وسيأتي تقرير ذلك إن شاء الله تعالى في موضعه، وإنما قدمته هنا خوفا من اخترام المنية قبل الوصول إليه لأنه في أواخر الكتاب، واستطرد الكلام بنا إليه فذكرته، ولم يكن الغرض هنا إلا ذكر ما نقله إمام الحرمين عن صاحب "التقريب" في تقرير جواز مخالفة نصوص الشافعي المخالفة لما صح من الحديث وإن لم يكن هذا منها وبالله التوفيق.
فصل:
ثم إن المصنفين من أصحابنا المتصفين بالصفات المتقدمة من الاتكال على نصوص إمامهم، معتمدين عليها اعتماد الأئمة قبلهم على الأصلين الكتاب والسنة، قد وقع في مصنفاتهم خلل كثير من وجهين عظيمين:
الأول أنهم يختلفون كثيرا فيما ينقلون من نصوص الشافعي ﵀، وفيما يصححونه منها ويختارونه، وما ينسبونه إلى القديم والجديد ولا سيما المتأخرين منهم، وصارت لهم طرق مختلفة خراسانية وعراقية، فترى هؤلاء ينقلون عن إمامهم خلاف ما ينقله هؤلاء، والمرجع في هذا كله إلى إمام واحد، وكتبه مدونة مروية موجودة، أفلا كانوا يرجعون إليها، وينقون تصانيفهم من كثرة اختلافهم عليها.
وأجود تصانيف أصحابنا من الكتب الكبار فيما يتعلق بصحة نقل نصوص الشافعي ﵀ هو كتاب "التقريب"، أثنى عليه بذلك أخبر
[ ١١٦ ]
المتأخرين بنصوص الشافعي وهو الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀، ذكر ذلك في رسالة له كتبها إلى الشيخ أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين ناصحا له فيها، ومنكرا عليه ما وقف عليه من تصنيف له في الفقه شرع فيه وسماه "المحيط" فقال فيها:
«وكنت أنظر في كتب بعض أصحابنا حكايات من حكى منهم عن الشافعي ﵁ نصا، وأبصر اختلافهم فيه بعضها، فيضيق قلبي بالاختلاف، مع كراهية الحكاية من غير ثبت، فحملني ذلك على نقل مبسوط ما اختصره المزني ﵀ على ترتيب "المختصر". ثم نظرت في كتاب "التقريب"، وكتاب "جمع الجواميع"، و"عيون المسائل"، وغيرها فلم
[ ١١٧ ]
أر أحدا منهم فيما حكاه أوثق من صاحب "التقريب"، رحمنا الله وإياه، وهو في النصف الأول من كتابه أكثر حكاية لألفاظ الشافعي ﵀ منه في أكثرها وذهاب بعضها في عصرنا - عن حكاية ألفاظ لا بد لنا من معرفتها لئلا نجتريء على تخطئة المزني في بعض ما نخطئه فيه، وهو عندي بريء، ولنتخلص بها عن كثير من تخريجات أصحابنا»
وقال البيهقي في موضع آخر: «وجدت في بعض ما نقل من كتب الشافعي وحول منها إلى غيره خللا في النقل، وعدولا عن الصحة بالتحويل، فرددت مبسوط كتبه القديمة والجديدة إلى ترتيب "المختصر"؛ ليتبين لمن تفكر في مسائله من أهل الفقه ما وقع فيه من التحريف والتبديل، ويظهر لمن نظر في أخباره من أهل العلم بالحديث ما وقع فيه الخلل بالتقصير في النقل».
[ ١١٨ ]
قلت:
فلا بد لنا إن شاء الله من إيضاح الحق فيما اختلفوا فيه إن قدرت على ذلك في هذا الكتاب، وإلا أوردت اختلافهم على وجهه، ونسبت كلا إلى قائله في كتابه.
وإذا كان هذا الخلل قد وقع منهم في نقل نصوص إمامهم فما الظن بما ينقلونه من نصوص باقي المذاهب؟ فترى في كتبهم من ذلك أشياء ينكرها أصحاب تلك المذاهب، وكأن الخلل إنما جاءهم من تقليد بعضهم بعضا فيما ينقله من مذهب غيره أو من نص إمامه، ويكون الأول قد غلظ فيتبعه من بعده، والغلط جائز على كل أحد إلا من عصمه الله تعالى، ولكن لو أن كل من ينقل عن أحد مذهبا أو قولا راجع في ذلك كتابه إن كان له منصف أو كتب أهل مذهبه كما نفعله نحن إن شاء الله في هذا الكتاب، لقل ذلك الخلل، وزال أكثر الوهم وبطل، والله الموفق.
الوجه الثاني: ما فعلونه في الأحاديث النبوية والآثار المروية من كثرة استدلاهم بالأحاديث الضعيفة على ما يذهبون إليه نصرة لقولهم، ومن تغيير لفظ ما صح منها / والزيادة فيه والنقص منه لقلة خبرتهم بذلك وما أكثره في كتب أبي المعالي وصاحبه أبي حامد نحو: «إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا»
[ ١١٩ ]
ومن العجيب ما ذكره صاحب "المهذب" في أول باب إزالة النجاسة
قال: «وأما الغائط فهو نجس لقوله ﷺ لعمار: "إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول والمنى والدم والقيء". ثم ذكر بعد ذلك طهارة منى الآدمي ولم يتعرض للجواب عن هذا الحديث الذي هو حجة خصمه، ولم يكن له حاجة إلى ذكره أصلا فإن الغائط لا ضرورة إلى الاستدلال على نجاسته بهذا الحديث الضعيف المنتهض حجة عليه في أمر آخر والله الموفق.
ومن قبيح ما يأتي به بعضهم تضعيفهم لخبر يحتج به بعض مخالفيهم، ثم يحتاجون هم إلى الاحتجاج بذلك الخبر بعينه في مسألة أخرى، فيوردونه معرضين عما كانوا ضعفوه به، ففي كتابي "الحاوي" و"الشامل" وغيرهما من ذلك شيء كثير.
هذا وهم مقلدون لإمامهم الشافعي ﵀، فهلا اتبعوا طريقته في ترك الاحتجاج بالضعيف، وتعقبه على من احتج بذلك، وتبيين ضعفه.
[ ١٢٠ ]
ثم إن من مذهبه ﵀ ترك الاحتجاج بالمراسيل إلا بشروط سنذكرها في مقدمة الأصول إن شاء الله تعالى.
ولو ذكر سند الحديث وعرفت عدالة رجاله إلى التابعي وسقط من السند ذكر الصحابي كان مرسلا، ويورد هؤلاء المصنفون هذه الأحاديث محتجين بها بلا إسناد أصلا، فيقولون: قال رسول الله ﷺ، وروي عن رسول الله ﷺ، ويظنون أن ذلك حجة، وإمامهم ﵁ يرى أنه لو سقط من السند الصحابي وحده لم يكن حجة، وكذا لو سقط غير الصحابي من السند، فليتهم إذ عجزوا عن أسانيد الحديث ومعرفة رجالها عزوها إلى الكتب التي أخذوها منها، ولتكن من كتب الحديث المعتمد عليها، ولكنهم لم يأخذوا تلك الأحاديث إلا من كتب من سبقهم من مشايخهم ممن هو على مثل حالهم، فبعضهم يأخذها من بعض / فيقع التغيير والزيادة والنقصان فيما صح أصله، ويختلط الصحيح بالسقيم، وهذا كله غير مستقيم، بل الواجب في الستدلال على الأحكام، وبيان الحلال والحرام، أن من يستدل بحديث يذكر سنده ويتكلم عليه بما يجوز الاستدلال به، أو يعزوه إلى كتاب مشهور من كتب أهل الحديث المتعمدة، فيرجع من يطلب صحة ذلك الحديث وسقمه إلى ذلك الكتاب وينظر في سنده، وما قال ذلك المصنف أو غيره فيه. وما أحسن ما قال الحافظ البيهقي للشيخ أبي محمد الجويني في "رسالته" التي كتبها إليه ونصحه فيها قال: «وكنت أسمع رغبة الشيخ-أدام الله أيامه-في سماع الحديث والنظر في كتب أهله، فأسكن إليه، واشكر الله تعالى عليه، وأقول في نفسي ثم فيما
[ ١٢١ ]
بين الناس: قد جاء الله ﷿ بمن يرغب في الحديث ويرغب فيه من بين الفقهاء، ويميز فيما يرويه ويحتج به الصحيح من السقيم من جملة العلماء، وأرجو من الله سبحانه أن يحي به سنة إمامنا المطلبي في قبول الآثار، حيث أماتها أكثر فقهاء الأمصار، بعد من مضى من الأئمة الكبار، الذين جمعوا بين نوعي علم الفقه والأخبار.
ثم لم يرض بعضهم بالجهل به حتى رأيته حمل على العالم به، والوقوع فيه، والإزراء به، والضحك منه، وهو مع هذا يعظم صاحب مذهبه ويجله، ويزعم أنه لا يفارق في منصوصاته قوله، ثم يدعي في كيفية قبول الحديث ورده طريقته، ولا يسلك فيها سيرته، لقلة معرفته بما عرف، هلا نظر في كتبه ثم اعتبر باحتياطه في انتقاده لرواة خبره، واعتماده فيمن اشتبه عليه حاله على رواية غيره، فيرى سلوك مذهبه مع دلالة العقل والسمع واجبا على كل من انتصب للفتيا، فإما أن يجتهد في تعلمه، أو يسكت عن الوقوع فيمن يعلمه. فلا يجتمع / عليه وزران، حيث فاته الأجران، والله المستعان».
وقال قبل ذلك:
«قد علم الشيخ اشتغالي بالحديث واجتهادي في طلبه، ومعظم مقصودي منه في الابتداء التمييز بين ما يصح الاحتجاج به من الأخبار وبين ما لا يصح،
[ ١٢٢ ]
حين رأيت المحدثين من أصحابنا يرسلونها في المسائل على ما يحضرهم من ألفاظها، من غير تمييز منهم بين صحيحها وسقيمها. ثم إذا احتج عليهم بعض مخالفيهم بحديث يشق عليهم تأويله أخذوا في تعليله بما وجدوه في كتب المتقدمين من أصحابنا تقليدا، ولو عرفوه معرفتهم لميزوا به صحيح ما يوافق أقوالهم من سقيمه، ولأمسكوا عن كثير مما يحتجون به وإن كان يطابق آراءهم، ولاقتدوا في ترك الاحتجاج برواية الضعفاء والمجهولين بإمامهم، وما رد من الأخبار لضعف رواته وانقطاع إسناده كثير»
قلت:
وقد يسر الله تعالى - وله الحمد - الوقوف على ما ثبت من الأحاديث وتجنب ما ضعف منها بما جمعه علماء الحديث في كتبهم من الجوامع والمساند.
فالجوامع: هي المرتبة على الأبواب من الفقه والرقائق والمناقب وغير ذلك؛ فمنها ما اشترط فيه الصحة أي لا يذكر فيه إلا حديث صحيح شرط مصنفه، كـ: "كتابي البخاري ومسلم" وما ألحق بهما واستدرك عليهما، وكـ: "صحيح إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة"، و"كتاب أبي عيسى الترمذي"، وهو كتاب جليل مبين فيه الحديث الصحيح والحسن
[ ١٢٣ ]
والغريب والضعيف، وفيه عن الأئمة فقه كثير، ثم "سنن" أبي داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم، ممن هو في زمن هؤلاء المذكورين وفي طبقتهم، ففي ذلك العصر أكثر من تدوين كتب الحديث وجمعت ونقحت وميزت. ومن بعدهم "سنن أبي الحسن الداراقطني"، و"التقاسيم" لأبي حاتم بن حبان، وغيرهما.
ثم ما / رتبه وجمعه الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي في "سننه الكبير"، و"الأوسط"، و"الصغير" التي أتى بها على ترتيب "مختصر المزني"، وقربها إلى الفقهاء بجهده. فلا عذر لهم ولا سيما الشافعية منهم في تجنب الاشتغال بهذه الكتب أو ببعضها. وكثر النظر فيها وسماعها، والبحث عن فقهها ومعانيها، ومطالعة الكتب النفيسة المصنفة في شروحها وغريبها، بل أفنوا زمانهم وعمرهم في النظر في أقوال من سبقهم من متأخري الفقهاء، وتركوا النظر في نصوص نبيهم المعصوم من الخطأ ﷺ، وآثار الصحابة الذين شهدوا الوحي وعاينوا المصطفى، وفهموا أنفاس الشريعة؛ فلا جرم حرم هؤلاء رتبة الاجتهاد، وبقوا مقلدين على الآباد.
وقد كانت العلماء في الصدر الأول معذورين في ترك ما لم يفقهوا عليه من الحديث؛ لأن الأحاديث لم تكن حينئذ فيما بينهم مدونة، إنما كانت تتلقى من أفواه الرجال وهم متفرقون في البلدان، ولو كان الشافعي ﵀ وجد في
[ ١٢٤ ]
زمانه كتابا في أحكام السنن أكبر من "الموطأ" لحفظه مضافا إلى ما تلقاه من أفواه مشايخه، فلهذا كان الشافعي بالعراق يقول لأحمد بن حنبل رحمهما الله: أعلموني بالحديث الصحيح أصر إليه.
وفي رواية: إذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ فقولوا حتى أذهب إليه.
ثم قد زال العذر ولله الحمد بجمع الحفاظ الأحاديث المحتج بها في كتب، نوعوها وقسموها، وسهلوا الطريق إليها فبوبوها وترجموها، وبينوا ضعف كثير منها وصحته، وتكلموا في عدالة الرجال وجرح المجروح منهم، وفي علل الحديث، ولم يدعوا لمشتغل شيئا يتعلل به، وفسر القرآن والحديث، وتكلم على غريبهما وفقههما، وكل ما يتعلق / بهما، في مصنفات عديدة جليلة، فالآلات متهيئة لذي طلب صادق وهمة ذكاء وفطنة.
وأئمة الحديث المعتبرون هم القدوة في فنهم، فوجب الرجوع إليهم في ذلك، وعرض آراء الفقهاء على السنن والآثار الصحيحة، فما ساعده الأثر فهو المعتبر وإلا فلا.
ولا نبطل الخبر بالرأي بل نضعفه إن كان على اختلاف وجوه الضعف من علل الحديث المعروفة عند أهله، أو باجماع الكافة على خلافه، وقد يظهر ضعف الحديث وقد يخفى. وأقرب ما يؤمر به في ذلك أنك متى رأيت حديثا
[ ١٢٥ ]
خارجا عن دواوين الإسلام كـ:"الموطأ" و"مسند أحمد" و"الصحيحين" و"سنن" أبي داود والترمذي والنسائي ونحوها مما تقدم ذكره ومما لم نذكره، فانظر فيه فإن كان له نظير في الصحاح أو الحسان قرب أمره، وإن رأيته يباين الأصول وارتبت به فتأمل رجاله إسناده، واعتبر أحوالهم من الكتب المصنفة في ذلك، وأصعب الأحوال أن يكون رجال الإسناد كلهم ثقات ويكون متن الحديث موضوعا عليهم أو مقلوبا أو قد جرى فيه تدليس، ولا يعرف هذا إلا النقاد من علماء الحديث، فإن كنت من أهله وإلا سل عنه أهله.
قال الأوزاعي: كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما نعرض الدرهم الزائف، فما عرفوا منه أخذنا، وما أنكروا تركنا.
قلت:
وكذلك المسائل الفقهية المبنية على دلالات اللغة ومقتضيات الألفاظ يرجع فيها إلى أقوال أهل اللغة وصناعة العربية، وكل ذلك قد حرره أهله وحققوه. فالتوصل إلى الاجتهاد بعد جمع السنن في الكتب المعتمدة - إذا زرق الانسان الحفظ والفهم ومعرفة اللسان - أسهل منه قبل ذلك [لولا قلة همم
[ ١٢٦ ]