(الإلهام): وهو الإيقاع في الرُّوع من علم يدعوا إلى العمل به من غير استدلال بآية ولا نظر في حجة (ليس بحجة)، ولا يجوز العمل به عند الجمهور، (وقال بعض الصوفية: إنه في حق الأحكام حجة) يجوز العمل به.
وردّ عليهم بأن يقال: ألهمت بأن القول بالإلهام باطل، فإلهامي حجة أم لا؟ فإن قال: حجة، بطل قوله، وإن قال: لا، فقد قال ببطلان الإلهام في الجملة، وإذا كان الإلهام بعضه صحيحًا وبعضه باطلًا، لم يكن الحكم بصحة كل الإلهام على الإطلاق ما لم يقم دليل على صحته، فحينئذٍ يكون المرجع إلى الدليل دون الإلهام.
(والفراسة): وهي ما يقع في القلب بغير نظر في حجة)، هذا وقع دليل من قال: الإلهام حجة، لا أنه من المتفرقات، فظنّه هذا المصنف منها،
[ ١٨٧ ]
وقد أجيب عنه: بأنا لا ننكر كرامة الفِراسة، ولكنا لا نجعل ذلك حجّة لجهلنا أنه من الله تعالى أم من الشيطان أم من النفس.
(والحكم: ما ثبت به جبرًا) هذا كلام وقع في أثناء بيان الحكم؛ لأنه المقصود فافهم.
قالوا عندنا: حكم الله صفة أزلية لله تعالى، وكون الفعل واجبًا وفرضًا وسنة ونفلًا وحسنًا وحلالًا وحرامًا، محكومًا لله تعالى ثبت بحكمه وهو إيجاد الفعل على هذا الوصف، وإنما سمي حكم الله تعالى في عرف الفقهاء والمتكلمين بطريق المجاز، إطلاقًا لاسم الفعل على المفعول، ثم المحكوم الذي يسمّى حكمًا مجازًا وهو الوجوب وكذا صفات الأفعال لا نفس الفعل؛ لأن نفس الفعل يحصل باختيار العبد وكسبه، وإن كان خالقه هو الله تعالى. والحكم ما ثبت جبرًا شاء العبد أو أبى. انتهى.
(والدليل: وهو ما يتوصّل بصحّة النظر فيه إلى العلم)، هذا تصرف في عبارة المشايخ بما أفسدها؛ إذ لفظهم: هو ما يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم، والنظر عبارة عن ترتيب تصديقات علمية أو ظنية ليتوصل بها إلى تصديقات أخر، فترك قيد الإمكان وجعل التوصل بالصحة وهي صفة النظر لا هو، والتوصل عندهم بنفس النظر الموصوف بالصحة، وأين هذا من ذاك؟
[ ١٨٨ ]
(والحجة: وهي) مأخوذة (من حج إذا غلب) سمِّيت بذلك؛ لأنها تغلب من قامت عليه وألزمته حقًا، وهي مستعملة فيما كان قطعيًا أو غير قطعي.
(والبرهان نظيرها): أي نظير الحجة، لكنه يستعمل في القطعي عند قوم (وكذا البينة).
(والعرف: ما اشتهر بشهادة العقول ويتلقى طبعًا بالقبول)، هذا من تصرف هذا المصنف، وعبارة الأصل: ما استقرّ في النفوس من جهة شهادات العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول.
(والعادة: ما استمر الناس عليه وعاودوه مرة بعد أخرى)
والله ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والحمد لله العزيز الوهاب، وصلى الله على سيدنا محمد سيد أولى الألباب، صلاةً وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم المآب آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم آمين.
[ ١٨٩ ]