قال عبد الله بن مسعود ﵁: ليس العلم بكثرة الحديث ولكن العلم الخشية.
[ ٨٥ ]
/ وقال مالك بن أنس ﵀: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكنه نور يجعله الله في قلب من يشاء من خلقه.
وفي رواية: العلم الحكمة، ونور يهدي به الله من يشاء، وليس بكثرة المسائل.
وقال الأوزاعي ﵀: كان هذا العلم كريما يتلاقاه الرجال بينهم، فلما كتب ذهب نوره، وصار إلى غير أهله.
[ ٨٦ ]
وقال: إذا أراد الله بقوم شرا فتح عليهم الجدل، ومنعهم العمل.
وقال مسلم بن يسار: إياكم والمراء فائنها ساعة جهل العالم، وعندها يبتغي الشيطان زلته.
وقال مالك بن أنس: ليس هذا الجدال من الدين بشيء.
وقال أيضا: المراء في العلم يقسي القلوب، ويورث الضغائن.
وقال وهب بن منبه: دع المراء الجدال، كيف تمارى وتجادل من هو أعلم منك أو من أنت أعلم منه ولا يطيعك! فاطو ذلك عنه.
قالو: وكان أبو سلمة يماري ابن عباس فحرم منه علما كثيرا.
[ ٨٧ ]
وكان هارون الرشيد مع محبته للفقه والفقهاء، وميله إلي العلم والعلماء، يكره الجدال في الدين والمراء، ويقول: إنه لخليق أن لا يفتح خيرا.
وفي جامع الترمذي عن أبي يمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون﴾. قال هذا حديث حسن صحيح.
جعلنا الله ربنا من القائمين بحقوق العلم العاملين به، المرتفعين في الدنيا والآخرة بسببه، وأوضح لنا به المحجة، ولا جعله علينا حجة، بل كما كان الفقهاء من السلف الصالح أهل نسك وعبادة، وورع وزهادة، أرادو الله بعلمهم، وصانوا العلم / فصانهم، وتدرعوا من الأعمال الصالحة ما زانهم، ولم يشنهم الحرص على الدنيا وخدمة أهلها، بل أقبلوا على طاعة الله تعالى التي خلقوا من أجلها، فاؤلئك الذين عناهم الإمام الشافعي ﵀ بقوله: ما أحد أورع لخالقه من الفقهاء. وفي رواية: إن لم يكن الفقهاء أولياء الله في الآخرة فما الله ولي.
[ ٨٨ ]
قال ابن مسعود: لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسادوا أهل زمانهم، ولكنهم وضعوه عند أهل الدنيا لينالوا من دنياهم فهانوا عليهم.
وروي ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لو أن العلماء أخذوا العلم بحقه لأحبهم الله ﷿ والملائكة والصالحون من عباده، ولهابهم الناس لفضل العلم وشرفه.
وقال وهب بن منبه: إن الفقهاء فيما خلا حملوا العلم فأحسنوا حمله فاحتاجت إليهم الملوك وأهل الدنيا، ورغبوا في عملهن، فلما كان بأخرة فشت علماء فحملوا العلم فلم يحسنوا حمله، فطرحوا عملهم على الملوك وأهل الدنيا فاهتضموهم واحتقروهم.
وقال أيضا: كان العلماء قبلنا قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم، فكانوا لا يلتفتون إلى دنياهم، وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم في علمهم، فأصبح أهل العلم منا اليوم يبذلون لأهل الدنيا علمهم رغبة في دنياهم، وأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم. وأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم
[ ٨٩ ]
اللهم فجنبنا طريقة أقوام لم يقوموا بحق العلم وأرادوا به الدنيا، وأعرضوا عما لهم في الآخرة من الدرجة العليا، فلم يهنؤوا بحلاوته، ولم يمتعوا بنضارته، بل خلقت عندهم ديياجته، ورثت حالته، وعرف مقداره جماعة من السادة فعظموه وبجلوه ووقروه واستغنوا به، ورأوه بعد المعرفة أفضل ما أعطي البشر، واحتقروا في جنبته كل مفتخر، / وتلوا: ﴿فما آتني الله خير مما آتاكم﴾، وكيف لا يكون الأمر كذلك والعلم حياة والجهل موت، فبينهما كما بين الحياة والموت.
ولقد أحسن القائل:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله. . . فأجسامهم قبل القبور قبور
وإن امرءا لم يحي بالعلم ميت. . . وليس له حتى النشور نشور
وعن إسماعيل بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمرو قال: من قرأ القرآن فكأنما استدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه. ومن قرأ القرآن فرأى أن أحدا من الخلق أعطى أفضل مما أعطى فقد حقر ما أعظم الله وعظم ما حقر الله. ليس ينبغي لحامل القرآن أن يجهل فيمن يجهل، ولا يجد فيمن يجد، ولكن يعفو ويصفح لحق القرآن.
[ ٩٠ ]
وللقاضي أبي سعيد الخليل بن أحمد السجزي الحنفي:
رضيت من الدنيا بقوت يقيمني. . . ولا ابتغي من بعده أبدا فضلا
ولست أروم القوت إلا لأنه. . . يعين على علم أرد به الجهلا
فما هذه الدنيا بطيب نعيمها. . . لأصغر ما في العلم من نكتة عدلا
فهذه رحمة الله عرف مقدار العلم؛ فلا جرم زهد في الدنيا، وقنع منها بالقوت، وحصل على رياض العلم ومتنزهاته، ومحاسن أوجه وطيب أوقاته.
وما أجود أبيات القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني من أصحابنا في صيانة العلم وترك التبذل به، وهي قصيدة نفيسة منها:
ولو أن أهل العلم صانهم. . . ولعظموه في النفوس لعظما
ولكن أذالوه فهان ودنسوا. . . محياه بالأطماع حتى تهجما
ولم أقض حق العلم إن كان كلما. . . بدا طمع صيرته لي سلما
وأقبض خطوي عن فضول كثيرة. . . إذا لم أنلها وافر العرض مكرما
/ يقولون هذا منهل قلت قد أرى. . . ولكن نفس الحر تحتمل الظما
وماذا عسى الدنيا وإن جل خطبها. . . ينال بها من صير الصبر مطعما
[ ٩١ ]
وينبغي لمن نظمه الله سبحانه في سلك العلماء أن يعرف قدر نعمته عليه، فقد قربه من درجة النبوة بما أسداه إليه، فلا يحزن لما يفوته من أمر الدنيا، فما آتاه الله خير مما أوتي أهلها، ولا يتبرم بما ينزل به من مصائبها فأن ذلك من علامات قبوله ولحوقه بسلفه، فقد جاء في الحديث: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم العلماء ثم الصالحون».
وفي رواية: «النبيون، ثم الأمثل فالأمثل».
وقال وهب بن منبه: لا يكون الفقيه فقيها حتى يعد البلاء نعمة، والرخاء مصيبة، وذلك أن صاحب البلاء ينتظر الرخاء، وصاحب الرخاء ينتظر البلاء.
[ ٩٢ ]