فالأمر في ذلك ليس بالسهل ولهذا قال سفيان بن عيينة ﵀: «الحديث مضلة إلا للفقهاء»، ويروي: «إلا للعلماء»، يريد من قذف الله تعالى في قلبه نور العلم؛ فقه في دينه، وعرف مخارج الأحاديث، وليس العلم بكثرة الرواية كما قال مالك بن أنس ﵀ وقد تقدم والله أعلم.
فصل:
هذه الفصول التي ذكرناها فصول حسنة كثيرة الفوائد، مجموعة من عدة مصنفات، ينبغي لكل من يعتني بالعلم النظر فيها والاطلاع عليها، وقد رأيت أن أختمها بفصل هو أهمها وأجلها وأعمها نفعا وأولاها ذكرا، وهو ما اعتنى ببيانه الإمام أبو حامد الغزالي ﵀ في أول كتاب "الأحياء" من نصح أهل العلم وبيان العلوم النافعة والتحذير من العلوم الضارة حيث قال:
«أدلة الطريق هم العلماء، الذين هم ورثة الأنبياء، وقد شغر عنهم الزمان، ولم يبق إلا المترسمون وقد استحوذ على أكثرهم الشطان، واستغواهم الطغيان، وأصبح كل واحد بعاجل حظه مشغوفا، فصار يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا، حتى ظل علم الدين مندرسا، ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمسا، ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة يستعين بها القضاة على فصل الخصام عند تهاويش الطغام، أو جدل يتذرع به
[ ١٥١ ]
طالب المباهاة إلى والإفحام / أو سجع مزخرف يتوسل به الواعظ إلى استدراج العوام، إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام، وشبكة للحطام. فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه في كتابه فقها وحكمة وعلما وضياء ونورا وهداية ورشدا فقد أصبح بين الخلق مطويا، وصار نسيا منسيا».
ثم أتى على علم المعاملة وقال:
«هو علم أحوال القلب؛ ما يحمد منها كالصبر والشكر والخوف والرجاء والرضا والزهد والتقوى والقناعة والسخاء وحسن الخلق والصدق والإخلاص، والرضا والزهد والتقوى والقناعة والسخاء وحسن الخلق والصدق والإخلاص، وما يذم كالغل والحقد والحسد والغش والكبر والرياء والبخل والتزين للخلق والمداهنة والخيانة وطول الأمل والقسوة وقلة الحياء وقلة الرحمة، فهذه وأمثالها من صفات القلب مغارس الفواحش، والأخلاق المحمودة منبع الطاعات، والعلم بحدود هذه الأمور وحقائقها وأسبابها وثمرتها وعلاجها هو علم الآخرة، وهو فرض عين في فتوى علماء الآخرة، المعرض عنها هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة، كما أن المعرض عن الأعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى فقهاء الدنيا. فنظر الفقهاء في فروض العين بالإضافة إلى صلاح الدنيا، وهذه بالإضافة إلى صلاح الآخرة. ولو سئل فقيه عن معنى من هذه المعاني حتى عن الإخلاص مثلا أو عن التوكل أو
[ ١٥٢ ]
عن وجه الاحتراز عن الربا لتوقف فيه مع أنه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الآخرة. ولو سألته عن اللعان والظهار والسبق والرمي لسرد عليك مجلدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها، وإن احتيج لم يخل البلد عمن يقوم بها ويكفيه مؤنة التعب فيها».
ثم ساق / الكلام إلى أن قال:
«فلا تغفل عن الصحابة وعلو منصبهم، وأنه لم يكن تقدمهم إلا بعلم الآخرة وسلوك طريقها، وما فضل أبو بكر ﵁ الناس إلا بشيء وقر في صدره كما شهد له سيد البشر.
فليكن حرصك في طلب ذلك الشيء فهو الجوهر النفيس والدر المكنون، فلقد قبض رسول الله ﷺ عن آلاف من الصحابة كلهم علماء بالله ﷿، ولم يكن فيهم أحد يحسن صنعة الكلام، ولم ينصب نفسه للفتوى منهم إلا القليل، وكان ابن عمر منهم وكان إذا سئل عن الفتوى يقول: «اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلد أمور الناس وضعها في عنقه»، إشارة إلى أن الفتوى في
[ ١٥٣ ]
القضايا والأحكام من توابع الولاية والسلطنة. ولما مات عمر ﵁ قال ابن مسعود: مات تسعة أعشار العلم. فقيل له: أتقول ذلك وفينا جلة الصحابة؟ فقال: لست أريد علم الفتوى والأحكام إنما أريد العلم بالله سبحانه.
أفترى أنه أراد صنعة الكلام والجدل، فمالك لا تحرص على معرفة ذلك العلم الذي مات بموت عمر ﵁».
ثم قال:
«وقد كان كل واحد من الفقهاء - الذين هم قادة الخلق وكثرت أتباعهم - عابدا زاهدا عالما بعلوم الآخرة، فقيها في مصالح الخلق في الدنيا، مريدا بفقهه وجه الله تعالى.
فهذه خمس خصال اتبعهم فقهاء الفرق من جملتها على خصلة واحدة وهي التشمير والمبالغة في تفاريع الفقه؛ لأن الخصال الأربع لا تصلح إلا للآخرة، وهذه الخصلة الواحدة تصلح للدنيا والآخرة إن أريد بها الآخرة،
فلصلاحها للدنيا تشمروا لها وادعوا بها مشابهة أولئك الأئمة، وهيهات فلا تقاس الملائكة بالحدادين».
[ ١٥٤ ]
ثم قال:
«وتصرفوا في لفظ الفقه فخصصوه بمعرفة الفروع الغربية في الفتاوى، والوقوف على دقائق عللها / واستكثار الكلام فيها، وحفظ المقالات المتعلقة بها، فمن كان أشد تعمقا فيها وأكثر اشتغالا بها يقال هو الأفقه. ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقا على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب. ويدلك عليه قوله تعالى: ﴿ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾، وما به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق واللعان والسلم والإجارة، فذلك لا يحصل به إنذار وتخويف، بل التجرد له على الدوام يقسي القلب وينزع الخشية منه كما يشاهد من المتجردين له.
وقال النبي ﷺ للذين وفدوا عليه: «علماء حكماء فقهاء».
[ ١٥٥ ]
وسئل سعد بن إبراهيم: أي أهل المدينة أفقه؟ فقال: أتقاهم.
فكأنه أشار إلى ثمرة الفقه، والتقوى ثمرة العلم الباطن دون الفتاوى والأقضية.
وروي موقوفا ومرفوعا: «لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم يقبل على نفسه فيكون لها أشد مقتا، وحتى يرى للقرآن وجوها».
وسأل فرقد السبخي الحسن عن شيء فأجابه فقال: إن الفقهاء يخالفونك. فقال الحسن: ثكلتك أمك فريقد، وهل رأيت فقيها بعينك، إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الورع الكاف نفسه عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لجماعتهم.
قال: «ولفظ العلم كان يطلق على العلم بالله وبآياته، وأفعاله في عباده وبأحكامه وصفاته، وصار الآن مطلقا على من لا يحيط من علوم الشرع
[ ١٥٦ ]
بشيء سوى رسوم جدلية، في مسائل خلافية، فيعد به من فحول العلماء مع جهله بالتفسير والأخبار وعلم المذهب / وغيره، وصار ذلك سببا مهلكا لخلق كثير من الطلبة».
قال: «واسم الحكيم صار يطلق على الطبيب والمنجم حتى على الذي يدحرج القرعة على أكف السوادية في شوارع الطرق. والحكمة هي التي أثنى الله ﷿ عليها فقال: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾.
وقال ﷺ: «كلمة من الحكمة يتعلمها الرجل خير له من الدنيا».
قال: «فانظر ما الذي كانت الحكمة عبارة عنه وإلى ماذا نقل، وقس به بقية الألفاظ».
ثم قال - مرشدا إلى ماذا ينبغي أن يشتغل به من العلوم فقال-:
«ابتدىء بكتاب الله ثم بسنة رسول الله ﷺ، ثم بعلم التفسير وسائر علوم القرآن، وكذا في السنة، ثم اشتغل بالفروع وهو علم المذهب من علم الفقه دون الخلاف، ثم بأصول الفقه، وهكذا إلى بقية العلوم على ما يتسع له العمر، واقتصر من النحو على ما يتعلق بالكتاب والسنة».
[ ١٥٧ ]
ثم قال: «وأما الخلافيات التي أحدثت في هذه الأعصار المتأخرة وأبدع فيها من التحريرات والتصنيفات والمجادلات ما لم يعهد مثلها في السلف، فإياك وأن تحوم حولها، واجتناب السم القاتل فإنه الداء العضال، وهو الذي رد الفقهاء كلهم إلى طلب المنافسة والمباهاة على ما سيأتيك تفضيل غوائلها وآفاتها».
قال: «وهذا الكلام ربما يسمع من قائله فيقال: الناس أعداء ما جهلوا، فلا تظن ذلك، فعلى الخبير سقطت فيه، واقبل هذه النصيحة ممن ضيع العمر فيه زمانا، وزاد فيه على الأولين تصنيفا وتحقيقا وجدلا وبيانا، ثم ألهمه الله سبحانه رشده / وأطلعه على غيه، فهجره واشتغل بنفسه، ولا يغرنك قول من يقول: الفتوى عماد الشرع، ولا تعرف علله إلا بعلم الخلاف فإن علل المذهب مذكورة في المذهب، والزيادة عليها مجادلات لم يعرفها الأولون ولا الصحابة، وكانوا أعلم بعلل الفتاوى من غيرهم، بل هي - مع أنها غير مفيدة في علم المذهب فهي - ضارة مفسدة لذوق الفقه. وقد رئي بعض العلماء في المنام فقيل له: ما خبر تلك العلوم التي كنت تجادل فيها وتناظر عليها؟ فبسط يده ونفخ فيها وقال: طاحت كلها هباء منثورا، ما انتفعت إلا بركعتين خلصتا لي في جوف الليل».
وقد سبق في بعض الفصول المتقدمة أخبار وآثار في ذم الجدل.
ثم قال الغزالي ﵀:
«اعلم أن الخلافة بعد رسول الله ﷺ تولاها الخلفاء الراشدون وكانوا أئمة وعلماء بالله تعالى وفقهاء في أحكامه، ومستقلين بالفتاوى في الأقضية،
[ ١٥٨ ]
فكانوا لا يستعينون بالفقهاء إلا نادرا في وقائع لا يستغني فيها عن المشاورة، فتفرغ العلماء لعلم الآخرة وتجردوا لها، وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلق بأحكام الخلق من الدنيا، وأقبلوا على الله ﷿ بكنه اجتهادهم، كما نقل من سيرهم.
فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى أقوام تولوا بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام، واضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في مجاري أحكامهم، وكان قد بقى من علماء التابعين من هو مستمر على الطراز الأول وملازم صفوا الدين، ومواظب على سمت علماء السلف، فكانوا إذا / طلبوا هربوا وأعرضوا، واضطر الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات، فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء وإقبال الأئمة والولاة عليهم مع إعراضهم عنهم، فاشرأبوا لطلب العلم توصلا إلى نيل الغرور ودرك الجاه من قبل الولاة، فأكبوا على علم الفتاوى وعرضوا أنفسهم على الولاة وتعرفوا إليهم، وطلبوا الولايات والصلات منهم، فمنهم من حرم، ومنهم من أنجح، والمنجح لم يخل من ذل الطلب ومهانة الابتذال، فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن السلاطين أذلة بالإقبال عليهم، إلا من وفقه الله ﷿ في كل عصر من علماء دينه.
وقد كان أكثر الإقبال في تلك الإعصار على علم الفتاوى والأقضية لشدة الحاجة إليها في الولايات والحكومات، ثم ظهر بعدهم من الصدور والأمراء من سمع كلام الناس في الناس في قواعد العقائد، ومالت نفسه سماع الحجج
[ ١٥٩ ]
فيها، فعلم رغبته في المناظرة والمجادلة في الكلام، فأكب الناس على علم الكلام وأكثروا فيه التصانيف، ورتبوا فيه طرق المجادلات، واستخرجوا فنون المناقضات في المقالات، وزعموا أن غرضنا الذب عن دين الله ﷿، والنضال عن السنة وقمع المبتدعة، كما زعم من قبلهم أن غرضهم الاستقلال بفتاوى الدين، وتقلد أحكام المسلمين إشفاقا على خلق الله ونصيحة لهم، ثم ظهر بعد ذلك من الصدور من لم يستصوب الخوض في الكلام وفتح باب المناظرة فيه لما كان قد تولد في فتح بابه من التعصبات الفاحشة، والخصومات الناشئة المفضية إلى إهراق الدماء وتخريب البلاد، ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذهبي الشافعي وأبي حنيفة، فترك الناس الكلام في فنون العلم وانثالوا على المسائل الخلافية، وأكثروا فيها التصاريف والاستنباطات، ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات، وهم مستمرون عليه إلى الآن، وليس ندري ما الذي قدر الله سبحانه فيها بعدنا من الأعصار».
قلت:
ما ازدادوا في ذلك إلا ضلالا، ما زال أهل [فن] الخلاف ينسلون من فقه المذهب انسلالا، حتى أورثهم العميدي بطريقته وبالا، وعلمهم محالا، لو
[ ١٦٠ ]
خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا، ولكن الله تعالى تدارك أمرهم، وأطفأ جمرهم، وأذهب شرهم، فأهلكهم وبددهم، وأفناهم وشردهم، ونرجو من الله تعالى أن يعيد عباده إلى خير ما عودهم.
ثم قال الغزالي ﵀:
«أما الخلاف المحض ومجادلة الكلام ومعرفة التفريعات الغريبة فلا يزيد التجرد لها مع الإعراض عن غيرها إلا قسوة في القلب، وغفلة عن الله سبحانه، وتماديا في الضلال وطلب الجاه، إلا من تداركه الله برحمته، أو مزج به غيره من العلوم الدينية، ولا برهان على هذا كالتجربة والمشاهدة، فانظر واعتبر واستبصر تشاهد تحقيق ذلك في العباد والبلاد.
رئي سفيان الثوري ﵀ حزينا، فقيل له: مالك؟ فقال: صرنا متجرا لأبناء الدنيا، يلزمنا أحدهم حتى إذا تعلم جعل عاملا أو قاضيا أو قهرمانا».
ثم قال الغزالي:
«أما علماء الدنيا فائنهم يتبعون غرائب التفريغ في الحكومات والأقضية، ويتبعون في وضع صور تنقضي الدهور ولا تقع، وإن وقعت / فإنما تقع لغيرهم لا لهم، وإذا وقعت كان في القائمين بها كثرة، ويتركون ما يلازمهم ويتكرر عليهم آناء الليل والنهار في خواطرهم ووساوسهم وأعمالهم، وما أبعد من السعادة من باع مهم نفسه اللازم بمهم غيره النادر، إيثار للقبول والتقرب من الخلق على التقرب من الله ﷿، وشرها في أن يسميه البطالون من أبناء الدنيا فاضلا محققا عالما بالدقائق، وجزاؤه من لا
[ ١٦١ ]
ينتفع في الدنيا بقبول الخلق، بل يتكدر عليه صدره بنوائب الزمان، ثم يرد القيامة مفلسا متحسرا على ما يشاهده من ربح العاملين، وفوز المقربين، وذلك هو الخسران المبين.
ولقد كان الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء، وأقربهم هديا من الصحابة، اتفقت الكلمات في حقه على ذلك، وكان أكثر كلامه في خواطر القلوب، وفساد الأعمال، ووساوس النفوس، والصفات الخفية الغامضة من شهوات النفس. وقيل له يا أبا سعيد إنك تتكلم بكلام ليس يسمع من غيرك فمن أين أخذته؟ فقال من حذيفة بن اليمان».
قلت:
كذا هو في كتاب " الإحياء "، والحسن يصغر عن لقاء حذيفة ﵄، ولعله أراد: أخذته من كلامه ومن طريقته، أي سلكت مسلكه الذي روي لنا عنه والله أعلم.
وقال حذيفة: «معروفكم اليوم منكر زمان قد مضى، وإن منكركم معروف زمان قد أتى، وإنكم لا تزالون بخير ما عرفتم الحق، وكان القائم فيكم غير مستخف به».
قال أبو حامد: «ولقد صدق فأكثر معروفات هذه الأعصار منكرات في عصر الصحابة، إذ من غرر المعروفات في زماننا تزيين المساجد وتجنيدها، وإنفاق الأموال العظيمة في دقائق عماراتها، وفرش البسط الرفيعة فيها، وقد
[ ١٦٢ ]
/ كان يعد فرش البواري في المسجد بدعة، وقيل: إنه من محدثات الحجاج؛ فقد كان الأولون قلما يجعلون بينهم وبين التراب حاجزا. وكذلك الإشتغال بدقائق الجدل والمناظرة من أجل علوم الزمان، ويزعمون أنه أعظم القربات، وقد كان ذلك من المنكرات. ومن ذلك التلحين في الأذان والقرآن، والتعسف في النظافة، والوسوسة في الطهارة، وتقدير الأسباب البعيدة في نجاسة الثياب، مع التساهل في حل الأطعمة وتحريمها، إلى نظائر ذلك.
ولقد صدق ابن مسعود ﵁ حيث قال: «انتم اليوم في زمان الهوى فيه تابع للعلم، وسيأتي عليكم زمان يكون العلم فيه تابعا للهوى».
وكان أحمد يقول: تركوا العلم وأقبلوا على الغرائب، ما أقل الفقه فيهم والله المستعان.
وقال مالك بن أنس: لم يكن الناس فيما مضى يسألون عن هذه الأمور كما يسأل الناس اليوم، ولم يكن العلماء يقولون: حرام ولا حلال، أدركتهم يقولون: مكروه ومستحب.
ومعناه أنهم كانوا ينظرون في دقائق الكراهية والاستحباب، فأما الحرام فكان تجنبه ظاهرا.
وكان هشام بن عروة يقول: لا تسألوهم اليوم عما أحدثوا فإنهم قد أعدوا له جوابا، ولكن سلوهم عن السنة فإنهم لا يعرفونها.
[ ١٦٣ ]
وقال بعض العارفين: إنما انقطع الأبدال في أطراف الأرض واستتروا عن أعين الجمهور لأنهم لا يطيقون النظر إلى علماء الوقت؛ لأنهم عندهم جهال بالله تعالى، وهم عند أنفسهم وعند الجاهلين علماء.
وقال سهل التستري: كل عالم خاض في الدنيا فلا ينبغي أن يصغي إلى قوله؛ لأن كل إنسان يخوض فيما أحب ويدفع ما لا يوافق محبوبه، ولذلك قال تعالى: ﴿ولا تطع من / أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا﴾.
وكتب يوسف بن أسباط إلى حذيفة المرعشي رحمهما الله: ما ظنك بمن بقي لا يجد أحدا يذكر الله تعالى معه إلا كان آثما، وكانت مذاكرته معصية، وذلك أنه لا يجد أهله.
قال أبو حامد: «ولقد صدق فإن مخالطة الناس لا تنفك من غيبة أو سكوت على منكر، وأحسن أحواله أن يفيد علما، ولو تأمل لعلم أن المستفيد إنما يريد أن يجعل ذلك آلة إلى طلب الدنيا، ووسيلة إلى الشر، فيكون هو معينا له وردءًا وظهيرا ومهيئا لأسبابه، كالذي يبيع السيف من قطاع الطريق فالعلم كالسيف وصلاحه للخير كصلاح السيف للغزو».
[ ١٦٤ ]
ثم قال: «فكن أحد رجلين؛ إما متصفا بهذه الصفات - يعني صفات علماء الآخرة - أو معترفا بالتقصير مع الإقرار به، بالتقصير مع الإقرار به، وإياك أن تكون الثالث فتلبس على نفسك بأن تلقب آلة الدنيا بالدين، وسيرة البطالين بسيرة العلماء الراشدين الراسخين، فتلتحق - بجهلك وإنكارك - بزمرة الهالكين الآيسين، نعوذ بالله من خدع الشيطان فبها هلك الجمهور، ونسأل الله أن يجعلنا ممن لا تغره الحياة الدنيا ولا يغره بالله الغرور».
قلت:
ونحن من المقرين بالتقصير المعترفين به، ونسأل الله حسن النية فيما قصدناه، وحسن العاقبة فيما تعبنا فيه ونويناه، وأن يوقفنا لتحصيل العلم النافع ونشره، ويجعلنا دعاة إلى سبيله وأمره، فمتى / حصل حسن النية أمنا كل هذه الآفات، فإن الأعمال كما قال النبي ﷺ بالنيات.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: سمعت محمد بن أحمد الفراء يقول: قيل لحمدون القصار: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟ قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفس، وطلب الدنيا، وقبول الخلق.
ومما غلب على المتفقهة المراء والجدال ومناقشة الناس في الكلام وذلك مذموم منهي عنه، وقد بسط أبو حامد الغزالي ﵀ الكلام فيه كتاب
[ ١٦٥ ]
آفات اللسان وهو الرابع من ربع المهلكات من كتاب "إحياء علوم الدين" وذكره أيضا في كتاب "بداية الهداية" ثم قال:
«ومن خالط متفقهة العصر غلب على طبعه المراء وعسر عليه الصمت، إذ ألقى إليهم علماء السوء أن ذلك هو الفضل، وأن القدرة على المجاحدة والمناقشة هو الذي يتمدح به، ففر منهم فرارك من الأسد، واعلم أن المراء سبب المقت عند الله وعند الخلق».
وذكر في كتاب ذم الغرور آخر ربع المهلكات من كتاب "الإحياء" بيان أصناف المغرورين فقال:
«منهم فرقة أحكمت العلوم الشرعية والعقلية وتعمقوا فيها، وأهملوا تفقه الجوارح وحفظها عن المعاصي وإلزامها الطاعات، واغتروا بعلمهم فظنوا أنهم عند الله بمكان، وأنهم قد بلغوا من العلم مبلغا لا يعذب الله مثلهم، بل يقبل في الخلق شفاعتهم، وأنه لا يطالبهم بذنوبهم وخطاياهم لكرامتهم على الله، وهم مغرورون / فإن العلم لا يراد إلا للعمل، فالمريض إذا عرف الدواء ولم يستعمله لم تنفعه معرفته للدواء شيئا - يعني فيما يرجع إلى شفاه مرضه - قال الله تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ ولم يقل: أفلح من تعلم كيفية تزكيتها وكتب علمها وعلمها الناس».
[ ١٦٦ ]
قال: «فإن أذكره الشيطان ما جاء في فضائل العلم وغره بذلك فليذكر ما ورد في ذم العالم الفاجر.
وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا.
واستفتى الحسن عن مسألة فأجاب فقيل: إن فقهاءنا لا يقولون ذلك. فقال: وهل رأيتم فقيها قط، الفقيه القائم ليله، الصائم نهاره، الزاهد في الدنيا».
وقد تقدم هذا الأثر بعبارة أخرى.
ثم ذكر أبو حامد ﵀ ما يفعلونه في ملابسهم ومجالسهم ومراكبهم من التكبر، وإذا عوتبوا في ذلك قالوا: ما هذا كبر إنما هو عز للدين وإظهار لشرف العلم؛ فإنا لو لبسنا الدون من الثياب وجلسنا في الدون من المجالس شمت بنا أعداء الدين، وكان في ذلك ذل على المسلمين. ونسي المغرور ما كان النبي ﷺ والصحابة عليه من التواضع والتبذل والقناعة بالفقر والمسكنة، حتى عوتب عمر ﵁ في بذاذة زيه عند قدومه الشام، فقال: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام فلا نطلب العز في غيره».
[ ١٦٧ ]
قال: «ويدخل أحدهم إلى السلطان، ويتودد إليه، ويثني عليه، ويتواضع له، وإذا خطر له أن التواضع للسلاطين الظلمة حرام قال له الشيطان: أنت غرضك أن تشفع للمسلمين، وتزيل الضرر عنهم، وتدفع شر أعدائك عن نفسك، والله يعلم من باطنه أنه لو / ظهر لبعض أقرانه قبول عند ذلك السلطان حتى رفع الضرر عن جميع المسلمين ثقل ذلك عليه، ولو قدر على أن يقبح حاله عند السلطان بالطعن فيه والكذب عليه لفعل».
قال: «وقد ينتهي غرور بعضهم إلى أن يأخذ أموالهم، وإذا خطر له أنه حرام قال له الشيطان: هذا مال لا مالك له وهو لمصالح المسلمين، وأنت إمام المسلمين عالمهم وبك قوام دين الله، أفلا يحل لك أن تأخذ قدر حاجتك!».
قال: «والذين أخذ منهم ذلك المال أو أولادهم وورثتهم أحياء، ولعل الذين فسد دينهم بهذا هذا العالم فرغبوا في الدنيا وأعرضوا عن الآخرة، أكثر من الذين زهدوا في الدنيا وأقبلوا على الله بسببه، فهو دجال ويعتقد أن به قوام الدين) (
[ ١٦٨ ]
قال: «وأصناف غرور أهل العلم في هذه الأعصار المتأخرة خارج عن الحصر، وإذا أراد الله خيرا بصره بعيوب نفسه، ومن سرته حسناته وساءته سيئاته فهو مرجو الحال، وأمره أقرب من المغرور المزكي لنفسه الممتن على الله بعلمه وعمله، الظان أنه من خير خلقه. وهذا غرور الذين حصلوا العلوم المهمة لكن قصروا في العمل بالعلم.
فأما غرور الذين قنعوا من العلوم بما لا يهمهم، فمنهم فرقة اقتصروا على
علم الفتاوى والحكومات والخصومات وتفاصيل المعاملات الدنيوية الجارية بين الخلق لمصالح المعايش، وخصصوا اسم الفقه بها وسموها الفقه وعلم المذهب، وربما ضيعوا مع ذلك الأعمال الظاهرة والباطنة، فلم يتفقدوا الجوارح، ولم يحرسوا اللسان عن / الغيبة، والبطن عن الحرام، والرجل عن المشي إلى السلاطين، وكذا سائر الجوارح، ولم يحرسوا قلوبهم عن الكبر والرياء والحسد وسائر المهلكات؛ فهؤلاء مغرورون من حيث العمل والعلم.
أما العمل فقد ذكرنا أن مثالهم مثال المريض إذا تعلم نسخة الدواء واشتغل بتكراره وتعليمه. لا بل مثالهم من به علة البواسير والبرسام وهو مشرف على الهلاك ويحتاج إلى تعلم الدواء واستعماله، فاشتغل بتعلم دواء الاستحاضة، وبتكرار ذلك ليلا ونهارا مع علمه بأنه رجل لا يحيض ولا يستحاض، ولكن يقول: ربما وقع علة الاستحاضة لامرأة وتسألني عنها،
[ ١٦٩ ]
وذلك غاية الغرور، فكذلك المتفقه المسكين قد سلط عليه حب الدنيا واتباع الشهوات والحسد والكبر والرياء، فيلقي الله وهو عليه غضبان. فترك ذلك كله واشتغل بعلم السلم والإجارة والظهارة واللعان والجراحات والديات والدعاوي والبينات وبكتاب الحيض، ولا يحتاج إلى شيء من ذلك قط في عمره لنفسه، وإذا احتاج غيره كان في المفتين كثرة، فيشتغل بذلك ويحرص عليه لما فيه من الجاه والمال والرياسة.
وأما من حيث العلم فحيث اقتصر على علم الفتاوى وظن أنه علم الدين، وترك علم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وترك علم تهذيب الأخلاق، وترك الفقه عن الله بإدراك جلالته وعظمته، وهو العلم الذي يورث الخوف والهيبة والخشوع ويحمل على التقوى، فقد ترك العلوم التي هي / أهم وهو غافل مغرور، وسبب غروره ما سمع في الشرع من تعظيم الفقه، ولم يدر أن ذلك الفقه هو الفقه عن الله ومعرفة صفاته المخوفة والمرجوة التي بها يستشعر القلب الخوف ويلازم التقوى».
وقال في كتاب العزلة وهو السادس من ربع العادات من "كتاب الإحياء":
«أما التعليم ففيه ثواب عظيم مهما صحت نية المتعلم والمعلم، ومهما كان القصد إقامة الجاه والاستكثار بالأصحال والإتباع فهو هلاك الدين.
وحكم العالم في هذا الزمان أن يعتزل إن أراد سلامة دينه فإنه لا يرى
[ ١٧٠ ]
مستفيدا يطلب فائدة لدينه، بل لا طالب إلا لكلام مزخرف يستمال به العوام في معرض الوعظ، أو لجدال معقد يتوصل به إلى إفحام الأقران، ويتقرب به إلى السلطان، ويستعمل في معرض المنافسة والمباهاة.
وأقرب علم مرغوب فيه المذهب ولا يطلب غالبا إلا للتوصل إلى التقدم على الأمثال، وتولى الولايات واجتلاب الأموال، وهؤلاء كلهم يقتضي الدين والحزم الاعتزال عنهم، فإن صدوف طالب الله ومتقرب بالعلم إلى الله فأكبر الكبائر الاعتزال عنه، وكتمان العلم منه، وهذا لا يصادف في بلد كبير أكثر من واحد أو اثنين إن صودف.
ولا ينبغي أن يغتر الانسان بقول سفيان: «تعلمنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا الله»، وأن الفقهاء يتعلمون لغير الله ثم يرجعون إلى الله. وانظر إلى أواخر أعمار الأكثرين منهم، واعتبرهم أنهم ماتوا وهم هلكى على طلب الدنيا ومتكالبين عليها، أو راغبين عنها / وزاهدين فيها، وليس الخبر كالمعاينة.
واعلم أن العلم الذي أشار إليه سفيان هو علم الحديث وتفسير القرآن ومعرفة سير الأنبياء والصحابة فإن فيها التخويف والتحذير، وهي سبب لإثارة الخوف من الله تعالى، فإن لم يؤثر في الحال أثر في المآل. فأما الكلام والفقه المجرد الذي يتعلق بفتاوى المعاملات وفصل الخصومات، المذهب منه والخلاف، فلا يرد الراغب فيه للدنيا إلى الله بل لا يزال متماديا في حرصه إلى آخر عمره، فلا ينبغي أن يخادع الإنسان نفسه، فإن المقصر العالم بتقصيره أسعد حالا من الجاهل المغرور أو المتجاهل المغبون. وكل عالم اشتد حرصه على التعليم يوشك أن يكون غرضه القبول والجاه، وحظه
[ ١٧١ ]
تلذذ النفس في الحال باستشعار الإدلال على الجهال والتكبر عليهم، فآفة العلم الخيلاء كما قاله ﷺ.
ولذلك حكى عن بشر أنه دفن عشرة قماطر من كتب الأحاديث التي سمعها، وكان لا يحدث ويقول: إني أشتهي أن أحدث فلذلك لا أحدث، ولو اشتهيت أن لا أحدث لحدثت، ولذلك قال: "ثنا" باب من الدنيا، وإذا قال الرجل: "ثنا" فإنما يقول: أوسعو لي.
وقالت رابعة العدوية لسفيان الثوري: نعم الرجل أنت لولا رغبتك في الدنيا. قال: وفي ماذا رغبت؟ قالت: في الحديث.
ولذلك قال أبو سليمان الداراني: من تزوج أو كتب الحديث أو اشتغل بالسفر فقد ركن إلى الدنيا.
والحزم الاحتراز بالعزلة وترك الاستكثار من الأصحاب ما أمكن، بل الذي يطلب الدنيا بتدريسه وتعليمه / فالصواب له إن كان عاقلا في هذا الزمان أن يترك ذلك، فلقد صدق أبو سليمان الخطابي حيث قال:
دع الراغبين في صحبتك والتعلم منك فليس لك منهم مال ولا جمال، إخوان العلانية أعداء السر، إذا لقوك تملقوك، وإذا غبت عنهم سبعوك، من أتاك منهم كان عليك رقيبا، وإذا خرج كان عليك خطيبا، أهل نفاق ونميمة، وغل وخديعة، فلا تغتر باجتماعهم عليك فما غرضهم العلم بل الجاه والمال، وأن يتخذوك سلما إلى أوطارهم، وحمارا في حاجاتهم، إن قصرت في غرض
[ ١٧٢ ]
من أغراضهم كانوا أشد أعدائك، ثم يعدون ترددهم إليك دالة عليك، ويرونه حقا واجبا لديك، ويعرضون عليك أن تبذل عرضك وجاهك ودينك لهم، فتعادي عدوهم، وتنصر قريبهم وخادمهم ووليهم، وتنتهض لهم سفيها، وقد كنت فقيها، وتكون لهم تابعا خسيسا، بعد أن كنت متبوعا رئيسا، ولذلك قيل: اعتزال العامة، مروءة تامة.
قال: فهذا معنى كلامه وإن خالف بعض ألفاظه، وهو حق وصدق فإنك ترى المدرسين في رق دائم، وتحت حق لازم، ومنة ثقيلة ممن يتردد إليهم، فكأنه يهدي تحفه إليهم، فيرى حقه واجبا عليهم، وربما لا يختلف إليه ما لم يتكفل برزق له على الإدرار.
ثم إن المدرس المسكين قد يعجز عن القيام بذلك من ماله، فلا يزال يتردد إلى أبواب السلاطين يقاسي الذل والشدائد مقاساة الذليل المهين، حتى يكتب له على بعض وجوه السحت مال حرام، ثم لا يزال العامل يسترقه ويستخدمه ويمتهنه ويستذله إلى أن يسلم إليه ما يقدره نعمة مستأنفة من عنده عليه، ثم يبقى في مقاساة / القسمة على أصحابه، إن سوى بينهم مقته المبرزون، ونسبوه إلى الحمق، وقلة التمييز، والقصور عن درك مصادفات الفضل، والقيام في مقادير الحقوق بالعدل، وإن فاوت بينهم سلقه السفاء بألسنة حداد، وثاروا عليه ثوران الأسود والآساد، فلا يزال في مقاساتهم في الدنيا، وفي مظالم ما يأخذه ويفرقه في العقبى. والعجب أنه مع هذا البلاء كله تمنيه نفسه بالأباطيل، وتدليه بحبل الغرور، وتقول له: لا تفتر عن صنيعك فإنما أنت بما تفعله مريد وجه الله، ومذيع شرع رسول الله ﷺ، وناشر علم دين الله، وقائم بكفاية طلاب العلم من عباد الله، وأموال السلاطين لا مالك
[ ١٧٣ ]
لها وهي مرصدة للمصالح، وأي مصلحة أكبر من تكثير أهل العلم، فبهم يظهر الدين ويتقوى أهله.
قال: ولو لم يكن ضحكة للشيطان لعلم بأدنى تأمل أن فساد الزمان لا سبب له إلا كثرة أمثال أولئك الفقهاء الذين يأكلون ما يجدون، ولا يميزون بين الحلال والحرام، تلحظهم أعين الجهال فيستجرؤون على المعاصي باستجرائهم، اقتداء بهم واقتفاء لآثارهم، ولذلك قيل: ما فسدت الرعية إلا بفساد الملوك، وما فسد الملوك إلا بفساد العلماء. فنعوذ بالله من الغرور والعمى فإنه الداء الذي ليس له دواء».
وقال في كتاب ذم الغرور أيضا: «فالعلم المهم هو معرفة سلوك الطريق، وقطع عقبات القلب التي هي الصفات المذمومة، فهي الحجاب بين العبد وبين الله، وإذا مات ملوثا بتلك الصفات كان محجوبا عن الله.
ومثال المقتصر على علم الفقه مثال من اقتصر من سلوك طريق الحج على علم خرز الرواية والخف، ولا شك في أنه لو لم يكن لتعطل الحج، ولكن المقتصر عليه / ليس من الحاج في شيء».
قال: ومن هؤلاء من اقتصر من علم الفقه على الخلافيات، ولم يهمه إلا تعلم طرق المجادلة والإلزام، وإفحام الخصوم، ودفع الحق؛ لأجل الغلبة
[ ١٧٤ ]
والمباهاة، فهو طول الليل والنهار في التفتيش عن مناقضات أرباب المذاهب، والتفقد لعيوب الأقران، والتلقف لأنواع الأسباب المؤذية.
وهؤلا هم سباع الإنس، طبعهم الإيذاء، وهمهم السفه. فنعوذ بالله من الغفلة والاغترار، ونسأله سلوك طريق الأبرار، ومجانبة الأشرار الفجار».
قلت:
فلينتبه المشتغل بالعلم، وليتدبر ما ذكر في هذا الفصل من الفضل، والله يوفقنا وإياه ويرضاه.
وقد رايت أن أختمه بشيء من عبارات أهل المعرفة والتقوى، العاملين بالعلم الذي يورث الخوف والهيبة والخشوع والزهد في الدنيا.
روينا عن عبد الله بن خبيق الأنطاكي - وهو أحد السادة العباد - قال: سألت يوسف بن أسباط: هل مع حذيفة المرعشي علم؟ فقال: معه العلم الأكبر خوف الله ﷿.
[ ١٧٥ ]
ذكر في مجلس أحمد بن حنبل معروف الكرخي ﵀ عليهما فقال بعض من حضر: هو قليل العلم. فقال أحمد: أمسك - عافاك الله - وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: ذهب أبي ويحيى بن معين إلى معروف، فقال يحيى بن معين: أيش المعنى في سجدتي السهو ولم جعلتا في الصلاة؟ فقال معروف مسرعا: عقوبة للقلب - عافاك الله - إذ سها، ولم سها عن الله ﷿ وهو بين يدي الله ﷿؟ قال: فقال له أبي: يا أبا زكريا، هذا من علمك، هذا من كتبك أو من كتب أصحابك.
/ وعن جعفر بن محمد الخواص قال: سئل جنيد بن محمد عن فرض الصلاة، فدل السائل إلى مجالس الفقهاء فلما مضى الرجل قال لأصحابه: تدرون ما فرض الصلاة؟ قطع العلائق، وجمع الهم، والحضور بين يدي الله ﷿. قيل له: كيف تدخل في الصلاة؟ قال: بإلقاء سمع، وشهود قلب، وحضور عقل، وجمع هم، وصحة تيقظ، وحسن إقال، وتدبر في ترتيل.
وعن زيد بن يحيى الذارع قال: كنا عند مالك بن دينار فمر به خليفة البحراني، فسلم على مالك. فقال له عظنا يا أبا عبد الله. قال: بم أعظم يا أبا يحيى؟ إنك - والله - إن عرفت الله حق معرفته أغناك ذلك عن كل كلام وموعظة. يا أبا يحيى إن المؤمنين لم يعبدوا إلههم عن رؤية وإنما عبدوه عن دلالة. إنهم - والله - لما نظروا إلى اختلاف الليل والنهار، ودوران هذا الفلك،
[ ١٧٦ ]
وارتفاع هذا السقف المرفوع بغير عمد، ومجاري هذه الأنهار والبحار، علموا - والله - أن لذلك صانعا مدبرا، لا يعزب عنه مثقال ذرة من خلقه في السماوات ولا في الأرض، فعبدوه - والله - بدلالته على نفسه عبادة أنضت الأبدان، وأحالت الألوان، حتى كأنما عبدوه عن رؤية، فهم في الدنيا حية قلوبهم، ميتة جوارحهم، إلا عند الذكر والمناجاة والنهوض إلى طاعة الله.
قال: فبكى مالك يومئذ بكاء شديدا، ثم قام عشية إذ ولم يتكلم.
قال أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي الحافظ:
دخلت دمشق على كتبة الحديث، فمررت بحلقة قاسم الجوعي، فرأيت نفرا جلوسا حوله وهو يتكلم عليهم / فهالني منظرهم، فتقدمت إليهم فسمعته يقول:
اغتنموا من أهل زمانكم خمسا: إن حضرتم لم تعرفوا، وإن غبتم لم تفقدوا، وإن شهدتم لم تشاوروا، وإن قلتم شيئا لم يقبل قولكم، وإن عملتم شيئا لم تعطوا به. وأوصيكم بخمس أيضا: إن ظلمتم لم تظلموا، وأن مدحتم لم تفرحوا، وإن ذممتم لم تجزعرا، وإن كذبتم فلا تغضبوا، وإن خانوكم فلا تخونوا. قال: فجعلت هذا فأئدتي من دمشق.
قلت: فهذا وأمثاله هو ثمرة علم العلماء الذين يريدون الله بطلب العلم النافع، جعلنا الله منهم بفضله، ووفقنا لأن نكون من أهله.
[ ١٧٧ ]
آخر الخطبة الكبرى المقدمة بين يدي كتاب: "العلم الجامع بين الفقه والأثر"، [و] الحمد لله رب العالمين، وصلواته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه خير البشر.
فرغه كاتبه لنفسه على بن أيوب بن منصور المقدسي عفا الله عنه، في أواخر ذي القعدة سنة ثمان وسبعمائة، بالمدرسة الباذرائية من دمشق صانها الله وأهلها وسائر بلاد المسلمين.
وقابلها وعارضها بالأصل المنقول منه المعارض بأصل المصنف المسموع عليه وعليه ﵀، فصح حسب الطاقة، نفعنا الله به والمسلمين.
[ ١٧٨ ]