أمّا الأدلّة الجزئيّة، فلنذكر منها وجوهًا.
أحدها: لو اقتضى العقلُ قُبحَ شيء من الأفعال، لكان قبحه لمّا من الله، أو من العبد.
والأول باطلٌ؛ إِذ لا يقبُح من الله شيء، بإتفاقٍ. وإِن نوزع فيه، فبرهانه في موضعه. والثاني أيضًا باطلٌ؛ لأنّ فِعل العبد إِمّا اضطراري أو اتفاقي؛ ولا قُبح في واحد منهما. وبيان انحصاره في الاضطرار والاتفاق أنّ فِعل العبد إِن صدر منه عند خلقِ الله سبحانه داعى الفعل فيه، صار وقوعُه واجبًا بالضرورة؛ فكان اضطراريًّا. وإِن صدر عند استواء داعي الفعل والترك، وجاز الترجيحُ من غير مُرجِّحٍ، كان ذلك بالاتّفاق؛ فكان اتّفاقيًّا.
[ ٨٦ ]
أو نقول في تقريره: إِن فِعل العبدِ للشىس أو تركه لابدّ فيه مِن خلقِ الله سبحانه داعيَةً فيه. فإِن ترجَّح داعي الفعل، صار واجبًا اضطراريًّا. وإِن ترجَّح داعي الترك، صار واجبًا، والفعلُ ممتنعًا. وإِن استوى داعيهما، وجاز الترجيحُ بلا مرجِّحٍ، كان الفعل اتفاقيًا. وإِن لم يجُز، كان ممتنعًا، لامتناع الترجيح بلا مرجِّحٍ. وإِذا دار فعلُ المكلَّفِ، بين أن يكون واجبًا أو ممتنعًا أو اتّفاقيًا، فلا قُبح في شيء من ذلك.
ويَرِد على هذه الحجّة أمران.
أحدهما: أن يمنعوا توقًّف فِعل العبد على خَلقِ الرب. فقد حَكى ابن بَرهان عن بعضهم أنّ العبد خالقٌ على الحقيقة كالربِّ. وقال بعضهم: "الخالق على الحقيقة هو العبد، والله خالقٌ على جهة المجاز". وحينئذٍ، يكون القبح من العبد لاستقلاله بالخلق. وهو مطلوبهم.
الأمر الثاني: أن يقال: سَلَّمنا أنّ فِعل العبد متوقّفٌ على خلق الله الداعي. لكن لا نٌسَلِّم أنّ خلق الداعي مستقلٌ بوجوب وجود الفعل إِنما حصل من جهة العبد. فيكون القبيحُ منه من هذه الجهة. ويحصل المطلوبُ. وهذا سؤالٌ قوىٌ على هذه الحجّة. غير أنّه يقتضي وقوعَ المقدور بين قادرين؛ وهم لا يقولون به.
الوجه الثاني من صور النزاع: تكليفُ ما لا يطاق. فنقول: لو كان قبيحًا، لما فَعًله الله سبحانه؛ وقد فًعًله؛ فلا يكون قبيحً. وبيان أنّه فَعَله أنّه كلَّف الكفارَ الذين عَلِم أنهم يمونون كفّارًا بالإِيمان بالرسل وما جاءهم. ومن جملة ما جاءهم أنّ أولئك لا يؤمنون؛ كقوله: ﴿وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾، وقول موسى: ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الآليم قال قد أجيبت دعوتكما﴾ وقوله لمحمّد ﵇: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جائتهم كل آية﴾، ﴿كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم
[ ٨٧ ]
لا يؤمنون﴾، وقوله في أبى لهب: ﴿سيصلى نارا ذات لهب﴾، مع أنهم مكلَّفون إِلى وقت موتهم بالإِيمان بما جاءت به الرسلُ. فقد كُلِّفوا بأنهم يؤمنون بأنهم لا يؤمنون. وهو تكليفٌ بالجمع بين الضدّين.
ولا اعتراض على هذه الحجّة إِلاّ بأن يقل: لا نُسَلِّم أنّ تكليفهم باقٍ إِلى الموت. بل انقطع تكليفُهم لَمّا وَرَد النصُّ بعدم إيمانهم: فصاروا عند ذلك كأنهم موتى، أو في النار. لكنّ القول بارتفاع التكليف، مع صحّة العقل والبلوغ، في دار التكليف، ضعيفٌ.
الوجه الثالث: أنّ الكذب من صور النزاع. فول كان قبيحًا، لكان قبحه إِما لذاته، أو لغيره. والأوّل باطلٌ؛ وإِلاّ لما كان لمصلحةٍ رجحةٍ، كتخليص مظلومٍ أو نبي أو ولي مِن الظلم أو القتل، [أثرٌ]؛ لأنّ الأحكام الذاتيّة لا تتغيّر بالأمور العارضة. لكنّه قد جاز، بل وَجَب، باتفاق. وأما الثاني، فذلك الخبر إِن كان تعلُّق خطابِ الشرع به بالمنع منه، فهو الذي نقوله. وإِن كان غير ذلك، فبيِّنوه.
الوجه الربع: أنّ الحُسن والقبح إِمّا عدميان، فلا يتعلّق بهما حُكمٌ؛ أو ثُبوتيّان، فهو باطلٌ، لقيامهما بالمعدومات. كقولنا للصلاة والقتل قبل دخولهما في الوجود "حَسَنٌ" و"قبيحٌ". وأيضًا، كلّ ما فعِلُه واجبٌ، فالترك عدميِّ قد اتّصف بالصفة الثبوتيّة؛ وهو محالٌ.
ولا يّرِدُ على هذا وصفُ الأشياءِ قبل وجودها بالإِمكان والامتناع والوجوب؛ لأنّ هذه نسبٌ وإِضافاتٌ عدميةٌ. فمعنى "الممكن" أنّه غير واجبٍ ولا ممتنعٍ. وكذلك الآخَران.