المتأخرين، وبعدهم عن المتبحرين]. ومن أكبر أسبابه / تعصبهم وتقيدهم برفق الوقوف، وجهل أكثر المصدرين منهم على ما هو المعروف، الذي هو منكر مألوف.
فصل:
فإذا ظهر هذا وتقرر تبين أن التعصب لمذهب الإمام المقلد ليس هو باتباع أقواله كلها كيفما كانت، بل بالجمع بينهما وبين ما ثبت من الأخبار والآثار، ويكون الخبر هو المتبع، ويؤول كلام ذلك الإمام تنزيلا له الخبر. والأمر عند المقلدين أو أكثرهم بخلاف هذا إنما هم يؤولون الخبر تنزيلا له على نص إمامهم. ثم الشافعين كانوا أولى بما ذكرناه لنص إمامهم ﵁ على ترك قوله إذا ظفر بحديث ثابت عن رسول الله ﷺ على خلافه، فالتعصب له على الحقيقة إنما هو امتثال أمره في ذلك، وسلوك طريقته في قبول الأخبار، والبحث عنها والتفقه فيها، وقد نقلت - والحمد لله - ما روي عنه من وصيته بذلك في ترجمته في "تاريخ دمشق".
قال الربيع: قال الشافعي: قد أعطيتك جملة تغنيك إن شاء الله: لا تدع لرسول الله صلى الله حديثا أبدا إلا أن يأتي عن رسول الله ﷺ خلافه، فتعمل بما قلت لك في الأحاديث إذا اختلفت.
[ ١٢٧ ]
وسيأتي ذلك في مقدمة الأصول إن شاء الله تعالى.
وفي رواية: إذا وجدتم عن رسول الله ﷺ سنة خلاف قولي فخذوا السنة ودعوا قولي فإني أقول بها.
وفي رواية: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ودعوا ما ما قلت.
وفي رواية: كل مسألة تكلمت فيها صح الخبر فيها عن النبي ﷺ عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي.
قال: وسمعت الشافعي يقول - وروي حديثا - فقال له رجل: تأخذ بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال: متى رويت عن رسول الله صلى الله حديثا صحيحا فلم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذه، وأشار بيده على رؤوسهم.
[ ١٢٨ ]
وقال حرملة: قال الشافعي: كل ما قلت / وكان عن النبي ﷺ خلاف قولي مما يصح فحديث النبي ﷺ أولى ولا تقلدوني.
وفي " كتاب ابن أبي حاتم" عن أبي ثور قال: سمعت الشافعي يقول: كل حديث عن النبي ﷺ فهو قولي وإن لم تسمعوه مني.
وفيه عن الحسين - هو الكرابيسي- قال: قال الشافعي: إن أصبتم الحجة في الطريق مطروحة فاحكوها عني فإني قائل بها.
وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله ﷺ وتعزب عنه، فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله خلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله ﷺ، وهو قولي. قال: وجعل يردد هذا الكلام.
[ ١٢٩ ]
قال: وقال الشافعي: من تبع سنة رسول الله ﷺ وافقته، ومن غلظ فتركها خالفته، صاحبي اللازم الذي لا أفارقه الثابت عن رسول الله ﷺ وإن بعد، والذي أفارق من لم يقل بسنة رسول الله ﷺ وإن قرب.
وقال الزعفراني: كنا ولو قيل لنا: سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله يعني عن النبي ﷺ، قلنا: هذا مأخوذ وهذا غير مأخوذ،
حتى قدم علينا الشافعي فقال لنا: ما هذا؟ إذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ فهو مأخوذ به لا يترك لقول غيره. [قال]: فنبهنا لشيء لم نعرفه - يعني نبهنا على هذا المعنى-.
وقال أبو بكر الأثرم: كنا عند البويطي فذكرت حديث عمار في التميم،
فأخذ السكين وحته من كتابه، وصيره ضربة. وقال: هكذا أوصانا صاحبنا: إذا صح عندكم الخبر فهو قولي أو كما قال هذا معناه.
قلت:
هذا من البويطي فعل حسن موافق للسنة ولما أمر به إمامه ﵀،
وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه في باب التيمم إن شاء الله تعالى.
وأما الذين يظهرون التعصب لأقوال الشافعي / كيفما كانت وإن جاءت سنة بخلافها فليسو متعصبين في الحقيقة؛ لأنهم لم يمتثلوا ما أمر به إمامهم، بل دأبهم وديدنهم إذا أورد عليهم حديث صحيح - هو مذهب إمامهم، لو وقف
[ ١٣٠ ]
عليه لقال به - أن يحتالوا في دفعه بما لا ينفعهم، لما نقل عن إمامهم من قول قد أمر بتركه عند وجدان ما يخالفه من السنة، هذا مع كونهم عاصين بذلك لمخالفتهم ظاهر كتاب الله وسنة رسوله على ما سنبنيه إن شاء الله تعالى في فصل كيفية اتباع الكتاب والسنة من كلام الشافعي ﵀ وغيره في مقدمة الأصول السابق ذكرها.
وروي الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدي وغيرهم عن ابن عيينة.
قال الشافعي: أنا سفيان بن عيينة، أبنا سالم أبو النضر، أنه سمع عبيد الله ابن أبي رافع يخبر عن أبيه قال: رسول الله ﷺ:
«لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه».
قال الحميدي: إذ نهي رسول الله ﷺ من ترك ما جاء عنه مما لم يكن في كتاب الله كانت الحجة على من ترك ذلك لرأي نفسه أو كد، وله ألزم، وكان عن طريق الحق أجور.
[ ١٣١ ]
قلت:
فكيف حال من يترك ذلك لأنه لا يجده في كتب المتأخرين المقلدين، أو يجد فيها خلافه. والعجب أن منهم من يستجيز مخالفة نص الشافعي لنص له آخر في مسألة أخرى بخلافه، عسر عليهم الفرق بينهما فيصنعون فيهما شيئا يسمونه النقل والتخريج، فيخالفون نصه في المسألتين لأنهم ينقلون جوابه من كل مسألة منها إلى الأخرى، ثم لا يرون مخالفة نصه لأجل نص رسول الله ﷺ، مع أنه قد صح عن الشافعي أنه أذن لهم فيما لعلهم يتركونه من ذلك، / وليسو يقدرون أن يروا عنه أنه أذن لهم فيما فعلوه من النقل والتخريج، ولعله ﵀ كان عنده بين المسألتين فرق لم يطلعهم [الله] عليه، فمالهم يقولونه في [كل] مسألة منهما قولا لم يقله حتى كثرت الأقوال في المذهب والتخريجات، وكثرت في ذلك المناظرات، ولم يقولوه ما دل عليه قول رسول الله ﷺ مع أنه قال لهم: «القول ما قال رسول الله ﷺ وهو قولي»، على ما تقدم نقله عنه ﵁.
وقد قال البويطي: سمعت الشافعي يقول: لقد ألفت هذه الكتب ولم آل فيها، ولا بد أن يوجد فيها الخطأ لأن الله تعالى يقول: ﴿ولو كان من عند غير
[ ١٣٢ ]
الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾، فما وجدتم في كتبي هذه مما يخالف الكتاب والسنة فقد رجعت عنه.
وقال إبراهيم بن المنذر الحزامي: ثنا معن بن عيسى القزاز، قال: سمعت مالكا يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.
قلت:
فهذا الإمام مالك بن أنس ﵀ قد سبق إمامنا الشافعي بهذا الكلام وهو الحق، وذلك الظن بجميع الأئمة وإن لم ينقل عنهم.
وقد نقل عن أبي حنيفة ﵀ معنى ذلك.
قال نعيم بن حماد: سمعت أبا عصمة يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: ما جاء عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعينين، وما جاء عن أصحابه اخترنا، وما كان غير ذلك فنحن رجال وهم رجال.
[ ١٣٣ ]
وفي رواية: قال نعيم: سمعت ابن المبارك يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: إذا جاء عن النبي صلى الله فعلى الرأس والعين، وإذا جاء أصحاب النبي ﷺ نختار من قولهم، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم.
وفي رواية أخرى: قال: آخذ بكتاب الله / فإن لم أجد فبسنة رسول الله ﷺ، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت منهم وأدع قول من شئت منهم، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فأما إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم [النخعي] والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب وعدد رجالا من التابعين، فقوم اجتهدوا فاجتهدوا.
قلت: وليس يعني ﵀ اختيار شهوة بل اختيار نظر واستدلال وقياس واعتبار على ما دل عليه الكتاب والسنة. وفرق بين الصحابة والتابعين
[ ١٣٤ ]
فجوز أن يذهب إلى ما لم ينقل عن واحد منهم في مسألة اختلفوا فيها عن اجتهاد ولا نص فيها، ولم يرد إذا أجمعوا على قول واحد فإن الإجماع حجة في التابعين كما هو في الصحابة على المذهب الصحيح.
وقال سفيان الثوري لما بلغه ذلك عن أبي حنيفة: نتهم رأينا كرأيهم.
وكأنه ﵀ سوى بين التابعين والصحابة في أنهم إذا أجمعوا في مسألة على قولين مثلا لم يجز لمن بعدهم إحداث قول ثالث، وجوز أبو حنيفة ذلك، وهي مسألة مختلف فيها بين الأصوليين وفيها تفصيل سنذكره إن شاء الله تعالى، وأما ما أجمع الصحابة عليه فلا كلام في أنه لا تجوز مخالفته.
فقد وضح لك من أقوال الأئمة أنه متى جاء عن رسول الله ﷺ حديث ثابت فواجب المصير إلى ما دل عليه ظاهره، ما لم يعارضه دليل آخر على ما سيأتي تحقيقه، وهذا هو الذي لا يسع أحدا غيره.
قال الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت / ويسلموا تسليما﴾، فنفي الإيمان عمن لم يحكم رسوله ﷺ فيما وقع التنازع فيه ولم يسلم لقضائه.
وقال ﷿: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ فضمن الهِداية في طاعة رسوله ﷺ ولم يضمنها في طاعة غيره.
[ ١٣٥ ]
وقال: ﴿ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾.
وأوعد على مخالفته فقال: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾.
وقال: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا﴾.
قال يونس بن عبد الأعلى: ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: ليس من أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ.
وروي أيضا عن مجاهد بإسناد آخر، وروي معناه عن الشعبي، وكذلك روى شعبة، عن الحكم بن عتيبة، وروي أيضا عن مالك بن أنس وقال: إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي ﷺ.
[ ١٣٦ ]