اعلم ضأنّ مادّة ع- ق- ل ترجع إلى معنى المنع والحبس. فمن ذلك عِقَال البعير، وهو الحبل الذي يُربَط به ساقُه إِلى ركبته لئلاّ يشرد. يُقال: "عَقَلْتُ البعيرَ، أَعْقِلُه عَقْلا"، إذا فعلتُ به ذلك. ثمّ سُمّي إِعطاءُ القاتل وأقاربه ديَة القتيل، ونفسُ الإِبل المدفوعة في الدنيا عقلًا، "، تسميةً بالمصدر المذكور، المجاورة والملابسة؛ لأنّ الإِبل تُعقَل بالعقال.
وذلك لأنّ القاتل كان يأتي بديَة القتيل، فيعقلها بفناء أوليائه ليسلّمها إِليهم. وكأنهم كانوا يفعلون ذلك ليكون القاتلُ في موقف سؤال القبولِ. ومن ذلك سُمّيت العَصًبةُ "عاقِلةً".
ومنه المعاقِل، وهو الحصون. واحدها مَععْقل؛ لأنّه يمنع العدو مِن الوصول. وفي الحديث، "ليعقِلن هذا الدين من الحجاز مَعِل الأروية (يعني بقرة الوحش) من رأس الجبل (أي يتحصن به ويمتع فيه) ويعود الدين إِلى الحجاز كما بدأ منه".
ومنه اعتقال الرمحِ. وهو أن يجعله الفارسُ تحت فخذه، ويجر آخرَ وراءه على الأرض؛ لأنّه ذلك يمنعه من السقوط. و"اعتقل الشاة"، إِذا جَعل رجلَها بين رجِله وفخذِ ليحلبها و"فلانٌ معتقَلٌ"، أى محبوسٌ.
ومنه والعُقال (بضم العين، وتشديد القاف وتخفيفها)، اسمُ فرس كان للنبي ﵇. وهو أيضًا فرسٌ من فحول الجاهلية المشهورة، جاء في شعر حمزة بن عبد المطلب، ﵁:
[ ٦٩ ]
ليس عندي إلاّ السلاح ووردٌ قارِح مِن بناتِ ذى العُقَّالِ
تقي دونه المنايا بنفسي وهو دوني يَلقى صدورَ العوالي
والعُقّال رداءٌ يكون في رجلِي الدابّة، فيَعقلها، أي يمنعها عن الحركة. وأُضيفَ إِليه هذا الفرسُ، إِمّا تفاؤلا له بالنشاط، على عادتهم في التفاؤل بالعكس؛ كقولهم للّديغ "سليمٌ" مفازةٌ، وللبرءِ "اندمالٌ". أو مبالغًة في شدّة جريِه ونشاطِه؛ كذلك كقولهم للغراب "أعور" لحدّة بصرِه، أتو دفعًا لعين السوء عنه.
ومنه في حديث الدجّال: "ثمّ يأتي الخضبُ فيُعَقِّل الكرمَ"، أي يخرُج العُقَّيلى (بضمّ العين، ونشديد القاف، مقصورًا) وهو الحصرم. قلتُ: لأنّه يمتنع بحموضته عن أن يؤكَل على صفته غالبَا.
ومن ذلك، العقلُ الذي في الإنسان الذي هو مناط التكليف. سُمِّى بمصدر "عَقلَ يَعْقِل عَقْلًا"، إِذا مَنع؛ لأنّه يمنع العاقلَ مِن فعلِ ما لا يليق. وإِلى هذا المعنى ترجع فروعُ هذه المادّة جميعها.