ومما يتصل بالسنن أفعالُ النبي ﷺ الاختيارية الصالحة للاقتداء (وهي أربعة) عند فخر الإسلام (مباح، ومستحب، وواجب، وفرض) وعند غيره ثلاثة؛ لأن الواجب الاصطلاحي لا يتصور في حقّه ﷺ.
ويمكن أن يقال: المراد تقسيم أفعاله بالنسبة إلينا، وقد ثبت بعضها بالظنّ فيتحقق الواجب بالنسبة إلينا.
(وقد اختلف العلماء فيها، والصحيح) عندنا (أن كل ما عُلم وقوعه منها) أي من الأفعال (على وجهٍ) أي صفة (يُقْتدى به كما وقع): أي يقتدى به في إيقاعه على تلك الصفة، حتى يقوم به دليل الخصوص (وما لا يعلم) على أي صفة فعله.
(فمباح): أي يعتقد فيه الإباحة لتيقنها، فيكون لنا اتباعه إلى أن يقوم دليل المنع.
[ ١٥٧ ]
[شرائع من قبلنا]
(والصحيح) عندنا خلافًا للبعض (أن شرائع من قبلنا تلزمنا) لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ﴾ الآية، والإرث يصير ملكًا للوارث مخصوصًا به، لكن لَمَّا لم يبق الاعتماد على كتبهم للتحريف قلنا: إنما تلزم (إذا قصَّ الله ورسوله من غير إنكار) فيعمل به على (أنه شريعة لرسولنا) ﷺ.
[ ١٥٨ ]
[تقليد الصحابي]
(وتقليد الصحابي) وهو اتباعه في قوله وفعله معتقدًا للحقيقة من غير تأمل في الدليل (واجب يترك به القياس) في غير ما ثبت الخلاف فيه بينهم لقوله - ﷺ -: «مثل أصحابي في أمتي مثل النجوم، فبأيهم اقتديتم اهتديتم» رواه الدارقطني وابن عبد البر من حديث ابن عمر، وقد رُوي معناه من حديث عمر، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث أنس، وفي أسانيدهما مقال، لكن يشدّ بعضها بعضًا.
ولقوله ﷺ: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح من حديث حذيفة. وصححه ابن حبان، وللترمذي مثله من حديث ابن مسعود.
ولأن أكثر أقوالهم مسموعة من حضرة الرسالة، وإن اجتهدوا فرأيهم اصوب؛ لأنهم شاهدوا موارد النصوص.
[ ١٥٩ ]
وعند الكرخي يجب فيما لا يدرك بالقياس.
(ويجوز تقليد التابعي الذي ظهرت فتواه زمن الصحابة) للعلم بأن رأيه في القوة كرأيهم، وهذا رواية «النوادر» (على الأصح)، وهو اختيار فخر الإسلام خلافًا لشمس الأئمة ﵀.
[ ١٦٠ ]