وللعلامة أبي القاسم الزمخشري:
وكل فضيلة فيها سناء وجدت العلم من هاتيك أسمى
فلا تعتد غير العلم ذخرا فإن العلم كنز ليس يفنى
فصل
وانضم إلى شرف العلم أن طلبه من أحسن العبادات وأفضلها، والتقرب به إلى الله تعالى من القربات وأكملها.
جاء عن إمامنا أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵀ عليه أنه قال:
ما تقرب إلى الله ﷿ بعد أداء الفريضة بأفضل من طلب العلم.
هذه رواية حرملة بن يحي عنه.
وفي رواية الربيع بن سليمان عنه قال: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة.
وفي رواية أخرى عنه: ليس بعد أداء الفرائض شيء أفضل من طلب العلم
قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله.
[ ٥٣ ]
وروي معنى ذلك عمن تقدم الشافعي من التابعين وأتباهم ﵃.
جا. عن الحسن البصري أنه قال: ما أعلم شيئا أفضل من الجهاد في سبيل الله إلا أن يكون طلب العلم فإنه أفضل من الجهاد في سبيل.
وقال الإمام أبو عبد الله سفيان من سعيد الثوري: لا أعلم شيئا من الاعمال
أفضل من طلب الحديث لمن حسنت نيته فيه.
وروي مثله عن صاحبه عبد الله بن المبارك.
/ وقال الإمام أبو عمرو الاوزاعي: من تعلم بابا من العلم كان أفضل من عبادة
حول يصام نهاره، ويقام ليله.
وقال سليمان التيمي: كنا في مجلس نتذاكر فيه الفقه والسنن ومعنا أبو مجلز،
فقال رجل: لو قرأتم سورة. فقال أبو مجلز: ما نرى أن قراءة سورة أفضل مما نحن فيه.
[ ٥٤ ]
وقال ابن عبد الحكم: كنت عند مالك أقرأ عليه العلم، فدخل وقت الظهر، فجمعت الكتب لأصلي فقال: يا هذا ما الذي قمت إليه بأفضل مما كنت فيه إذا صحت النية.
يعني قيامه لأحراز فضيلة أول الوقت والله أعلم.
وصح عن الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل أنه قال لابنه عبد الله لما قدم أبو زرعة الرازي من الري إلى بغداد: يا يبني قد اعتضت عن نوافلي بمذاكرة هذا الشيخ.
وكل هؤلاء من أئمة الهدى، الذين بهم يقتدى، وجاء مثل ذلك عن الصحابة ﵃ موقوفًا ومرفوعاَ.
قال ابن عباس: مذاكرة العلم ساعة خير من إحياء ليلة.
[ ٥٥ ]
وقال ابن مسعود: لأن أجلس في مجلس فقه ساعة أحب إلي من صيام يوم وقيام ليلة.
وروي مرفوعاَ إلى النبي ﷺ: «فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع».
وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: قال أبو هريرة وأبو ذر: باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوع، وباب نعلمه عملنا به أو لم نعمل أحب إلينا من مائة ركعة تطوعا. وقالا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: إلى إذا جاء طالب العلم وهو على هذه الحال مات وهو شهيد.
[ ٥٦ ]
وعن أبي بكر الهذلي، عن عون بن عبد الله أن رجلا جاء إلى أبي ذر فقال له: يا أبا ذر إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه. قال له: تعلم العلم فإنك إن مت عالما خير لك من أن تموت جاهلا. ثم جاء إلى أبي الدرداء فقال له: يا أبا الدرداء إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه. فقال / له: تعلم العلم فإنك أن توسد العلم خير من أن توسد الجهل. ثم جاء إلى أبي هريرة فقال: [يا أبا هريرة إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه].
فقال له أبو هريرة: تعلم العلم فإنك لن تجد له إضاعة أشد من تركه.
وفي روا ية قال أبو ذر: إنك أن توسد العلم خير من أن توسد الجهل.
وقال أبو الدرداء: إن الناس يبعثون من قبورهم على ما ماتوا عليه، فيبعث العالم عالما والجاهل جاهلا. وقال أبو هريرة ما أنت بواجد شيئا أضيع له من تركه.
[ ٥٧ ]
وفي رواية قال أبو ذر: إن تفترش العلم خير من أن تفترش الجهل. وقال أبو هريرة: كفى بترك العلم إضاعة. قال الحسن البصري: وكان أبو هريرة من أحسن القوم كلامًا.
صدق وبر فإنا مأمورون بالعلم وبالعمل، فلا ينبغي أن يحملنا تقصيرنا في العمل على أن نقصر في تحصيل العلم، فنكون قد خالفنا الأمر فيهما، مع أنه يرجى من بركة العلم النافع أنه يفضى بصاحبه إلى العمل، فقد جاء عن جماعة من أكابر التابعين وأتباعهم في العلم والدين أنهم قالوا: تعلمنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله.
وقال بعضهم: تعلمنا العلم وما لنا فيه كبير نية ثم رزقنا الله النية بعد.
فهذا تفسير قول من قال: «تعلمناه لغير الله فأبى أن يكون إلا لله» أى فحصلت النية.
[ ٥٨ ]
وذكر الغزالي في «كتاب الأحياء» أن بعضهم قال: معناه أن العلم أبى وامتنع علينا فلم تنكشف لنا حقيقته، وإنما حصل لنا حديثه وألفاظه.
والتفسير الأول إذ بعض الروايات فسر بعضا، ووقع هذا القول من جماعة أكابر لا يظن بهم سوى المعنى الأول.
قال سماك بن حرب: طلبنا هذا الأمر ونحن لا نريد الله به، فلما بلغت حاجتي دلني على ما ينفعني، وحجزني عما يضرني.
فهذا معنى ما ذهبوا إليه يرحمهم الله.
/فصل
ثم أفضل العلوم بعد معرفة الله تعالى معرفة أحكامه وتكاليفه التي بعث بها الرسل، وأوضح لها السبل، وهي المعالم الدينية. ثم علم الفقه المستخرج من ذينك الأصلين، الكافل لمن قام به على الوجه المأمور به فضلا بل فضلين، وإلى
[ ٥٩ ]
ذلك الإشارة بقوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «العلم ثلاثة وما سوى ذلك فضل: آية محكمة، وسنة قائمة وفريضة عادلة» أخرجه أبو داود وابن ماجة في سننهما.
وفي الصحيحين من حديث معاوية أبن أبي سفيان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: «الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»
وفي جامع الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:
«خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت، وفقه في الدين».
[ ٦٠ ]
وفي الحديث:
«فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. لكل شيء عماد وعماد الدين الفقه. ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين».
وعن عمر بن علي بن أبي طالب رفعه: «نعم الرجل الفقيه إن احتيج إليه انتفع به، وإن استغنى عنه أغنى نفسه».
وقال علي الأزدي: سألت ابن عباس عن الجهاد؟ فقال: ألا أدلك على ما هو خير لك من الجهاد؟ تبنى مسجدا فتعلم فيه القرآن والفقه في الدين أو قال السنة.
وعن كعب أن الحواريين قالوا لعيسى بن مريم ﵉: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم أمة أحمد، حكماء علماء، أبرار أتقياء، كأنهم
[ ٦١ ]
من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل.
وقال سفيان بن عيينة:/ لم يعط أحد بعد النبوة شيئًا أفضل من العلم والفقه.
والله در القائل:
كل العلوم سوى القرآن مشغلة إلا الحديث والفقه في الدين
ولقد أحسن الآخر في قوله:
غاية العلم بعيد غورها إنما العلم بحور زاخرة
فعليك الفقه منه تحتوي شرف الدنيا والآخرة
فالفقه عميم الفائدة عظيم الجدوى، وإليه المرجع في الأحكام والفتوى،
فليطلب بفضل عناية مصحوبة بالتقوى، فهو ثمرة تلك الأصول المباركة والطريقة
المثلى.
واعلم أن استخراج مسائل الفقه وتحقيقها متوقف على إحكام علم أصول الفقه، وإتقان كل هذه العلوم متوقف على التبحر في معرفة علم اللسان العربي، من وجوهه وطرقه ومجازه ومجازي استعماله؛ ولهذا ضل كثير ممن
[ ٦٢ ]
جهله فزلوا في علم الأصول والفروع أنواعًا من الزلل، وأخطؤوا فيها ضروبًا من الخطأ والخطل. قال أبو عبيد: سمعت الأصمعي يقول: سمعت الخليل بن أحمد يقول سمعت أيوب السختياني يقول: عامة من تزندق بالعراق لجهلهم بالعربية.
وقال الزهري: إنما أخطأ الناس في كثير من تأويل القرآن لجهلهم بلغة العرب.
قلت:
وسبب الخطأ حمل الألفاظ مطلقًا على ظواهرها، وانصراف الأذهان عن مجاري كلام العرب، والغفلة عن كثرة تصرفاته تفننه ومذاهبه التي لا يعقلها إلا العالمون به. وهو لغة صاحب الشريعة المنزل على لغته كلام مرسله، المبلغ ما أنزل إليه من ربه المبين له ﷺ.
وكل علم من هذه العلوم بحر زاخر، لا يحصل على درره إلا كل سابح ٍ غواصٍ ماهرٍ، ولا سبيل إلى الإحاطة بجميعها لفاضل، فليمتثل ما / أشار إليه القائل:
ما حوى العلم جميعا أحد لا ولو مارسه ألف سنه
إنما العلم بعيد غوره فخذوا من كل شيء أحسنه
قيل لبعض الحكماء: من يعرف كل العلم؟ فقال: كل الناس.
يعني كل العلم الذي آتاه الله خلقه لا يعرفه إلا جميعهم، ولا يعرف العلم بأسره مطلقًا إلا خالقهم ﷿.
[ ٦٣ ]