وهو الإِرشاد والهداية إِلى الصواب، إِذ خلا عن معارضٍ، من غلبةِ هوًى، أو فسادٍ في مزاجه، ونحو ذلك. والدليل عليه ما تواترت به، آي القرآن، من قوله تعالى، ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾، ﴿لأولى الألباب﴾. ولو لم يكن العقل هاديًا ومرشِدًا إِلى الصواب والحقّ، لما كان لتخصيص العقلاء بهذا الخطاب معنًى، ولما كان بينهم وبين البهائم فَرقٌ، ولما قامت حجة الله على ابن آدم. لأنّه بالعقل يَفهم خطابَ التكليف، فتتحقّق منه الطاعةُ والمعية، فيَحقّ له الثوابُ، وعليه العقابُ. ولهذا، رُفِع القلم التكليفيّ عن الصبيّ والمجنون والبهائم.
وقد سبق بيانٌ كيفية إرشاده. وهو أنّ نورَه يفيض على القلب من الدماغ. فمَن أراد اللهُ ﷿ إِرشادَه. جمع بين نور عقله وبصرِ قلبه بلا حائلٍ، ثمّ أيّدَهما بنورِ
[ ٧٨ ]
التوفيق، كتأييد بصر الرأس والهواء الذي يجول فيه الشعاعُ بضوء الشمس. ومن أراد إِضلاله، حال بين نور عقله وقلبه، بأن خَتَم على سمععه وقلبه وجعل على بصره غشاوةً. فمن يهديه من بعد الله؟ رّبنا لا تُزغ قلوبنا بعد إِذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمةً، إنّك أنت الوهّاب.