فصل:
وقد كان من مضى من الأئمة المجتهدين، بجميع علوم الاجتهاد قائمين، وبنشرها في الآفاق معتنين، وهم في ذلك متفاضلون.
فمنهم المحكم لعلم الكتاب، ومنهم القائم بأمر السنة ومنهم المتبحر في العربية، ومنهم المتقن لجودة استنباط الأحكام، وقل من اجتمع فيه القيام بجميع ذلك، فكان من أجمعهم وأقومهم به أمامنا أبو عبد الله القرشي المطلبي الشافعي ﵁، جمع الله تعالى له النسب الطاهر، والعلم الباهر، وكثرة المآثر، وجل الفاخر؛ فكان فيه من المناقب والفضائل، ما فرقه في كثير من الأئمة الأفاضل وشهد له بذلك من أهل كل فن سادة أماثل.
قال المزني: سمعت الشافعي يقول: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين وحفظت "الموطأ" وأنا ابن عشر سنين. قال يونس بن عبد الأعلى: كان الشافعي إذ أخذ في التفسير كأنه شهد التزيل.
[ ٧١ ]
قال أحمد بن محمد بن بنت الشافعي: سمعت ابي وعمي يقولان: كان سفيان بن عيينة / إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا يسأل عنها التفت إلى الشافعي فيقول: سلوا هذا.
وقال له شيخه مسلم بن خالد وهو مفتي مكة: يا أبا عبد الله أفت فقد والله آن لك ان تفتي وابن خمس عشرة سنة. وقيل: ست عشرة. وقيل ثماني عشرة. وفي أخرى: وهو ابن دون عشرين سنة. وقال الربيع: كان الشافعي يفتي وهو ابن خمس عشرة سنة، كان يحي الليل إلى أن مات.
قال أبو نعيم الحافظ: سمعت سليمان بن أحمد يقول: سمعت أحمد بن محمد الشافعي يقول: كانت الحلقة في الفتيا بمكة في المسجد الحرام لابن عباس وبعده لعطاء بن أبي رباح، وبعده ليعبد الملك بن جريح، وبعده لمسلم بن خالد، وبعده لسعيد بن سالم، وبعده لمحمد بن إدريس الشافعي وهو شاب.
قال ابن مهدي: سمعت مالكًا يقول: ما يأتيني قرشي أفهم من هذا الفتى يعني الشافعي.
[ ٧٢ ]
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت قط أعقل ولا أروع ولا أفصح من الشافعي.
قال هلال بن العلاء الرقي: أصحاب الحديث عيال على الشافعي، فتح لهم الأقفال.
قال إسحاق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكة فقال: تعال حتى أريك رجلًا لم تر عيناك مثله، فأراني الشافعي. قال فتناظرنا في الحديث فلم أر أعلم منه ثم تناظرنا في الفقه فلم أر أفقه منه. ثم تناظرنا في القرآن فلم أر أقرأ منه.
ثم تناظرنا في اللغة فوجدته بيت اللغة. وما رأت عيناي مثله قط.
قال: فلما فارقناه أخبرني جماعة من أهل الفهم بالقرآن أنه كان أعلم الناس في زمانه. بمعاني القرآن وأنه قد كان أوتي فهمًا في القرآن.
قال أحمد بن حنبل: كان الفقهاء أطباء والمحدثون صيادلة، فجاء الشافعي /طبيبًا صيدلانيًا، ما مقلت العيون مثله.
[ ٧٣ ]
وقال إن الله يقيض للناس في رأس كل مائة سنة من يعلمهم السنن، وينفي عن رسول الله ﷺ الكذب، فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائتين الشافعي.
وقال: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خيرًا قلت فيها بقول الشافعي؛ لأنه إمام عالم من قريش وروي عن النبي ﷺ أنه قال:
«عالم قريش يملأ الأرض علمًا».
وقال كلام الشافعي في اللغة حجة.
وقال أبو عبيد وابن هشام صاحب "المغازي": الشافعي ممن يؤخذ عنه في اللغة
أو من أهل الفقه.
[ ٧٤ ]
قال أبو بكر بن الأنباري" حدثني أبي، عن أبي عن عثمان المازني قال: الشافعي عندنا حجة في النحو.
قال أبو العباس المبرد: رحم الله الشافعي كان من أشعر الناس، وآدب الناس، وأعرفهم بالقرآءات.
كذا وقع وأظنه تصحيفًا إنما هو:"وأعرفهم بالقرآن" أي بمعانيه وأحكامه، أي رزق فهمًا فائقًا فيه على ما سبق من كلام إسحاق بن راهويه ويونس بن عبد الأعلى وغيرهما.
قال أبو ثور بن خالد: كان الشافعي من معادن الفقه، وجهابذة الألفاظ، ونقاد المعاني.
قال الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني: كان أصحاب الحديث رقودًا حتى جاء الشافعي فأيقظهم فتيقظوا.
قال الحسين الكرابيسي: ما أقول في رجل ابتدأ في أفواه الناس الكتاب والسنة والاتفاق، ما كنا ندري ما الكتاب والسنة نحن ولا الأولون حتى سمعنا من الشافعي الكتاب والسنة والإجماع.
[ ٧٥ ]
يعني أنه أول من وضع علم أصول الفقه، وأتى بهذه العبارات الحسنة ﵀.
قال أبو زرعة الرازي: ما عند الشافعي حديث غلط فيه.
وقال أبو داود السجستاني: / ما من العلماء أحد إلا وقد أخطأ في حديثه غير ابن علية وبشر بن المفضل، وما أعلم للشافعي حديثًا خطأ.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: إن كان أحد من العلماء حجة في شيء فالشافعي حجة في كل شيء.
وقال أبو بكر بن دريد من قصيدة له في مدح الشافعي ﵀:
وهذب حتى لم تشر بفضيلة. . . إذا التمست إلا إليه الأصابع
فمن يك علم الشافعي أمامه. . . فمرتعه في ساحة العلم واسع
[ ٧٦ ]
قال سويد بن سعيد: كنا عند سفيان بن عيينة بمكة، فجاء الشافعي فسلم وجلس، فروى ابن عيينة حديثا رقيقًا فغشي على الشافعي. فقيل: يا أبا محمد مات بن إدريس. فقال ابن عيينة: إن كان مات محمد بن إدريس فقد مات أفضل أهل زمانه.
فهذا طرف من ثناء العلماء عليه في فضله وفقهه وعلمه بالكتاب والسنة والعربية واستخراج أصول علم الفقه، وانضم إلى ذلك اجتهاده في طاعة ربه من الورع والعبادة، والنصح والخشية والزهادة.
قال أبو عبيد: ما رأيت قط رجلًا أورع من الشافعي.
قال حرملة بن يحيى: قال الشافعي: ما كذبت قط، وما حلفت قط بالله آثمًا.
قال الربيع: كان الشافعي لا يصلي مع الناس في قيام رمضان ويصلي في بيته، ويختم ستين ختمة ليس منها شيء إلا في صلاة، ختمة بالنهار وختمة بالليل.
قال هارون بن سعيد الأيلي: ما رأيت مثل الشافعي، وما رأيت أحسن صلاة منه.
[ ٧٧ ]
قال الربيع: كان الشافعي قد جزّء الليل إلى ثلاثة أثلاث: الثلث الأول يكتب، والثلث الثاني يصلي، والثلث الثالث ينام.
وقال: سمعت الشافعي يقول: ما شبعت منذ عشرين سنة. وفي رواية: منذ ست عشرة سنة إلا شبعة طرحتها من ساعتي.
وقال ما تركت غسل / الجمعة في شتاء ولا صيف قط.
قال الحافظ أبو حاتم بن حبان البستي:
«الشافعي رحمة الله عليه ثلاث كلمات ما تكلم بها أحد في الإسلام قبله لا يفوه بها أحد بعده إلا والمأخوذ فيها كان عنه.
إحداها أني سمعت ابن خزيمة يقول: سمعت المزني يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا صح لكم الحديث عن النبي ﷺ فخذوا به ودعوا قولي.
الثانية: اخبرني محمد بن المنذر بن سعيد، عن الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني قال سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحدا قط فأحببت أن يخطيء.
زاد في رواية أخرى إلا صاحب بدعة فأني أحب أن ينكشف أمره للناس.
قال: والثالثة: سمعت موسى بن محمد الديلمي بأنطاكية يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: وددت أن الناس تعلموا هذه الكتب ولم ينسبوها إلي».
[ ٧٨ ]
وفي رواية: وددت أن كل علم أعلمه تعلمه الناس أؤجر عليه ولا يحمدوني، وما ناظرت أحدا قط إلا على النصيحة.
قلت:
وقد كان ﵀ مع ما منحه الله من الطاعة والتبحر في علوم الاجتهاد قد جمع فيه فضائل شتى، كجودة الرمي، والسخاء الذي أربى فيه على نظائره وزاد.
قال عمرو بن سواد: كان الشافعي أسخى الناس على الدينار والدرهم والطعام.
وقال: قال الشافعي: كان نهمتي في شيئين في الرمي وطلب العلم، فنلت من الرمي حتى أصبحت من عشرة عشرة، والعلم فما ترى.
وفي رواية: سكت عن العلم. فقلت له: أنت والله في العلم أكثر منك في الرمي.
[ ٧٩ ]
وكان الشافعي ﵀ شديد الإنصاف للفضلاء، كثير الثناء على العلماء.
فمما روي عنه من ثنائه على الأئمة الثلاثة المشتهرة مذاهبهم مع مذهبه ﵃ أن قال: من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، كان أبو حنيفة ممن وفق له الفقه.
وقال: من أراد الحديث الصحيح فعليه بمالك، ومن أراد الجدل فليه بأبي حنيفة.
وقال: إذا جاء الأثر فمالك النجم، إذا جاءك الحديث عن مالك فشد به يديك، ما على الأرض كتاب في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك.
وفي رواية: ما أعلم شيئا بعد كتاب الله تعالى أصح من موطأ مالك لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز.
[ ٨٠ ]
وقال خرجت من بغداد وما خلفت بها أحد أتقى ولا أورع ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل.
فهذا القدر كاف فيما يتعلق بأخباره وآثاره من اضطلاعه بالعلم واطلاعه، فالحمد لله على ما وفق من اتباعه، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله واتباعه، وأصحابه وأشياعه.
ولد الشافعي ﵀ سنة خمسين ومائة، ومات بمصر سنة أربع ومائتين، وله أربع وخمسون سنة. وقد جمعت في تاريخنا الشامي ما تفرق من أخباره في كتب المنصفين في ترجمته في حرف الميم.
وولد أبو حنيفة ﵀ سنة ثمانين، ومات سنة خمسين ومائة ببغداد، وله سبعون سنة.
[ ٨١ ]