ومنها إِنكارهم الاستثناءَ في الإِيمان، نحو "أنا مؤمنٌ، إِن شاء الله"، ظنًّا منهم أنّ شلك شكُّ. وغفلوا عن فائدته؛ وهي التبرّك بذِكر الله، إِن أُريدَ: "أنا مؤمنٌ في الحال". أو صرفُه إِلى كمال الإِيمان، إِذ لا يثصق كلُّ أحدٍ بكمال إِيمانه، والإِتيان بما أُخِذَ عليه فيه من الأقوال والأفعال. ولو عَلِمَ كمالَه، فهو يعتصم بالاستثناء من الخذلان لتاليه، فيُبتَلى بما يُنقِص إِيمانَه. أو صرفُه إِلى المالِ؛ إِذ ليس على ثقةٍ من الموت مؤمنًا.
[ ١٠٤ ]
ورأينا في أرض مصر قومًا يُقال لهم المرازقة، يَستثنون في كلّ خيرٍ. إِنّ أحدهم يقول: "هذا حصيرٌ، إِن شاء الله. هذا إِنسانٌ، أة زيدٌ، أو النار حارّةٌ، أو الماء باردٌ، إِن شاء الله". فهو في الغلوّ والإِفراط مقابل المعتزلة في التفريط.
والتحقيق في هذا أنّ كلّ قضيّة عُمِلَت يقينًا، وأجرى اللهُ عادتَه ببقائها وعدم تغيُّرها، لا يُشرَع فيها الاستثناءُ، لأنّه عَبثُ. وربما جَرّ إِلى السفسطة وإِنكار الحقائق؛ إِذ يقول الشخص: "هذا الجبل حجرٌ، إِن شاء الله"، خشية أن لا يكون شواءً، أو لبنيّةً، أو حلواء، أو مريسًا، أو قطنًا، أو تبنًا، أو لا شيء، بل خيالٌ في منامٍ. وذلك خروجٌ عن العقل.