ومنها أنّ الأنبياء، عند الجمهور، أفضل من الملائكة. وعند المعتزلة والفلاسفة الملائكةُ أفضل. وفي الملّة ستّة أقوالٍ، ذكرتُها في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾. ومن مآخذ الفلاسفة فيها أنّ الملَك روحانيُّ نورانيُّ شفافٌ خفيفٌ، وأنّه مجاوِرٌ للحضرة الملكوتّية، بخلاف النبيّ وسائر البشر. وهو من باب التحسين
[ ١٠٨ ]
والتقبيح، أو ما يشبهه.
وقد ذهب بعضُ المشرّعين إِلى ما ذهبوا إِليه. ومأخذهم نقلةُّ، لقوله تعالى: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون﴾. وفي مثل هذا السياق، إِنما يؤخرَّ الأشرفُ، كقولك، "لا يأبى الوزيُر خدمتي، ولا السلطانُ"، وقوله، ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك﴾.
واحتجّ ابنُ حزمٍ الظاهريّ على ذلك بقوله تعالى في بني آدم: ﴿وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾؛ وأجمعنا على تفضيلهم على مَن عدا الملائكة؛ فلم يبق إلاّ الملائكةُ. قلتُ: هذا إِنما يفيد أنّ بني آدم ليسوا أفضلَ من الملائكة. فإِذا انضمّ إِلى دلالة الآية قولُه سبحانه، فيما حُكي عنه في صحيح السنّة، "من ذكرني في نفسه، ذكرتُه في نفسي؛ ومن ذكرني في ملأٍ، ذكرته في ملأٍ خيرٍ منه"، يعني الملائكةَ، كمُلَن الدلالةُ، وثُبتَ المدَّعَى، وهو أنّ الملائكة أشرفُ من بني آدم.