فصل
والعلم بالأحكام واستنباطها كان أولا حاصلا للصحابة فمن بعدهم من علمهم بالقرآن والسنة، ومعرفتهم بلسان العرب، فكانوا إذا نزلت بهم النازلة بحثوا عن حكم الله تعالى فيها من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وكانوا يتدافعون الفتوى ويود كل منهم لو كفناه إياها غيره.
وكان جماعة منهم يكرهون الكلام في مسألة لم تقع، ويقولون للسائل /عنها: أكان ذلك؟ فإن قال: لا، قالوا: دعه حتى يقع، ثم نجتهد فيه. كل ذلك يفعلونه خوفا من الهجوم على ما لا علم لهم به، واشتغالا بما هو الأهم من العبادة والجهاد، وإذا وقعت الواقعة لم يكن بد من النظر فيها.
قال الحافظ البيهقي: وقد كره بعض السلف للعوام المسألة عما لم يكن ولم يمض به كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا أثر، ليعملوا عليه إذا وقع، وكرهوا للمسؤول الاجتهاد فيه قبل أن يقع؛ لأن الاجتهاد إنما أبيح للضرورة ولا ضرورة قبل الواقعة، وقد يتغير اجتهاده عند الواقعة فلا يغنيهم ما مضى من الاجتهاد.
واحتج بعضهم في ذلك بما روي عن النبي ﷺ موصولا ومنقطعا: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».
[ ٩٦ ]
وعن طاووس قال عمر بن الخطاب وهو على المنبر أحرج بالله على كل امرىء مسلم سأل عن كل شيء لم يكن؛ فإن الله قد بين ما هو كائن.
وفي رواية: لا يحل لكم أن تسألوا عما لم يكن فإنه قد قضى فيما هو كائن.
وعن عبد الرحمن بن شريح أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول:
إياكم وهذه العضل فإنها نزلت بعث لها من يقيمها ويفسرها.
وعن الصلت بن راشد قال: سألت طاووسا عن شيء فقال: أكان هذا؟
قلت: نعم. قال: آالله الذي لا إله إلا هو قلت: الله الذي لا إله إلا هو. قال:
[ ٩٧ ]
إن أصحابنا حدثونا عن معاذ بن جبل أنه قال: أيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله فيذهب بكم هاهنا وهاهنا، وإنكم إن لم تفعلوا - أي لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله - لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سدد أو قال: وفق.
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن مرسلا قال: رسول الله ﷺ:
«لا تستعجلوا بالبلية قبل / نزولها فائنكم إذا فعلتم ذلك لم يزل منكم من يوفق ويسدد، وإنكم إن استعجلتم بها قبل نزولها تفرقت بكم السبل هاهنا وهاهنا وأشار عن يمينه وشماله».
وقال مسروق: سألت أبي بن كعب عن شيء فقال: أكان بعد؟ قلت: لا. قال: فأجمنا حتى يكون، فإذا كان لك رأينا.
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب محمد ﷺ ما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا.
[ ٩٨ ]
وفي رواية: يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول.
قلت:
ثم كثرت الوقائع والنازل وأفتى فيها مجتهدوا الصحابة والتابعين وأتباعهم، وحفظت فتاويهم وسطرت ودونت، ووصلت إلى من بعدهم من الفقهاء الأئمة ففرعوا عليها وقاسوا واجتهدوا في إلحاق غيرها بها، فتضاعفت مسائل الفقه وكثر الاختلاف. واختلاف الأئمة رحمة إذ نصوص القرآن والسنة تحتمل وجوها من التأويل، وطرق العربية ومجاريها واسعة، فلكل قول منها دليل.
ولم يزل علم الفقه كريما يتوارثه الأئمة معتمدين على الأصلين الكتاب والسنة مستظهرين بأقوال السلف على ما فيهما من غير تقليد.
قد نهى إمامنا الشافعي ﵀ عن تقليده وتقليد غيره على ما سنذكره في فصل بعد هذا. وكانت تلك الأزمنة مملوءة بالمجتهدين، وكل صنف على ما رأى، وتعقب بعضهم بعضا مستمدين من الأصلين الكتاب والسنة، وترجيح الراجح من أقوال السلف المختلفة. ولم يزل الأمر على ما / وصفت إلى أن استقرت المذاهب المدونة، ثم اشتهرت المذاهب الأربعة وهجر غيرها،
[ ٩٩ ]
فقصرت همم أتباعهم إلا قليلا منهم، فقلدوا ولم ينظروا فيما نظر فيه المتقدمون من الاستنباط من الأصلين الكتاب والسنة، بل صارت أقوال أئمتهم بمنزلة الأصلين، فأخذوها مسلمة مفروغا منها، ففرعوا عليها، واستنبطوا منها، ولم يبق لهم نظر إلا فيها، وأعرضوا عن علوم الأصلين، فعدم المجتهدون، وغلب المقلدون، حتى صاروا ممن يروم رتبة الاجتهاد يعجبون، وله يزدرون، وكثر التعصب للمذاهب، وقلت النصفة وبانت المثالب، ودبت بينهم العقارب، فجرى من بعضهم في بعض العجائب والغرائب، وآل بهم التعصب إلى أن صار أحدهم إذا أورد عليه شيء من الكتاب والسنة الثابتة على خلاف مذهبه يجتهد في دفعه بكل سبيل من التأويل البعيد نصرة لقوله، وإعراضا عما يجب عليه الأخذ به، ولو كان ذلك وصل إلى إمامه الذي يقلده هذا المتعصب لقابله ذلك الإمام بالتعظيم والتبجيل، ولصار إليه إن لم يعارضه دليل.
ثم تفاقم الأمر حتى صار كثير منهم لا يرون الاشتغال بعلوم القرآن والحديث، ويعيبون من يعتني بهما، ويرون أن ما هم عليه هو الذي ينبغي المواظبة عليه، وتقدمته بين يديه، من الاحتجاج للمذاهب بالآراء، وكثرة الجدال والمراء، فينقضي منهم المجلس بعد المجلس لا يسمع فيه آية تتلى، ولا حديث يروى، وإن اتفق ذكر شيء من ذلك لم يكن في المجلس من يعرف صحيحه من سقيمه، ولا إيراده على وجهه ولا فهم معناه. وغرض كل منهم
[ ١٠٠ ]
قمع خصمهم وإبطال حكمه، وعدم منهم / الإنصاف في مسائل الخلاف، ولا سيما لما وقفت عليهم الأوقاف.
ثم نبغ قوم آخرون صارت عقيدتهم في الاشتغال بمسائل المذهب كعقيدة أولئك في الاشتغال بعلوم الأصلين، يرون أن أولى منه الاقتصار على نكت خلافية وضعوها، وأشكال منطقية ألفوها.
بالمنطق اشتغلوا فقلت لجمعهم. . . إن البلاء موكل بالمنطق
فاعرضوا عن تلك المحاسن، وسموا المشتغلين بعلم المذهب كوادن، وذلك من وساوس الشيطان، وعلامات الخذلان؛ فنعوذ بالله من هذا البلاء، وسوء القضاء، ومن تضييع الزمان في الجدال والمراء، ونسأله الثبات على التمسك بالآثار، والاعتماد على [صحيح] الأخبار، ويلحقنا بالسادة الأخيار، ويباعدنا من هؤلاء الجهال الأغبياء الأشرار.
[ ١٠١ ]
وقوم آخرون قنعوا بزي المتفقهين، والصياح الجاري بين المتناظرين، وقالو: علام نتعب أنفسنا، وريع المدارس حاصل لنا.
وما أظرف ما قال فيهم بعض الظرفاء، من المتأخرين الفضلاء:
يا طالب العلم من كتاب. . . ومن حديث طلاب مسلم
بدون هذا ترى فقيها. . . فوسع الثوب ثم عمم
والبس من الشرب طيلسانا. . . واعقده في المنكبين واختم
واقعد مع القوم في جدال. . . لا بالبخاري ولا بمسلم
إلا صياحا ونفض كم. . . وقول لا لا وعقد لم لم
فما أرى عندهم علوما. . . أكثر من لم ولا أسلم
وفي "مسند البزاز" وغيره عن جبير بن نفير، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله ﷺ: «تفترق أمتي على بضع وسبعين شعبة، فرقة أعظمها فتنة على أمي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال».
[ ١٠٢ ]
وعن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو قال: رسول الله ﷺ: «لن يستكمل مؤمن إيمانه حتى يكون هواه تبعا لما / جئتكم به».
وقال عمر بن الخطاب وسهل بن حنيف ﵄: اتهموا الرأي على الدين. وفي رواية: اتقوا الرأي على دينكم. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فيهدم الإسلام.
وقال عبد الله بن عمر ﵄: لا يزال الناس على الطريق ما اتبعوا الأثر.
[ ١٠٣ ]
وعن الشعبي من قوله، وقيل: رفعه إلى عمر بن الخطاب ﵁: إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا.
وقال الأوزاعي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك ورأي الرجال وإن زخرفوه بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنت منه على طريق مستقيم.
وقال أيضا: إذا بلغك عن رسول الله ﷺ حديث فإياك أن تقول بغيره فإن رسول الله ﷺ كان مبلغا عن الله ﵎.
وقال أيضا: العلم ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ، وما لم يجيء عن أصحاب محمد ﷺ فليس بعلم - يعني ما لم يجيء أصله عنهم -.
[ ١٠٤ ]
وقال سفيان الثوري: إنما العلم كله العلم بالآثار.
وقال ابن المبارك: ليكن الذي تعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث.
وقال أحمد بن حنبل: سألت الشافعي عن القياس فقال عند الضرورات.
وقال: كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وترك قوله.
قلت:
وما أحسن قول القائل:
تجنب ركوب الرأي فالرأي ريبة. . . عليك بآثار النبي محمد
فمن يركب الآراء يعم عن الهدى. . . ومن يتبع الآثار يهد ويحمد
[ ١٠٥ ]
وقال الآخر:
دين النبي محمد أنوار. . . نعم المطية للفتي أثار
لا ترغبين عن الحديث وأهله. . . فالرأي ليل والحديث نهار
ولبعض فضلاء المغاربة:
أنظر بعين الهدى إن كنت ذا نظر. . . فإنما العلم مبنى على الأثر
لا تر غير رسول الله متبعا. . . ما دمت تقدر في حكم على خبر
/ ومن شعر القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري الشافعي ﵀:
أقول بالأثر المروي متبعا. . . وبالقياس إذا لم أعرف الأثرا
وما أبالي إذا ما العلم صاحبني. . . ثم التقى فيه أن لا أصحب البشرا
[ ١٠٦ ]