فصل
لم أزل منذ فتح الله على الاشتغال بعلم الشريعة، وفهم ما ذكرت من الاتفاق والاختلاف ولالات الكتب والسنة، مهتما بجمع كتاب يجمع ذلك أو يقاربه، توفيقا من الله تعالى لمعاود الأمر الأول، وهو ما كان عليه الأئمة المتقدمون من استنباط الأحكام من الأصلين مستظهرين بأقوال السلف فيها طلبا لفهم معانيها، ثم يصار إلى الراجح منها بطريقة وددت لو كان كفاني ذلك غيري ممن هو في زمني، أو وجدت أحدا من أصحابنا فعله قبلي، بل دأب كل مصنف من أصحابنا ومن غيرهم التعصب لمذهبه وترجيح قول إمامه في كل ما أتى به، وكان الواجب على الجميع نظرهم بعين الإنصاف، في كل ما وقع فيه الاختلاف، والصيرورة إلى القول الراجح وهو الأقرب إلى ما دل عليه الأصلان الكتاب والسنة، فيزول الخلاف في كثير من المسائل، ولا يبقى منها إلا القليل على ما ستراه من السبيل إن شاء الله تعالى.
وهذا الكتاب المشار إليه أرجوا أن أكون الممت فيه بامتثال أمر الله ﷿ في قوله سبحانه: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾.
قال الشافعي ﵀ في كتاب " الرسالة ":
«يعني - والله أعلم - إلى ما قال الله والرسول إن عرفتموه، وإن لم تعرفوه سألتم الرسول عنه. ومن تنازع من بعد رسول الله ﷺ رد الأمر إلى قضاء الله
[ ١٠٧ ]
ثم قضاء رسوله، فإن لم يكن فيما يتنازعون فيه قضاء فيهما ولا في واحد منهما ردوه قياسا على أحدهما»
قلت: ولم يختلف المفسرون فيما وقف عليه من كتبهم في أن معناها إلى كتاب الله وسنة رسوله، وتقدير ذلك: فردوه إلى قول الله تعالى وقول الرسول، فيجب رد جميع / ما اختلف فيه إلى ذلك، فما كان أقرب إليه اعتقد صحته وأخذ به؛ ولذلك قال عمر بن الخطاب ﵁: «ردوا الجهالات إلى السنة». وفي رواية: «يرد الناس من الجهالات إلى السنة».
وهذه كانت طريقة العلماء الأعلام أئمة الدين كما سبق ذكره، وهي طريقة إمامنا أبي عبد الله الشافعي ﵏، فإنه تعقب على من تقدمه من العلماء بذلك السبب، ولهذا قال فيه أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵀: ما من أحد وضع الكتب حتى ظهرت أتبع للسنة من الشافعي.
[ ١٠٨ ]
ثم إن الشافعي ﵀ احتاط لنفسه وعلم أن البشر لا يخلو من السهو والغفلة وعدم الإحاطة، فصح عنه من غير وجه أنه أمر إذا وجد قوله على مخالفة الحديث الذي يصح الاحتجاج به أن يرد قوله ويؤخذ بالحديث.
أنبأنا القاضي أبو القاسم، عمن أخبره الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسن البيهقي، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس بن يعقوب، قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول:
إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ، ودعوا ما قلت.
قال البيهقي: «وقد يثق - يعني الشافعي - ببعض من هو مختلف في عدالته على ما يؤدي إليه اجتهاده كما يفعله غيره، ثم لم يدع لرسول الله ﷺ سنة بلغته وثبتت عنده حتى قلدها، وما خفي عليه ثبوته علق به
_________________
(١) يعني - على ثبوته، وما عسى لم يبلغه أوصى من بلغه باتباعه وترك خلافه، وذلك بين في كتبه وفيما ذكر من أقاويله. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو زكريا العنبري، أنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي فيما ذكره من فضائل الشافعي ﵀ ومناقبه قال:
[ ١٠٩ ]
«ثم بلغ من حرصه - يعني من حرص الشافعي - على إفهام المسترشدين أني سمعت ربيعا يقول: قال الشافعي ﵀: " وددت أن الناس نظروا في هذه / الكتب ثم نحلوها غيري "؛ طلبا منه للنصيحة لهم، وأن قصده أنما كان من وضع الكتب وتسييرها في الناس أن يفهموها، ليدلهم البيان فيها على الأرجح من المذاهب التي هي أتبع للكتاب والسنة وما أشبه الكتاب والسنة، تبرأ إلى الله جل ذكره من حوله وقوته، غير ملتمس بها ذكرا ولا في الدنيا شرفا. قال: وهذه صحة النية، ومشكور الطوية، وما يحمد من الصالحين من الضمير والعزيمة».
قلت:
وعلى هذا المعنى كان وضع الشافعي وغيره من الأئمة الكتب إرشادا للخلق إلى ما ظنه كل واحد منهم صوابا، لا على أنهم أرادوا تقليدهم ونصرة أقوالهم كيفما كانت، فقد صح أن الشافعي ﵀ نهى عن تقليده وتقليد غيره.
قال صاحبه أبو إبراهيم المزني في أول " مختصره ": «اختصرت هذا من علم الشافعي ومن معنى قوله لأقربه على من أراده مع إعلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره؛ لينظر فيه لدينه، ويحتاط لنفسه».
أي مع إعلامي من أراد علم الشافعي نهي الشافعي عن تقليده وتقليد غيره. هذا أحسن ما أول به هذا الكلام. وانظروا رحمكم الله إلى قوله: «لينظر فيه لدينه، ويحتاط لنفسه» أي ليسترشد بذلك إلى الحق.
[ ١١٠ ]
قال صاحب " الحاوي " وهو القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي: «وقوله: " ويحتاط لنفسه " أي ليطلب الاحتياط لنفسه بالاجتهاد في المذاهب، وترك التقليد بطلب الدلالة».
قلت:
فعلى هذا كان السلف الصالح يتبعون الصواب حيث كان، ويجتهدون في طلبه وينهون عن التقليد.
وقال أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري المعروف بابن القاص صاحب أبي العباس بن سريج في أول كتاب " التلخيص " له:
«ذكر المزني في كتابه المترجم بـ:" الجامع الكبير " في المتيمم إذا دخل في الصلاة، ثم رأى الماء أن الشافعي / نهى عن التقليد نصحا منه لكم، فله أجر صوابكم وهو بريء من خطئكم ﵁ وقبل منه نصحكم».
قال الشيخ أبو علي [السنجي] في كتاب " شرح التلخيص ":
«وإنما ذكر المزني هذا في هذه المسألة لأنها أول مسألة خالف الشافعي فيها في " جامعيه الصغير والكبير " حيث ذهب فيها إلى مذهب أهل الكوفة
[ ١١١ ]
أنه يخرج من صلاته ويتوضأ ويستأنف. فبسط العذر لنفسه في مخالفة الشافعي لأنه منعه من تقليده وتقليد غيره.
قلت:
فالمزني ﵀ امتثل أمر إمامه في النهي عن تقليده، فخالفه في هذه المسألة لما ظهر له من جهة النظر والرأي، فما الظن به لو وجد حديثا مصرحا بخلاف نصه، فهو إن شاء الله حينئذ كان أشد مبادرة إلى مخالفة نص إمامه، وإن كان في الحقيقة موافقا لا مخالفا لأنه قد أمر إذا وجد الحديث على خلاف قوله أن يترك قوله، فهو إنما ترك قوله بقوله فهو موافق ممتثل للأمر.
وقد فعل هذا صاحبه أبو يعقوب البويطي ﵀ في مسألة التيمم إلى الكوعين فخالفه وصار إليه كما سيأتي.
وإذا كشفت واعتنيت بهذا وكانت لك همة في التنقيب عنه وعناية بظهور الحق، وجدت جماعة من أهل العلم والتحقيق والمصنفين على مذهب الشافعي ﵏ قد نصروا مذهبه، وامتثلوا ما أمر به من مخالفة قوله لحديث يصح الاحتجاج به، وهذا مأمور به من جهة الشارع ولو لم يقله الشافعي.
فذكر كل واحد منهم ما أمكنه مما وصل إليه علمه على قلة ذلك وعزته في كتبهم، وإنما يكثر ذلك في كتب المتضلعين من الحديث الباحثين عن فقهه ومعانيه، الذاكرين لأقوال العلماء ومذاهبهم من غير تقيد، كأبي بكر بن المنذر وأبي سليمان الخطابي وأبي بكر البيهقي وأبي عمر بن عبد البر وغيرهم ﵏.
ونبه صاحب "التهذيب" من أصحابنا وهو أبو علي / الحسين بن مسعود البغوي على مواضع حسنة منها:
[ ١١٢ ]
تصحيحه للقول القديم أن وقت المغرب يمتد إلى وقت مغيب الشفق فقال: وهو الصحيح لحديث بريدة أن النبي ﷺ صلاها في يومين في وقتين.
ووافقه على ذلك إمام الحرمين أبو المعالي ابن الجويني في "مختصره"
الذي اختصر فيه كتاب "النهاية"، وإن لم يكن ما نذكره في نفس كتاب "النهاية"، فقال في "المختصر": والظاهر عندنا القول الثاني - يعني القديم -، فقد صح أن رسول الله ﷺ صلى المغرب عند اشتباك النجوم
قال: وفي نصرة هذا القول نصوص ولذلك اختاره الإمام أحمد، ولولا صحة الأخبار عنده لما رأى ذلك.
[ ١١٣ ]
ونقل أيضا إمام الحرمين في باب التعزيز من كتاب "النهاية" عن صاحب "التقريب" كلاما حسنا في هذا المعنى وإن كان فيما استنبطه نظر فقال: ولما ذكر صاحب "التقريب" مقالات الأصحاب في التعزيزات ومبالغها روى عن أبي بردة بن نيار أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجلد فوق العشرة إلا في حد». قال صاحب "التقريب": هذا خبر صحيح لو بلغ الشافعي لقال به.
وقد صح من أقوال الشافعي ﵁ أن من يبلغه مذهبه عنه ويصح عنده خبر على خلافه فحق عليه أن يتبع الخبر ويعتقد أنه مذهب الشافعي، فإن كل ما أطلقه في المسائل مقيد باستثناء الخبر، وكأنه لا يقول قولا في واقعة إلا وهو مصرح بأن الأمر كذلك إن لم يصح خبر على خلافه عن رسول الله ﷺ.
قلت:
وهذا الحديث متفق عليه في "الصحيحين" ولكن له عندي تأويل وهو أن المراد به ضرب التأديب الصادر من غير الولاة؛ كضرب السيد عبده والزوج امرأته، والأب ولده، والمعلم / والمؤدب من تحت أيديهما من الصبيان المتعلمين.
[ ١١٤ ]
وقوله ﷺ: «إلا في حد» يعني ما يضربه الولاة على الجرائم فإنها حدود شرعية أي موانع وزواجر. وهي مقسمة إلى حد مقدر كحد الزنا والقذف، وإلى [حد] غير مقدر وهي التعزيزات على الجرائم التي لا مقدر في حدها من جهة الشرع، وإنما هو موكول إلى اجتهاد ولاة الأمر يفعلون من ذلك ما هو الرادع الزاجر لصاحب تلك الجريمة مما هو لائق به، وذلك يختلف باختلاف الجرائم؛ فمنها كبائر كأكل الربا، ومال اليتيم، والغصب، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين، فكيف يسوى بين هذه وبين الصغائر في أن لا يبلغ بالجميع عشرة أسواط؟ فأي انزجار يحصل بذلك؟ لا سيما من الأراذل والسفل، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: «إن الناس قد تتايعوا في شرب الخمر، واستقلوا الحد»، هذا مع كونه أربعين جلدة لم يبالوا بها وانهمكوا على الشرب الذي هو متلف للأموال، ومذهب للعقول، وحامل على كثرة المعاصي، فكيف بمن تمرد وتمرن على عقوق الوالدين والسحر، وشرهت نفسه في جمع الأموال من الربا والغصب، أيزجر بتسعة أسواط مثلا، هذا مناف لحكمة شرعية الحدود والتعزيزات، فليس لهذا الحديث الصحيح محمل إلا ما ذكرته وهو معنى حسن جيد. والحمد لله على فهمه،
[ ١١٥ ]