/ ومما لا يعجبني من تصرفات كثير من المصنفين أنهم يذكرون مذهبهم في مسألة ثم يقولون: "وقال فلان كذا" أي بخلاف ذلك، ويذكرون واحدا من أكابر الصحابة كما في "الوسيط" من ذكر عمر ﵁ في مسألة نقض القضاء في امرأة المفقود، ومن ذكر علي ﵁ في منع قتل الذكر بالأنثى، وفي فصل ما يحصل به العتق في باب الكتابة، ومن ذكر ابن مسعود ﵁ في باب القدوة في صلاة الجماعة، وإنما الواجب أن تقابل المذاهب بعضها ببعض وأقوال الصحابة بعضها ببعض، من غير إزراء بشيء منها، ويرجح الراجح منها بطريقة فيقال: مذهب أبي بكر كذا ومذهب ابن مسعود كذا، أو يقال: مذهب الشافعي كذا وهو قول زيد بن ثابت، وقال ابن مسعود كذا، فمثل تلك العبارات وما شاكلها نرجو من الله أن نتجنبها في هذا الكتاب، ونسأله سبحانه أن يوفقنا للصواب.
فصل:
قد تقدم أن الشافعي ﵀ بني مذهبه بناء محكما وذلك أنه كان اعتماده على كتاب الله، وسنة رسول الله، والنظر الصحيح من الاجتهاد الراجح إلى الكتاب والسنة، وترجيح أشبه المذاهب بالكتاب والسنة، وهذا هو
[ ١٤٦ ]
الأس الصحيح القوي الذي يتم البناء عليه، إلا أنه ﵀ قد يعرض له ما يعرض لغيره من البشر ممن ليس بمعصوم من الغفلة والنسيان، فأحالنا بصريح قوله على أن ما صح من أقوال النبي ﷺ فهو مذهبه، فلم يترك ﵀ لعائب عيبا، ولا لمنتقد من حساده انتقادا، وإنما بقي نظر المقتدين به السالكين مسلكه المتمسكين بمذهبه في البحث في السنن والآثار التي جمعها الأئمة الكبار وتيسرت، فينظر فيما كان فيها مخالفا لما نص عليه فيفعل فيه ما أمر به. وقد بحثت - والحمد لله - عن معرفة أحكام الله تعالى / وما خاطبنا به في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه محمد ﷺ، واستخرجت ذلك من معادنه وهي كتب الحديث المعتمد عليها عند أربابها، ورددت ما اختلفت فيه العلماء إلى ذلك بمبلغ جهدي وطاقتي عملا بقوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾، فظهر لي ما ستراه في هذا الكتاب مختارا، وجميع ذلك إن شاء الله هو مذهب الشافعي.
من ذلك:
- ما هو منصوص له وقد صحح الأصحاب خلافه لأجل نص له آخر كصوم الولي عن الميت.
- أو يكون النص لا خلاف عنه لكنه على مخالفة حديث ثابت كاختياره قول المأموم: "سمع الله لمن حمده" في الرفع من الركوع كالإمام.
[ ١٤٧ ]
- أو يكون قد علق قوله على ثبوت حديث فوجد ثابتا كإخراج الأقط في زكاة الفطر.
- أو دل عليه حديث آخر ثابت.
- أو يكون الشافعي قد تمسك بحديث وفي الباب حديث أثبت منه قد دل على خلاف ذلك، كحديث عمار في التيمم ضربة واحدة مسح بها وجهه وكفيه.
- أو يكون الحديث قد دل على حكم في مسألة لم يعلم فيها نص للشافعي بنفي ولا إثبات، كرفع اليدين عند القيام من التشهد الأول.
-أو يكون الشافعي قد تمسك بظاهر آية أو حديث وقد دل الدليل على أن ذلك ليس على ظاهره، كإلزام كل من يخرج زكاة ماله بنفسه أن يصرفها إلى الأصناف الثمانية أو من قدر عليه منهم حتى في زكاة الفطر.
وكنقص الطهارة بمس الفرج وإن كان الاحتياط فعل ما قاله الشافعي ﵀ في هذا، لكن هذا الاحتياط يكون مندوبا لا واجبا.
فمذهب الشافعي في هذا كله أو أكثره الرجوع إلى ما ثبت في السنة.
فأما ما طريقة البحث والنظر فللاجتهاد فيه مجال فقد يظهر له ما لم يظهر لغيره، فلا نقوله ما لم يقل كما في مسألة الأصناف ومس الفرج، لكن ننبه على الدليل المقتضي خلاف ذلك ويرجح به مذهب غيره إن لم يمكن إدراج ذلك فيما أمر به من مخالفة قوله لدلالة السنة / الصحيحة لأن هذا في معناه والله أعلم.
[ ١٤٨ ]
فنقول: ما صح من حديثه ﷺ ودل على حكم لا للشافعي على خلافه فهو مذهبه لا شك فيه؛ أخذا من قوله ومما أمر به، وأما ما له نص على خلافه فهو على قسمين:
أحدهما: أن يكون الحديث لم يبلغه فهذا كالقسم الأول يترك نصه ويصار إلى الحديث وهو مذهبه كما أمر، وذلك إذا وضحت دلالة الحديث على ذلك الحكم، أما إذا خفيت وأمكن الجميع بين الحديث والنص وأمكن تنزيل الحديث عليه فلا.
القسم الثاني: أن يكون الحديث قد بلغ الشافعي ووقف عليه وعرف ثبوته وأوله وتكلم عليه، فينظر في كلامه فإن كان ظاهرا متوجها لا دفع له لم يخالف، وحمل الحديث على ما حمله هو عليه، وذلك كاختيار الجهر بعض الروايات على نفي الجهر بما ذكرناه في كتاب مفرد لذلك.
ومن ذلك أيضا إفطار الصائم بالحجامة فإنة ﵀ لم ير ذلك وتكلم على حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» بأنه منسوخ فيما سيأتي في موضعه.
[ ١٤٩ ]
وإن كان لكلامه مدفع صير إلى الحديث لأن ذلك يتناوله قوله: «ودعوا ما قلت»، وذلك كما سنذكره في التيمم إلى المرفقين ونحوه. فإذا وضحت الحجة، لم يبق إلا سلوك تلك المحجة.
ولا ينبغي أن يفعل هذا إلا في حديث لم يعلم أن الشافعي تكلم عليه بكلام شاف بعد البحث التام عن ذلك، ثم ليبحث عن ذلك الحديث هل له معارض أو ناسخ أو مانع من العمل به، ولا يتأتى ذلك إلا من عالم بعلوم الاجتهاد فذلك هو الذي خاطبه الشافعي ﵀ بقوله: «إذا وجدتم حديث رسول الله ﷺ على خلاف قولي فخذوا به ودعوا ما قلت» وليس هذا لكل أحد فكم في السنة من أحاديث كثيرة صحيحة والعمل / والفتوى على خلاف ظاهرها إما إجماعا وإما اختيارا لمانع منع من ذلك مما ذكرناه من المعارض والناسخ أو غير ذلك، نحو: «كان الثلاث واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر»، «صليت مع رسول الله بالمدينة سبعا جمعيا وثمانيا جمعيا في غير خوف ولا مطر»، «غسل الجمعة واجب على كل محتلم»، وسيأتي الكلام على كل ذلك إن شاء الله في مواضعه.
[ ١٥٠ ]