وأمّا عمدتهم في ذلك، فهو من وجوهٍ.
أحدها: أنّ قُبح بعضِ الأشياء وحُسنها ثابتٌ بالضرورة قبل ورود الشرع، وعند مَن لا يقول بالشرع، كالبراهة ونحوهم مِن منكِري النبوّات؛ كقبح الجور والفجور،
[ ٨٨ ]
وحُسن العدل والبرِّ، وكذلك سائر المعروفات والمنكَرات، حُسنُها وقبحها معلومٌ للعقلاء بالضرورة. ولو تَوقَّف على ورود الشرع، لما عُرِف قبله، ولا من ينكرِه. بل البراهمة من جملة حججهم في إِبطال النبوّات أن قالوا: "الفعل إِن دلّ العقلُ على حُسنه أثبتناه، أو على قبحه، أثبتناه؛ وإِن لم يدلّ على حُسنه ولا قبحه، فَعَلنا منه ما اضطررنا إِليه، وتَرَكنا ما لا ضرورة إِليه احتياطًا. وحينئذ نستغني عن النبوّات". فكيف يقال: إِنّ ما يُحتَج به على إِبطال النبوّات لا يُعرَف إِلا بها؟ هذا خُلفٌ.
والجواب: أنّا لا ننكر أنّ في الأفعال ما يُعلَم حُسنُه وقبحُه قبل الشرع، ولمن لا يقول بالشرع. لكنّ ذلك الحُسن والقبح إِنما هو بأحد المعنيين الأوّليين من أوجه الحُسن والقبح التي يُطلَق عليهما، كما سبق. وهما الميل والنفرة الطبيعيّان، أو صفة الكمال والنقص. فإِنّ المعروف والبرّ تميل إِليهما الطباعُ؛ وهما لفاعلهما صفتا كمالٍ. وضدّهما المنكَرُ والفجور، تنفر عنهما الطباعُ؛ وهما لفاعلهما صفتا نقصٍ. ولهذا يُمدح الإِنسانُ بأن يقال: "عادلٌ بار، فاعلٌ للمعروف، صادقٌ"؛ ويُذمّ بأضداد ذلك، فيقال: "جائزٌ فاجرٌ، فاعلٌ للمنكَر، كذابٌ".
وقد يُستحسن الفعلُ لدفعِ الأذى عن النفس؛ كإِنقاذ الغريق وإِعطاء المسكين، لدفع تأذّى النفس برقِّتها عليه. أو لاتّفاق العالَم أو أهلِ العلم على أنّه من المصالح الخاصّة أو العامّة، لا ينتظم أمرُ الناس إِلاّ به، كنفي الظلم والكذب. وهو راجعٌ إِلى ما ذكرنا أوّلًا.
وإِذا ثبت هذا، فليس النزاع فيه؛ إِنما النزاع في ربط الذمِّ والمدح والجزاء على الأفعال بحصول المفاسد والمصالح منها جزمًا في العقل. وما ذكر تموه ليس نظيرَه.
ثم ما ذكرتموه من استقباح البراهمة ونحوهم لبعض الأفعال قبل الشرع معارَضٌ بما كانت العرب في الجاهلية على كثرتهم وكمال عقولهم وحكمتهم، على ما دلّ عليه سيرتُهم ومحاوراتُهم نزمًا ونثرًا، تستحسِنه وتفتخر به، من إراقة الدماء، ونهب الأموال، وسبي العيال، وقهر الخصوم، وغير ذلك. فإن قلتم: "ذلك حَسًنٌ"، يلزم التناقضُ. وإن قلتم: "قبيحٌ"، فكيف يَتفق على حُسنه الجم الغفير من العقلاء؟ فإن
[ ٨٩ ]
قيل: "ذلك قبيحٌ، وإِنما استحسنوه لجهلهم، ولذلك سُمُّوه جاهليّةٌ"، قلنا: ليس كذلك؛ وإِنما سُمُّوه جاهليةً بجهلهم بالشرائع. وذلك دليلٌ على ما نقوله من أنّ حَسَن الأفعالِ وقبيحَها بالمعنى المتنازَع فيه إِنما يعرفان بالشرع لا غير.
الوجه الثاني: إِنّ من استوى عنده الصدق والكذب من كلِّ وجهٍ، إِلاّ من جهة كونهما كذبًا وصدقًا، فإِنّه يُرجح الصدقَ. ولولا اختصاصه بصفةٍ كان لأجلها حَسَنًا، لما رجَّحه. وكذلك الملِلك العظيم يجد مسكينًا وحده في برّيّةٍ مشرفًا على الهلاك، فيميل إلى إنقاذه وليس ذلك إِلاّ لُحسن الإِنقاذ لا غير. إِذ الملك غنيِّ عن مكافأة المكسين، والفَرَضُ أنْ ليس هناك مَن يتشوّق إِلى ثنائه عليه بذلك.
والجواب أنّ ترجيح الصدق وإِنقاذ المسكين، إِن فرَضنا تساوى فعلهما وترِكهما من كلّ وجهٍ، بحيث لا يُتّبَع فيهما عُرف ولا إِلفٌن ولا يُدفَع بهما تألّمُ نفسٍ ولا نفرةُ طبعٍ، لم يُسلُّم أنَه يُرجح واحدًا منهما. وإِنما يَرجح أحدُهما لما سبق من اطّراد عُرفٍ، أو إِلفٍ، أو دفع ألمٍ أو رِقّةٍ. لأنّ العاقل إِذا رأى غيره هي شدّةٍ، جوَّز أن يكون هو فيها، ثم فرَض لحوقَها به. فيلحقه لذلك رقّةٌ وألمٌ، أو رقةٌ، أو ألمٌ، فيبادر إِلى إنقاذه دفعًا لذلك عنه.
الوجه الثالث: لو كان حُسنُ الأشياء وقبحُها إِنما يثبت بالشرع، ما قَبُح من الله شيءٌ. ولو كان كذلك، لجاز أن يُظهر المعجزاتِ على أيدي الكاذبين. وفي ذلك سَد بابِ معرفة النبوّات، لالتباس الصادق بالكاذب. ولجاز أن يأمر الله سبحانه خلقَه بكلّ قبيحٍ، كالكفر والجور والظلم والكذب، وينهاهم عن كلّ حَسَنٍ، كالإِيمان والعدل والصدق. وذلك محالٌ.
والجواب أنّه لا يقبح من الله شيءٌ. وإِلاّ لكان خلقُه لكلّ مفسدةٍ في العالم، وخلقُه للكفّار للنار، وخلقُه لإِبليس سببًا لإِضلال الخلق، وخلقه للطباع المائلة والشهوات المستميلة حتى تجذب المعاصي فيما بين ذلك، قبيحًا. وقد اتّفقنا على عدم قُبحِ ذلك كلّه. وأمّا جواز فعلِه ما ذكرتموه من المستقبًحات، فثابتٌ. ولو فعل ذلك كلّه، لم يكن قبيحًا؛ كالأشياء التي ذكرناها واتّفقنا على عدم قبحها. لأنّ ما ادّعيتم قبحه وما سلّمتهم عدمَ قبحه قبيحٌ بالإِضافة إِلى نظر العقل. فإِما أن تقولوا بالقبح في الجميع؛ فيلزمكم أنّ
[ ٩٠ ]
الله فَعَل قبائحَ كثيرةً؛ وأنتم لا تقولون به. وإِمّا أن تقولوا بعدم القبح في الجميع؛ فلا يلزم من جواز ما ذكرتموه محذورٌ.
ثمّ نقول: إِنّ جواز ما ذكرتموه وغيره لا يستلزم وقوعَه. ونحن نجزم ضرورةً بعدم وقوعه، وأنّ الله لم يُظهر المعجِزَ إِلاّ على يد صادقٍ، وأنّه لم يأمر بقبيحٍ أصلًا. لأن القبيح عندنا ما نهى عنه ومَنَع منه. فلو كان آمرًا به، لكان جامعًا بين الأمر بالشيء والنهي عنه بعينه؛ وهو تناقُضٌ. وإِذا كان علمُنا بأنّ ما أَلزمتمونا جوازَه من القبائح لم يقع ضروريَّا، فلا تأثير لمجرّد احتمال الجواز المذكور في العلم الضروريّ. وصار ذلك من باب احتمال انقلاب العلوم العاديّة؛ كانقلاب الجبال ذهبًا، والبحار عسلًا. فإنّه محتمَلٌ جائزٌ عقلًا في كلّ لحظةٍ وكلّ نفسٍ؛ بمعنى أنّه لو قُدِّر، لم يلزممنه محالٌ لذاته، مع أنّا نعلم قطعًا أنّه لم يقع؛ ولم يقدح جوازُ ذلك في قطعِنا بعدمه.
وأيضًا، لو قدّرنا إِظهار المعجز على يد الكاذب، قدّرنا في قبالته ما يَدفع محذوره، بأن نقول: إِن كان الله تعالى قَصَد بذلك إضلالَ تلك المعجزات فُرجةً للناس يتفرّجون فيها ويتنزهون بها، كما يتفرّجون في سائر الأشباء المتضادّة، كالحيوانات الحَسنة والقبحية، والأشجار الطبّية الرائحة والطعم والخبيثة، وكما يتفرّجون الآن في شعبذة المشعبذين وسحر السحرة. أو يُقدِّر اتفاقُنا على تجوّز تكليف ما لا يطاق؛ فلا يلزم من ذلك المحال. وبالجملة، لو قدّرنا ما ذكرتموه، قدّرنا انقلاب حقائق ما نحن فيه الآن على وجهٍ يدفع محذورَه. فأمّا أنّكم تُلزِمونا تقديرَ بقائنا على حالنا الآن، فهذا ليس بإنصاف منكم. وأنتم إِنما تنازِعون على ثبوت العدل والإنِصاف بزعمكم؛ ولذلك وَسَمتم بإنصاف منكم. وأنتم إِنما تنازِعون على ثبوت العدل والإِنصاف بزعمكم؛ ولذلك وَسَمتم أنفسَكم بأهل العدل.
الوجه الرابع: لو لم يُعرَف الحُسنُ والقبح إِلاّ بالشرع، للزم منه إِفحامُ الرسلِ، بأن يُقال لهم: "لا ننظر في معجزكم، حتى يجب علينا النظرُ، حتى يَثُبت شرعُكم. ولا يَثبُت شرعُكم حتى ننظر في المعجز". وذلك دورٌ ممتنعٌ؛ وسيأتي هذا وجوابُه.
الوجه الخامس: لو لم يكن الحُسن والقبح معلومين عقلًا، لما عرفناهما عند ورود
[ ٩١ ]
الشرع؛ لأنّ إنّه التصديق مسبوقٌ بالتصوّر.
والجواب إِنّه إِلزامٌُ لنا على أصلهم في أنّ ماهيّة الحُشن وَرَد مؤكدًا لحكم العقلِ في ذلك. وقد سبق منعُه. ونحن إِنما نستفيد الحكم بحُسن الشيء وقبحه من أمرِ الشرعِ ونهيه. وقبل الشرع، لا يستحيل منّا تصورُ ماهيتهما بهذا المعنى، بأن نقول: لو جاء شرعٌ، أو قدّرنا ورود شرعن لكان الحَسَن والقبيح ما أمَر به ونهى عنه.
الوجه السادس: لو لم يكونا عقليّين، لم يجُز إِسنادُ الأحكام إِلى المصالح. وحينئذٍ، ينسدّ بابُ القياس في الشرع بتحسينها، وكذا المفاسدُ.
والنزاع معكم إِنما هو فيما سبق. وهو كونُ العقل بذاته أدرك المصالحَ والمفاسدَ، ثمّ جَزَم وأوجَب في حُكم الله سبحانه رّبْط الجزاءِ بها ثوابًا وعقابًا وذلك غير ما نحن فيه.
الوجه السابع: لو كان حُسن الأفعال لورودِ الأمر بها، لم تكن أفعالُ الله سبحانه حَسنةً، لاستحالة توجُّه الأمر إِليه من غيره. ولو كان قبحُ الفعل للنهي عنه، لاقتضى نهيُ التنزيه قبحَ المنهيّ عنه.
والجواب أنّ الحَسّن عندنا ما عَلِمَ فاعلُه أنّه غير ممنوعٍ منه. فيتناول أفعالَ الله سبحانه؛ إِذ لا مانع. والمقتضي للقبح هو نهيٌ مخصوصٌ، وهو نهي التحريم، لا مطلق النهي. وأمّا قولنا في بعض المواضع، "الحَسَن ما أذن فيه الشرعُ، والقبيح ما مَنَع منه"، فإِنما نريد بذلك الحَسَنَ من أفعالنا؛ وهو حَسَنٌ خاص. أمّا إِذا أردنا به ما يعم الحَسَنَ منّا ومن الله سبحانه، عرفناه بما ذكرنا. والله أعلم.