يحصل على درره إلا كل سابح غواص ماهر، قد مرت عليه أزمنة في ملازمة الطلب، وطول / النصب والتعب، من التكرار والبحث والشرح والمراجعات، ومذاكرة العلماء وكثرة المطالعات، مع الأهلية التامة من صحة الذهن وحدته، وطول الفكر منه وحسن نيته، فيراجع ما أشكل عليه ويحققه، وإذا عد تنبيه من نبهه على خطئه فائدة منه وشكره عليها فالله يوفقه.
[ ٩٤ ]
وليعتمد من مذاكرة الشيوخ ومطالعة الكتب كل معتمد عليه، ولا يتجاوز تحقيق ما أشكل لديه، فهذه صفة المشتغل المحقق، وهو الذي ينتفع وينفع الله به كل موفق.
قال مسلم بن الحجاج في " صحيحه ": حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، أنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير، قال: سمعت أبي يقول: لا يستطاع العلم براحة الجسم.
قلت:
ومن آدابه: اجتناب المراء والافتراء، واللغط الهراء، وحرصه أبدا على إظهار الحق، وطلبه من حيث كان، كما قال إمامنا الشافعي ﵀: ما ناظرت أحدا إلا على النصيحة، وما ناظرت أحدا فأحببت أن يخطئ.
وما روينا عنه أيضا أنه قال: من تعلم علما فليدقق فيه لئلا يضيع دقيق العلم.
[ ٩٥ ]