وإِذ قد تلخَّص محل النزاع، فنذكر مآخذ الخلاف، وهو من وجهين.
أحدهما: أنّ الحُسن عندهم صفةٌ قامت بالفعل، أَوجبَت كونَه حَسنًا، والقبحَ صفةٌ قامت به أَوجبَت كونه قبيحًا، حملًا للأفعال على الأجسام. فإِن الحُسن والقبح إنما هو نسبةٌ وإِضافةٌ حاصلةٌ بين الفعلِ واقتضاءِ الشرعِ إِيجاد والكفَّ عنه. فإِذا قال الشرعُ: "صلِّ! "، قلنا: الصلاة حَسنةٌ: "لا تزن! " قلنا: الزنا قبيحٌ. وعلى هذا فقِسْ.
وما ذكروه، مِن أنّ الحُسن والقبح صفتان للفعل، باطلٌ، لأنّ الصفات أعراضٌ؛
[ ٨٤ ]
والفعلُ عَرضٌ؛ والعرضُ لا يقوم بالعرض. لأنّ العرض لا يقوم بنفسه؛ وإنما يقوم بالجوهر؛ فكيف يقوم به غيرُه! وأيضًا، لو قام العرضُ بالعرض، لانقلب العرضُ جوهرًا. إِذ لا معنى لقيام العرض بالمحلّ إِلاّ كونه في حيّازه. والعرض لا حيّز له؛ إِلا أن ينقلب جوهرًا. لكنّه محالٌ.
فأمّا ما يشكِّكون به على هذا- مِن أن السرعة والبطء عَرضان، ويقومان بالحركة؛ والحركة عرضٌ؛ وذلك عرضٌ قد قام بعرض؛ ومنه قولنا، "سوادٌ حالكٌ"، و"لونٌ كثيفٌ ورقيقٌ"؛ فالَحلَك والكثافة والرقّة أعراضٌ قامت باللون؛ وهو عرضٌ- فليس بشيءٍ لأنّ هذه الأعراض كلّها إِنما قامت بالجواهر بواسطة الأعراض. فحاصل الأمر أنّ الأعراض لا تقوم إِلاّ بالجواهر؛ نعم، تارةً بلا واسطةٍ، كالحركة، وتارةً بواسطةٍ، كالسرعة قامت بالجوهر بواسطة الحركة. وإذا ثبت هذا، فقياس الأفعال على الأجسام في قياس الحُسن والقبح بها لا يصح، لصحة قيام الأعراض بالأجسام والجواهر، دون الأعراض.
المأخذ الثاني: أنّ الشرع وَرَد عندهم مقرّرًا لحكمِ العقل ومؤكدًا له. وعندنا، وَرَد الشرعُ كاسمع شارعًا للأحكام ابتداءً. وتحقيق ذلك أنّ العقل احتيج إليه قبل الشرعِ لتقرير مقدّماته، كالتوحيد، وجواز البعثة، والنظر في المعجِز كالنائب للشرع في ذلك. كما إِذا ملَك السلطانُ مدينةً، بَعث نائبه بين يديه ليزيّنها لدخوله، ويُقيم له الإقامات، ويهييء له المساكنَ؛ حتى إذا دخلها السلطانُ، انعزل النائبُ، وصار الحكمُ له. كذلك العقلُ، إِذا قَرّر مقدّمات النبوّةِ تَثبَّت وانعزَل وصار مأمورًا بامتثال ما يصدر عنها.
ولهذا، أجمع أهلُ الملّة على أنّ النبيّ الصادق إِذا أخبر خبرًا لا يدركه العقلُ، وجب الإيمانُ به وتلقّيه بالقبول. وتلك خصيصة الإِيمان بالغيب، اتى مَدَح اللهُ بها المؤمنين.
وقد وافق المعتزلة على هذا في تقسيمهم للحَسَنِ إِلى ما يدرِكه العقلُ ابتداءً، وإِلى ما لا يدركه إِلاّ بتوفيق الشرع. ولهذا، لَمَّا قلّدوا عقولَهم في إِنكار عذاب القبر، وسؤال منكَرٍ ونكيرٍ، ووزنِ الأعمال، وقعوا في عقال الضلال؛ لأنهم عدلوا عن قول المعصوم،
[ ٨٥ ]
إِلى تقليد المتّهم الموصوم؛ إِذ العقل يعرض له الأغلاطُ، فينزلّ عن سواء الصراط.
فإِن قيل: "لو اتُهم العقلُ بعد النبوّة في نظره، لاتُهم في ذلك قبلَها في تقرير مقدّماتها؛ فلم يكن به وثوقٌ. ثمّ تزلزلت قواعدُ النبوّات، وكان أهلُها بانين على الماء، أو على متن الهباء".
قلنا: قبلَ النبوّة، لم يكن له معارِضٌ يرجُح عليه. وبعدها، هي أقوى منه. ولا يلزم مِن اتهامِ الشاهدِ مع من يخالفه اتهامه إِذ كان وحده لا مخالف له. وهذا من أصعب أسئلتهم. وجوابه ما ذكرنا. فحاصل هذا المأخذ أنّ الشرع مؤكدٌ عندهم، وعندنا مؤسسٌ. والقاعدة المتّفق عليها أنّه إِذا تعارض التأكيدُ والتأسيسُ، كان التأكيدُ أولى، لأنّه أكثر فائدةً.
وممّا يشبه هذا المأخذَ اختلافُ الأصوليّين فيما إِذا وَرَد حديثان، أحدهما مخالفٌ للأصل، ناقلٌ عن حُكمه، والآخر موافقٌ له مقررٌ لحُكمه. فقال قومٌ: "يُقدَّم المقرِّرُ؛ لأنهما دليلان يعضد أحدُهما الآخر". وقال آخرون: "يُقدَّم الناقلُ؛ لأنّه أفاد فائدة زائدة".
ومن فروع هذا الأصل النزاعُ في تقديم بيِّنةِ الداخل والخارج؛ لأنّ بيّنة الداخل كالحديث المقرّر للأصل؛ لأنها مقوّيةٌ لدلالة اليد. وبيّنة الخارج كالحديث الناقل عن حكم الأصل.
فهذان مأخذان كليّان للمسألة