فصل
كان العلماء من قدماء أصحابنا يعتنون بـ: " مختصر المزني " ﵀ حفظا وشرحا، وبسببه سهل تحصيل مذهب الشافعي ﵀ على طلابه في ذلك الزمان، وسمعه من المزني خلق عظيم من الغرباء، ورحل إليه بسببه، وامتلأت بنسخه البلدان حتى إنه بلغني أن المرأة كانت إذا جهزت للدخول على زوجها حمل في جهازها مصحف ونسخة من " مختصر المزني "، فاشتهروا اشتهارا عظيما، وانتفع به أئمة أكابر، وتخرج به المشايخ، وتفقه به معظم الأصحاب.
ويروى عن المزني ﵀ أنه قال: بقيت في تصنيف هذا " المختصر " ست عشرة سنة، وما صليت الله تعالى في طول هذه المدة فريضة ولا نافلة إلا سألت الله ﷿ البركة لمن تعلمه ونظر في وجاء عن أبي العباس بن سريج رحمه الله تعالى أنه كان يقول في " المختصر ":
لصيق فؤادي مذ ثلاثون حجة. . . وصيقل ذهني والمفرج عن همي
عزيز على مثلي إضاعة مثله. . . لما فيه من نسج بديع ومن نظم
جموع لأنواع العلوم بأسرها. . . وآيته أن لا يفارقه كمي
[ ١٣٧ ]
وعلى ترتيبه وضعت الكتب المطولة في مذهب الشافعي ومعظم المختصرة. ثم صنف أبو العباس بن القاص مختصره المسمى ب:"التلخيص"، فاعتنى به أيضا حفظا وشرحا. وطالت كتب أصحابنا الكبار الشارحة ل: "مختصر المزني" يجمعهم مسائل المذهب المنتشرة إلى ترتيبه، وكذلك يذكرون مذاهب العلماء والكلام عليها بالبحث والتقرير، ويستدلون للجميع بالآيات والأخبار والمعاني، ويلتزمون في كل مسألة منها تقرير مذهبهم، إلا مواضع قليلة نادرة ربما يتوقف فيها بعضهم أو ينبه عليها، وسينقل ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى.
ولا شك أن النظر في بعض المسائل يؤدي إلى تصحيح مذهب بعض الأئمة أو إلى ترجيحه، فمن الإنصاف الاعتراف بل هو الواجب نصحا لدين الله وللناس فإن الدين النصيحة.
واعلم أنه لا يفقه كل الفقه من لا يعرف اختلاف الناس ومذاهبهم، ويقف على أدلتهم وما تمسكوا به.
قال أبو قدامة: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: لا يجوز أن يكون / الرجل إماما حتى يعلم ما يصح مما لا يصح، وحتى لا يحتج بكل شيء، وحتى يعلم مخارج العلم.
وقال قتادة: من لم يعرف الاختلاف لم يشم الفقه بأنفه.
[ ١٣٨ ]
وقال عطاء الخراساني: لا ينبغي لأحد أن يفتي أحدا من الناس حتى يكون عالما باختلاف الناس، فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه.
وسئل مالك بن أنس: لمن تجوز الفتيا؟ فقال: لمن علم ما اختلف الناس فيه.
وقال سعيد بن أبي عروبة: من لم يسمع الاختلاف فلا تعده عالما.
وقال يحيى بن سلام: ولا يجوز لمن لا يعلم الأقاويل أن يقول: هذا أحب إلى.
وقال الحافظ البيهقي:
«وقد قابلت بتوفيق الله تعالى أقوال كل واحد من الأئمة بملغ علمي من كتاب الله ﷿، ثم ما جمعت من السنن والآثار في الفرائض والنوافل والحلال والحرام والحدود والأحكام، فوجدت الشافعي ﵀ وذلك فيما صنف من الكتب القديمة والجديدة في الأصول والفروع، بأبين بيان، وأفصح لسان».
[ ١٣٩ ]
قلت:
ثم اشتهر في آخر الزمان على مذهب الشافعي تصانيف الشيخين أبي إسحاق الشيرازي - وهو إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزاباذي - وأبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي رحمهما الله، فأكب الناس على الاشتغال بكتبهما، وكثرت النسخ بها، واشتهرت اشتهارا عظيما، وانتفع بها نفعا كثيرا، وكثر المتعصبون لهما حتى صار المتبحر المرتفع عند نفسه يرى أن نصوصهما كنصوص الكتاب والسنة لا يرى الخروج عنها، وإن أخبر بنصوص غيرهما / من أئمة مذهبه [الواردة] بخلاف ذلك لم يلتفت إليها التفاته إلى نصوصهما؛ تعصبا وحمية وقلة خبرة بالمصنفات ومصنفيها، وإنما هم على قدر مبلغهم من العلم. وقد يقع في بعض مصنفاتهما أو مصنفات أحدهما شيء قد خالف [المصنف] فيه صريح حديث صحيح، أو ساق حديثا على خلاف لفظه، أو نقل إجماعا أو حكما عن مذهب بعض الأئمة وليس كذلك، فإذا ذكر لذلك المتعصب الصواب في مثل ذلك تأذى وتنمر، وصاح وزمجر، وأخفى العداوة وأظهر، وكان سبيله أن يفرح بوصوله إلى علم ما لم يكن يعرفه، ولكن عمى التقليد أصمه عن سماع العلم المفيد. ويقول المتحذلق منهم المتصدر في منصب لا يستحقه: أما كان هؤلاء الأئمة يعرفون هذا الحديث الصحيح الوارد على خلاف نصهم، فيرد حديث رسول الله ﷺ ونصه الدال
[ ١٤٠ ]
على خلاف ما هو عليه بمثل هذا الهذيان الذي لو فكر فيه أسكته عنه؛ لأن خصمه في مثل هذا هو الله ورسوله؛ لأنه سبحانه افترض علينا طاعة رسوله، وقد وصلنا حديثه دالا على أمر فلا نرده بقول أحد إلا بحجة شرعية.
ثم إن في ذلك إبطالا لمذهبه وهدما لأصله الذي مهده إمامه وأسسه وبنى عليه، وذلك أن الشافعي ﵀ إنما تعقب على من كان قبله من الأئمة بمثل ذلك من دلالات الكتاب والسنة مما ظنه خفي على من سبقه، وكان من الممكن أن يقال له: أما كان أولئك يعرفون هذا، وأولئك المتقدمون أولى بذلك من هؤلاء المتأخرين، فلو سمع مثل هذا الهذيان لبطلت المذاهب.
فهذه طريقة من لا يعد من العلماء، بل ينبغي لكل من يطلب العلم أن يكون أبدا في طلب ازدياد علم ما / لم يعلم من أي شخص كان، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها. وعليه بالإنصاف وترك التقليد واتباع الدليل، فكل أحد يخطئ ويصيب إلا من شهدت له الشريعة بالعصمة وهو النبي ﷺ وإجماع الأمة.
قال الشافعي ﵀ في كتاب " اختلاف الحديث": أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب نهى عن الطيب قبل زيارة البيت وبعد الجمرة. قال سالم: فقالت عائشة:
[ ١٤١ ]
طيبت رسول الله بيدي هاتين لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت، وسنة رسول الله ﷺ أحق.
قال الشافعي: «فترك سالم قول جده عمر في إمامته وقبل خبر عائشة وحدها، وأعلم من حدثه أن خبرها وحدها سنة وأن سنة رسول الله ﷺ أحق، وذلك الذي يجب عليه، ومنع ذلك الذين بعد التابعين».
قلت:
وما زال أكابر الصحابة من [عهد الصديق] أبي بكر فمن بعده ﵃ يخفى عنهم شيء من السنة كميراث الجدة، وتوريث المرأة من دية زوجها، ووضع اليدين على الركبتين في الصلاة، خفي الأول على أبي بكر، والثاني على عمر، والثالث على ابن مسعود، حتى نبههم على ذلك غيرهم، ولذلك أمثلة كثيرة تأتي في مواضعها عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين. ويستسهل ذلك من يسمعه من هؤلاء المتفقهة ولا ينكره قلبه.،وإذا نسب إلى بعض المتأخرين أنه خفي عليه شيء من السنة أنف ذلك المقلد المتعصب المتصعب من هذا وأنكر، وخوف وحذر، وهو غارق في غيه المنكر، لو سمع وأبصر.
[ ١٤٢ ]
ومن العجب أن كثيرا منهم إذا أورد على مذهبهم أثر عن بعض أكابر الصحابة يقول مبادرا بلا حياء ولا حشمة: "مذهب الشافعي الجديد أن قول الصحابي ليس بحجة"، وإنما طريقه في هذا / تأويله وتخريجه والاعتذار عنه بدون هذه العبارة الردية التي يروم أن يرد بها قول مثل أبي بكر وعمر ﵄ لتصحيح مذهبه، والنبي ﷺ يقول: «إن تطيعوا أبا بكر وعمر ترشدوا»، واقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر»، وسيأتي الكلام في تحقيق هذه المسألة، ونقل مذهب الشافعي وغيره فيها، وبيان أن الأمر ليس على ما فهموه، أو ظنوه وتوهموه.
وإذا أورد لهذا المعجب بمذهبه، القليل الحياء في عبارته، حديث صحيح على خلاف ما سطره له الشيخان أبو إسحاق والغزالي أو أحدهما لا يرى الانقياد له، ومذهب الشافعي ﵀ اتباع الحديث وترك قوله المخالف له كما سبق.
فيرى رد قول الصحابي بقول إمامه كما زعم، ولا يرى رد قول من صنف على مذهبه من المتأخرين بقول النبي ﷺ. مع أن الشافعي ﵁ أذن في هذا وأمر بأن يترك نصه هو في نفسه، فما الظن بنص بعض متأخري مقلديه.
[ ١٤٣ ]
ومما يتعجب منه أيضا من هؤلاء أنهم يرون مصنفات الشيخ أبي إسحاق وغيره مشحونة بتخطئة المزني وغيره من الأكابر فيما خالفوا فيه مذهبهم، فلا تراهم ينكرون شيئا من هذا، فإن اتفق أنهم يسمعون أحدا يقول: "أخطأ الشيخ أبو إسحاق في كذا بدليل كذا وكذا" انزعجوا وغضبوا وأنكروا ورأوا أنه قد ارتكب كبيرا من الإثم، فإن كان الأمر كما ذكروا فالذي ارتكبه أبو إسحاق أعظم، فما لهم لا ينكرون ذلك ولا يغضبون منه، لولا قلة معرفتهم وكثرة جهلهم بمراتب السلف ﵃.
وما أحسن أبيات منذر بن سعيد البلوطي أحد شيوخ المغرب في العلم والدين قال رحمه الله تعالى:
/ عذيري من قوم يقولون كلما. . . طلبت دليلا هكذا قال مالك
وقد قاله ابن القاسم الثقة الذي. . . على قصد منهاج القضاء هو سالك
فإن عدت قالوا هكذا قال أشهب. . . وقد كان لا تخفى عليه المسالك
فإن زدت قالوا قال سحنون مثله. . . ومن لم يقل ما قاله فهو آفك
فإن قلت قال الله ضجوا وأكثروا. . . وقالوا جميعا أنت قرن مماحك
وإن قلت قد قال الرسول فقولهم. . . أتت مالكا في ترك ذاك المآلك
[ ١٤٤ ]
وقال أبو عمر بن عبد البر ﵀:
يا سائلي عن موضع التقليد خذ. . . عني الجواب بفهم لب حاضر
وأصخ إلى قولي ودن بنصيحتي. . . واحفظ على بوادري ونوادر
لا فرق بين مقلد وبهيمة. . . تنقاد بين جنادل ودعاثر
تبا لقاض أو لمفت لا يرى. . . عللا ومعنى للمقال السائر
فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة الـ. . . ـمبعوث بالدين الحنيف الطاهر
ثم الصحابة عند عدمك سنة. . . فأولاء أهل نهي وأهل بصائر
وكذلك إجماع الذين يلونهم. . . من تابعيهم كابرا عن كابر
إجماع أمتنا وقول نبينا. . . مثل النصوص لدى الكتاب الزاهر
وكذا المدينة حجة إن أجمعوا. . . متتابعين أوائلا بأواخر
وإذا الخلاف أتى فدونك فاجتهد. . . ومع الدليل فمل بفهم وافر
وعلى الأصول فقس فروعك لا تقس. . . فرعا بفرع كالجهول الحائر
والشر ما فيه فديتك أسوة. . . فانظر ولا تحفل بزلة ماهر
[ ١٤٥ ]