(والأحكام): أي المحكوم بها (المشروعة) في الدين بمتعلقاتها (التي ثبتت بها الحجج) التي سبق ذكرها (أربعة أقسام وهي:
حقوق الله خالصة) وأنواعها ثمانية: الإيمان وبقية الفرائض، والعقوبات المختصة كحد الزنا والشرب، والعقوبات القاصرة كحرمان الميراث بالقتل قصر؛ لأنه مالي، وهو قاصر بالنسبة إلى البدنية،
والحقوق الدائرة بين العبادة والعقوبات كالكفارات تتأدّى بالصوم ووجبت جزاء على فعل محظور، وعبادة فيها معنى المؤنة كصدقة الفطر تجب على الإنسان بسبب رأس غيره، ومؤنة فيها معنى العبادة كالعشر، يصرف لحفظه الأرض ولمصارف الزكاة، ومؤنة فيها معنى العقوبة كالخراج يتعلق بالأرض ويصرف لحفظها وسبب الزراعة يستغل عن الجهاد، وحقّ قائم بنفسه: أي ثابت بذاته من غير أن يتعلّق به بذمة العبد ومن غير أن يكون له سبب مقصود يجب على العبد أداؤه كخمس الغنائم.
(وحقوق العباد خالصة) كملك المبيع والثمن، وملك النكاح
[ ١٧٣ ]
والدية، وبدل المتلفات والمغصوبات، ونحو ذلك.
(وما اجتمعا فيه): أي اجتمع فيه حق الله وحق العبد (وحقُّ الله غالبٌ) كحد القذف فيه حقُّ الله؛ لأنه شُرِعَ زاجرًا، وحقُّ العبد لدفع العار، ولغلة حق الله تعالى لا يجري فيه إرث ولا إسقاط ولا اعتياض.
(وما اجتمعا فيه وحقُّ العبدِ غالبُ) كالقصاص فيه حق الله تعالى وهو إخلاء العالم عن الفساد، وحق العبد لوقوع الجناية على نفسه وهو غالب، فيجري فيه الإرث والاعتياض بالمال وصحة العفو.
(وهذه الحقوق): أي حقوق الله تعالى الخالصة وحقوق العباد الخالصة وكان حقه أن يذكر هذا قبل قوله: وما اجتمعا إلى آخره، إلا أنه لعدم درايته بأصولنا أخّره (تنقسم إلى اصل وخلف):
(فالقسم الأول) الذي هو أصل (كالإيمان أصله التصديق) وهو إذعان القلب بحقيقة جميع ما جاء به محمد - ﷺ - عن الله تعالى، (والإقرار) كما هو مذهب الفقهاء (ثم صار الإقرار أصلًا) مبتدًا (خلفًا عن التصديق): أي عن الإيمان الذي هو التصديق والإقرار (في أحكام الدنيا) بأن يقوم مقامه ويترتب عليه أحكامه، والطهارة بالماء أصل، والتيمم خلف عنه (والقسم الثاني) مما يثبت بالحجج وهذا يوهم أنه قسم خلفي، فكان
ما يتعلق به الأحكام المشروعة وهو أربعة:
١. سبب، وهو أقسام:
منها سبب حقيقي: وهو ما يكون طريقًا إلى الحكم من غير أن يضاف إليه وجوبٌ لا وجود، ولا يعقل فيه معاني العلل.
وسبب مجازي: كاليمين بالله تعالى ونحوها وهو من العلل.
٢. والعلة: وهي عبارة عما يضاف إليه وجوب الحكم.
حقّه أن يتبع ما انتقى من كتابه فيقول كما قال: جملة ما يثبت بالحجج الأحكام وما يتعلق بالأحكام، أما الأحكام فكذا
[ ١٧٤ ]
والقسم الثاني: (ما يتعلق به الأحكام المشروعة وهي): أي ما يتعلق به الأحكام (أربعة):
(سبب: وهو) لغة ما يتوصل به إلى المقصود.
وفي الشريعة (أقسام منها:
سبب حقيقي: وهو ما يكون طريقًا إلى الحكم) وهذا غير مانع، فقد يراد أدنى الأصل (من غير أن يضاف إليه وجوب ولا وجود ولا يعقل فيه معاني العلل) ليخرج بالأول: العلة، وبالثاني: الشرط، وبالثالث: السبب الذي يشبه العلّة والسبب الذي فيه معنى العلة.
وهذا كدلالة السارق على مال إنسان، فإذا لم يضمن الدال؛ لأن الدلالة سبب محض تخلل بينه وبين المقصود ما هو علة غير مضافة إلى السبب، وهو الفعل الذي باشره المدلول باختياره.
(وسبب مجازي) باعتبار ما يؤل (كاليمين بالله تعالى) سميت سببًا للكفارة مجازًا؛ لأن اليمين إنما عقدت للبرّ، لكنها تفضي إلى الحكم عند زوال المانع، فكانت سببًا باعتبار ما يؤل، (ونحوها): أي نحو اليمين: كالطلاق المعلق بشرط.
(وهو) أي السبب المجازي (من العلل)؛ لأنه علّة العلة، إلا أن الحكم يضاف إلى العلة، فلو أضيف إلى السبب كان سببًا في معنى العلة: كسوق الدابة وقودها كل واحد منهما سبب لتلف ما يتلف بوطئها حالة السوق والقود، وقد تخلل بينه وبين التلف ما هو علّة، وهو فعل الدابة، لكن هذه العلّة مضافة إلى السوق والقود؛ لعدم صلاحية إضافة الحكم إلى العلّة.
والعلة: (وهي عبارة عما يضاف إليه وجوب الحكم) ابتداءً.
فخرج بالأول: الشرط، وبالثاني: السبب والعالمة وعلة العلة والتعليقات.
[ ١٧٥ ]
وتتم العلة الشرعية الحقيقية مثلا بثلاثة أشياء: الاسم والمعنى والحكم.
فالأول: أن تكون في الشرع موضوعة لموجبها.
والثاني: أن يضاف ذلك الحكم إليها بلا واسطة.
والثالث: أن يثبت الحكم عند وجودها بلا تراخ.
وهو أقسام سبعة:
الأول: علّة اسمًا وحكمًا ومعنى، كالبيع المطلق فإنه موضوع للملك، والملك يضاف إليه بلا واسطة، وهو مؤثر في الملك عند وجوده ويسقط به الحكم.
والثاني: علّة اسمًا لا حكمًا ولا معنىً، كالطلاق المعلق بالشروط؛ لأنه موضوع في الشرع لحكمه ويضاف الحكم إليه عند وجود الشرط، وليس علة حكمًا؛ لأنه يتأخر عنه إلى وجود الشرط، ولا معنى؛ لأنه لا تأثير له فيه قبل وجود الشرط.
والثالث: علّة اسمًا ومعنى لا حكمًا، كالبيع بشرط الخيار، فإن البيع علة للملك اسمًا؛ لأنه موضوع له، ومعنى، لأنه هو المؤثر في ثبوت الملك، لا حكمًا وهو ثبوت الملك متراخٍ.
والرابع: علّة لها شبه بالسبب: كشراء القريب، فإنه علّة للملك، والملك في القريب علّة للعتق، فيكون العتق مضافًا إلى الشراء بواسطة، فمن حيث إنه لم يوجد إلا بواسطة العلّة كان سببًا، ومن حيث إن العلّة من أحكامه كان علّة يشبه السبب.
والخامس: وصف له شبهة العلل، كأحد وصفي علّة ذات وصفين كالجنس أو القدر لحرمة النسيئة.
[ ١٧٦ ]
والسادس: علّة معنى وحكمًا لا اسمًا، كأحد وصفي العلة، وهو علة معنى، لأنه مؤثر في الحكم، وحكمًا؛ لأن الحكم يوجد عنده، لا اسمًا؛ لأنه وحده ليس بموضوع للحكم.
والسابع: علّة اسمًا وحكمًا لا معنى: كالسفر، فإنه علّة للترخص اسمًا؛ لأنها تضاف إليه، وحكمًا؛ لأنها تثبت بنفس السفر متصلّة به، لا معنى؛ لأن المؤثر في ثبوتها المشقة لا نفس السفر.
(والشرط: وهو) لغة: العلامة.
وشرعًا (ما يتعلق به الوجود دون الوجوب): أي دون أن يكون مؤثرًا في وجوده.
واحترز به عن العلة، قيل: ولا بُدّ أن يزيد قيدًا آخر، وهو: أن يكون خارجًا عن ماهية ذلك الشيء؛ ليخرج به جزؤه، فإنه أيضًا ممّا يتوقّف عليه وجود الشيء، وليس بمؤثر فيه.
وأقسامه خمسة:
الأول: شرط محض، وهو الذي يتوقّف انعقاد العلة على وجوده، مثل دخول الدار بالنسبة إلى وقوع الطلاق المعلق به في قوله: إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق، فإن انعقاد قوله: أنتِ طالق علّة لوقوع الطلاق، موقوف على وجوده وليس له تأثير فيه.
الثاني: شرط هو في حكم العلة: كحفر البئر في الطريق، فإنه شرط لتلف ما تلف بالسقوط، والعلّة ثقل الساقط، والمشي سبب، لكن العلة ليست صالحة لإضافة الحكم إليها، فأضيف إلى الشرط، وكذا شق الزق الذي فيه مائع، فإنه شرط، والعلة مَيَعَانه، وهي علة غير صالحة لإضافة الحكم إليها، فأضيف إلى الشرط.
والثالث: شرط له حكم السبب، وهو الشرط الذي تخلل بينه وبين
[ ١٧٧ ]
مشروطه فعل فاعل مختار غير منسوب لذلك الشرط، كما إذا حل قيد عبد فأبق، فالحلّ شرط التلف، وهو متقدم صورة ومعنى، فأشبه السبب، والإباق علة، وهو غير حادث بالحلّ وانقطع عن الشرط، وكان التلف مضافًا للعلّة فلا يضمن الحالّ، ومثله مَن فتح باب قفص فطارَ الطيرَ عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وألحق محمد فعل الطير بسيلان ما في الزق.
والرابع: شرط اسمًا لا حكمًا، وهو ما يفتقر الحكم إلى وجوده ولا يوجد عنده، كأول الشرطين في حكم يتعلق بهما، كقوله لامرأته: إن دخلت هذه الدار وهذه الدار فأنتِ طالق، فمَن حيث إنه يتوقف الحكم عليه سمي شرطًا، ومن حيث إنه لا يوجد عنده لا يكون شرطًا حكمًا.
والخامس: شرط هو كالعلامة: كالإحصان في الزنا.
ويعرف الشرط بصيغته كإن دخلت الدار، ودلالته كقوله: المرأة التي أتزوج طالق.
(والعلامة: وهي ما يعرف الوجود): أي وجود الحكم (من غير تعلق وجود ولا وجوب) كالإحصان فلا يضمن شهوده إذا رجعوا، واختار بعض أن الإحصان شرط.
[ ١٧٨ ]