أمّا كون التشاغل بالنكاح، فيحصل من الفاعل بنوافل العبادات، فقد خالف فيه الشافعيُّ بناءً على أنّ الله تعالى مَدَحَ يحيى بن زكريّا بأنّه حصورٌ لا يأتي النساءَ. وما كان صفةَ مدحٍ، لا يكون ضدُّه أفضلَ. ولأنّ ذلك حظٌ محضٌ للنفس؛ والله تعالى إِنما
[ ١٤٨ ]
تعبّد خلقَه بتركِ حظوظِ أنفسهم؛ فيكون تركُه هو العبادة. وهذا أقوى من حيث النظر.
أمّا قصة يحيى، فالاستدلال بها مبنيٌ على الاحتجاج بشرعِ مَنْ قبلَنا. على أنّ الخصم يَدَّعي نَسخَه بنصوص السّنة في اقتضاء النكاح؛ فلا يبقى حجّةً، باتّفاقٍ.
ومأخذ المسألة، فيما ذكره الزَنجانىّ، أنّ النهي عن الفعلِ، هل هو أمرٌ بأحدِ أضدادِه، أم لا؟ مَن قال بالأوّل، أوجَب النكاحَ؛ لأنّه منهىٌ عن الزنا؛ فيكون مأمورًا بضدّه، وهو النكاح. ومن قال بالثاني، فمذهبه ظاهرٌ. وفي الاستدلال بهذا على وجوب النكاح نظرٌ؛ فإنّ بين الزنا والنكاح واسطة؛ وهي ترك الزنا بدون النكاح صبرًا واستعفافًا. وتركُ الشيء ضدٌّه؛ فقد امتَثَل بفعلِ ضدِّ المنهيِّ عنه. ولا يلزم منه وجوبُ النكاحِ.
والتحقيق أنّه إِذا خاف الزنا بترك النكاحِ، وَجَب؛ لأنّ ترك الزنا واجبٌ؛ وما لا يتمّ الواجبُ إِلاّ به، فهو واجبٌ. فوجوبه مبني على هذا الأصل. ولَمَّا عارَضَه خظُّ النفسِ، قال الخصمُ: "يُباح له أن يأمَن غائلةَ الزنا بالنكاح؛ أمّا الوجوب، فيحتاج إِلى دليلٍ. وإِنما يَتَمَحّض ما لا يتمّ الواجبُ إِلاّ به موجَبًا فيما إِذا خلا عن معارِضٍ؛ كمسحِ جزءٍ من الرأس، وإِمساك جزءٍ من الليل، واجتناب المباحِ المشتبه خشيةَ إِصابةِ المحظورِ.
وأمّا إِجبار السيدِ عبدَه على النكاح، فهو عندنا مختص بالصغير. أمّا الكبير، فلأنّه إِن وَجَب عليه النكاحُ لِحَق الشرعِ، فالشرعُ هو المجبِر، لا السيّد. وإِن لم يجب، فمصلحة النكاح مختصّةٌ بالعبد؛ ولا ولاية عليه في ذلك، كما لو تَرَكَ من الطعام والشراب ما لا يضرُّ بماليةِ السيّدِ من بدنِه، فليس له إِجباره على أكلِ اللحم السمين والحلوى الطيّبة. والكلام فيما إِذا لم يجب عليه النكاحُ بخوفِ الزنا، فلا يَرِدُ ما ذَكَره من أنّ لبه استبقاء نفسه بصيانته.
وأمّا إِرسال الطلقاتِ الثلاث، فلم يكن محرَّمًا؛ لقطعها المعنى الذي تجب إِقامته بالنكاح، متضمِّنٌ لمصالح بالجملة، سواءً كانت واجبةً أو لا. والله تعالى ناظرٌ لعباده، ومؤدبٌ لهم، ومرشِدٌ إِلى المصالح. فولاية النكاحِ إِذا ثبتت على المحلّ، كانت تلك المصالح مستمرّةً. واستيفاء الطلاقِ يُزيلها بالكلّيّة، بحيث يبعُد استدراكُها بعدَ زوجٍ
[ ١٤٩ ]
ثانٍ. ومصلحة الطلاق إِن عَرَضَت، حصلت بالطلقة الواحدة؛ لإفضائها إِلى البينونة بانقضاء العدّة واستباحة المرأةِ الزوجَ فإن احتيج إِلى استيفاءِ الثلاث، فليكن بالتدريج، في كل طُهرٍ طلقةٌ. كلُّ ذلك مراعاةٌ لمصلحتهما، خشيةَ أن يبدو له في إِمساكها. فإذا استبقى من الولاية عليها طرفًا، أمكنه ذلك. وربما كان بينهما ولدٌ، فاستدرَك تربيته. وربما تأدبت هي بالطلقة، أو هو؛ فانتَظم حالهما بعد المراجَعة. وإِذا لم يُبقِ من الولاية شيئًا، فات ذلك عليه، فتضرَّرَ. وقد بيّنّا أنّ الحقّ في النفوس لله. فله الحجرُ عليها، ودفعُ الضررِ التكليفيّ عنها. فهذا منزعٌ جيّدٌ.
وأمّا منعُه فسخَ النكاحِ بالعيب، فقد أبطلنا أصلَه الذي بناه عليه؛ وهو ثبوت النكاح مع المنافي. ومقتضى العدلِ الشرعي جوازُ الفسخِ بالعيب المُخلِّ بمقصود النكاح لكل من الزوجين؛ لأنّ النكاحُ في الحقيقةِ عقدُ معاوَضَةٍ؛ فجاز فسخُه بالعيبِ؛ كالبيع والإجارة. وما اختصّ به النكاحُ من سائر خَواصِّه لا يَقدح في هذا القياس؛ لأنّ تلك ثبتت لمقتضياتٍ أخرِ. ولأنّه قد جعل من جملة المعنى الذي تجب إِقامتُه بالنكاحِ التوالد والتناسل والسكن والازدواج؛ والعيبُ مخِلٌّ به لخصوص النفرِة.
وأمّا الطلاق، فهو، وإِن كان طريقًا إِلى التخلُّص، إِلاّ إِنّ فيه ضررًا على الزوج، لا يقتضيه دليلٌ. وهو إِلزامُه المهرَ، وإِسقاطُ ولايته عن المحلِّ، بحيث لا يمكنه استداركُها إِلاّ بعد زوجٍ أو عقدٍ. بخلاف الفسخِ؛ فإِنّه يرجع به عندنا على مَن غَرَّرَه مِن زوجةٍ، أو وليّ؛ وتبقى ولايتُه للفائدة المذكورة. ولأنّ الأحكام الشرعيّة كالأبدان الطبيعيّة، كلّما عَرَضَ لها عارِضٌ، اقتضى علاجًا خاصًّا. والعيب في النكاح عارِضٌ لحكمِه؛ فيقتضي علاجًا خاصًّا، غير المعهود بغيره. وليس إِلاّ الفسخ. ولا شكّ في اقتضاء العيبِ حُكمًا خاصًّا، ومناسبته للفسخ في حُكم العقلِ وعدلِ الشرعِ.
قوله، "المصلحة مع العيب، إِمّا في بقاء النكاح، فقد أبقيناه؛ أو في قَطعِه، فقد
[ ١٥٠ ]
جَعَلنا له طريقًا، وهو الطلاق". قلنا: ليست القسمة حاصرةً. إِذ لقائلٍ أن يقول: "المصلحةُ في قَطعِه أو رفعِه بسببٍ خاص، وهو الفسخ".
قلتُ: وقد حكة الزنجانيُّ عن الحنفيّة أن مَورِد عقدِ النكاح عندهم هو الرقية، لا المنفعة، استدلالًا بقوله ﵇: "النكاح رقٌّ". إِلاّ أنّه لا يُنتج البيعَ. فإِن ثبت هذا عنهم، جاز أن يَرجِع مأخذُ المسألةِ إِلى أنّ المعقود عليه الرقيَّة، أو منافع البضع؟ فعلى الأوّل، لا يَستحقّ الفسخَ؛ لأنّ الرقّيّة سليمةٌ لا نَقصَ فيها. وعلى الثاني، يَستحقّ؛ لاختلال المنافع بالنفرة الحاصلة عن العيب. والله أعلم.