أمّا الفروع التي ذكرها، فالأوّل منها ممنوعٌ، وضعفُه أظهر من أن يُظَهر. فقوله: "بالإِذن ارتفع الحجرُ". قلنا: مطلقًا، أو بالنسبة إِلى ما أُذِن له فيه؟ الأوّل ممنوعٌ؛ ولا دليل عليه. والثاني مسلَّمٌ.
قوله، "إِذا رضي السّيدُ بإِسقاط حقّه من خدمة العبدِ في زمانٍ، سقط في جميع الأزمان"، تحكُّمٌ لا رابط فيه، ولا ضابط يحويه. وإِنما هو كمن يقول: "إِذا جاز أكلُ المَيتةِ في وقتِ الضرورة، جاز في جميع الأوقات. وإِذا فُك بالحجر عن العبد بحضور العدوِّ البلدَ، واحتاج الناسُ إِلى دفعِه، على رأي الشافعيَ، انفكّ عنه في جميع الأوقات". ولو صحَّ ذلك، للَزِم منه بطلانُ جميعِ عمومات الشرعِ؛ لأنها مخصوصةٌ بصورٍ معروفةٍ عند العلماء. وتعلُّقُ حقِّ السيدِ بخدمة العبد في عموم الأوقات كعمومات الشرع المتعلِّقة بأفعال المكلَّفين. فلو استفاد العبدُ، بإِذن السيّدِ له في نوعٍ خاص، رَفعَ الحجرِ عنه في كلّ نوعٍ، لاستفاد المكلَّفون، بتخصيص صورةٍ مِن كلّ عام، تخصيصَ جميعِ صُورِه. وذلك محالٌ. وإِنما عَدلُ الشرعِ والعقلِ أن يختصّ تصرُّفه بما بما أُذِن له فيه دون غيره، كسائر التخصيصات.
وأمّا الصبي، فإِن كان مميِّزًا، ففيه خلافٌ بين العلماء. فإِن أُجيز، فكالعبد؛ يختصّ تصرُّفُه بما أُذِن له فيه. وإِن لم يجز، فالفرق بينه وبين العبد التكليفُ وعدمه. وإِن لم يكن مميِّزًا، لم يجز تصرُّفه؛ مظِنَّة التفريط.
وأمّا تجزُّؤ العتِق، فصحيحٌ. لكنّ مأخذه أنّ الإِنسان في أصل الفطرة حرّ بالإِضافة
[ ١٥٤ ]
إِلى المخلوقين. فالحرّية أصلٌ فيه، لحكمة الاستقلال بطاعة الله وعبادته التي خُلِق لأجلها؛ والرقّ طارئٌ عليها. فإِذا وُجِد مقتضة الحرّيّةِ في بعضِ العبدِ، ظهر حكمُ الأصل فيه؛ وهو الحرّيّة. ثمّ استولى عندنا على باقيه، فيما إِذا كان المعتِقُ لبعصه موسًرا، وتَضمَّن نصيبَ شريكه. وعندهم، يَستسعى العبدِ، ظهر حكمُ الأصل فيه؛ وهوالحرّيّة. ثمّ استولى عندنا على باقيه، فيما إِذا كان المعتقُ لبعضه موسرًا، وتَضمَّن نصيبَ شريكه. وعندهم، يَستسعى العبدُ في قيمةٍ باقيةِ، إِن لم يكن المعتِقُ موسرًا. كلّ ذلك لاجتذاب الحرّيّة العبدَ إِليها؛ لأنها الأصل؛ وللأصول قوّةٌ. وصار كالأجير مستحقّ المنفعة مدّةَ الإِجارةِ؛ فإِذا انقَضَت. وأيضًا، الذي قَرّره في تجَزُّؤ العتقِ، لا نحن نمنعه، ولا هو ينافي ما قلناه؛ بل هما من وادٍ واحدٍ.
ومِمَّا يدلّ على ضعفِ ما ذكره في أصل القاعدة أنّ التكليف لو كان مَناطًا للمُلك، أو غايةً للحال التي يُستحَقّ بها المُلكُ، على ما فسّرنا به كلامَه من التدريج، لوَجَب أن تتفاوت أملاكُ الناسِ باستجماعها استَحّوا المُلكَ. فيكون مُلكُ الوليدِ أقوى من مُلكِ الجنين، والفطيم أقوى من الوليد، والمراهق أقوى من الوليد، والبالغ أقوى من المراهق. ولا قائل بذلك.