فقال الأشعريّ: "لا تأثير لقدرة العبدِ على مقدوره أصلّا؛ بل القدرة والمقدور واقعان بقدرة الله". قلتُ: فحقيقة مذهبِه أنّ الأفعال مقدورةٌ مخلوقةٌ لله سبحانه، بواسطة خَلقِ القدرة علهيا. فالعبد يتلقّى أفعالَه عن قدرتِه؛ وقدرتُه تتلقّاها عن قدرة البارئ سبحانه. والأفعال تمرُّ على قدرة العبد مرورَ جوازٍ، لا مرورَ تأثُّرٍ.
وقال القاضي: "ذاتُ الفعلِ واقعةٌ بقدرة الله تعالى؛ وكونُه طاعةً ومعصيةً، بقدرِة العبد". قلتُ: فذاتُ الفعلِ، نحو كونه حركةً أو سكونًا، وصفتُه، نحو كونه زِنًا أو صلاةً. وذلك توسّطٌ منه بين المذهبين؛ لأنّه قام الدليلُ عنده على أنّ الأفعال مخلوقةٌ لله؛ ثمّ رآه ممدوحًا ومذمومًا ومنهيًّا ومأمورًا ومعاتبًا وموبَّخًا. فاحتاج أن يجعل لذلك مستندًا؛ وهو صفة الفعلٍ، كما ذكر.
[ ١٦٧ ]
وقال الأستاذ أبو إِسحق: "إِنّ ذات الفعل يقع بالقدرتين". قلتُ: هو بناءٌ على وقوع الفعل بين القدرين. لكن إِن عنى "بوقوعه بالقدرتين"، أنّ صدورَه عن القدرة الحادثة صدورُ الشئ عن محلِّه، فهو كقول الأشعريّ. وإِن عنى أنّ صدورُ الشئ عن مؤثِّره، فهو ضربٌ من الاعتزال؛ لأنّ النزاع معهم إِنما هو في تثير القدرة الحادثة في الفعل أصلًا؛ فنفيناه نحن، وأثبتوه هم. فإِذا جَعَل فيها تأثيرًا في الفعل مع غيرها، فقد أَخَذ قسطًا وحظًّا من الاعتزال.
وقال إِمام الحرمين: "الله سبحانه يُوجِد للعبدِ القدرةَ والإِدارةَ. ثمّ هما يوجِبان وجودَ المقدور". وهو قولُ الفلاسفة، وأبي الحسين من المعتزلة. وهو في التحقيق راجعٌ إِلى الأوّل؛ لأنّ موجِدَ الموجِبِ موجِدٌ.
أمّا جمهور المعتزلة فقالوا: "العبد موجِدٌ لأفعاله، لا على نعتِ الإِيجابِ، بل على صفةِ الاختيارِ". وغلا بعضهم، حتى صار إِلى أنّ العبد خالِقٌ على الحقيقة، كالربّ. وتغالى بعضُ متأخّريهم، حتى صار إِلى أنّ لا خلق على الحقيقة إِلاّ العبد؛ أمّا الربّ سبحانه، فهو خالقٌ مجازًا.
قلتُ: فإِذن، أهل السنّة والمعتزلة في هذا على طرفي نقيض؛ لأنّ هؤلاء يقولون: "لا خالق للأفعال حقيقةً إِلاّ الله؛ والعبد خالقٌ مجازًا؛ وهؤلاء يعكسون، كما ذكرنا.