فمِن ذلك، أنّ النيّة شرطٌ في الوضوء، عندنا. وعندهم، هي سنّةٌ لا تجب. فذكر الزنجاتيّ في مآخذ الأحكام للخلاف مأخذًا. وهو أنّ الماءِ عند أبي حنيفة مطهَّرٌ بطبعه، كما أنّه مُروٍ بطبعه؛ فلا يحتاج إِلى النيّة. فجَعَلَه من قبيل العادات. وهو عندنا من قبيل العبادات المفتقرة إِلى النيّة المميَّزة لها من العادات. وهذا مأخذٌ نازِغٌ إِلى الطبيعيّات، فضلًا عن العقليّات. والمشهور في هذه المسألة مأخذان.
أحدهما: أنّ اشتراط النيّة في الوضوء زيتدةٌ على النصّ. والزيادة على النصّ نَسخٌ؛ فتحتاج إِلى دليلٍ. وجوابه: لا نُسلَّم أنّ اشتراطَ النيّة زيادةٌ على النص؛ بل النصّ دال على النيّة. إِذ معقوله ﴿إِذا قمتم إلى الصلاة﴾، لأجلها؛ كقولك، "إِذا صادفتَ
[ ١٢٣ ]
الأميرَ، فترجّل"، أي له؛ و"إِذا بَرزتَ إِلى خصمك، فتأهّب"، أي له. سَلَّمناه؛ لكن لا نُسَلِّم أنّ الزيادةَ على النصّ نَسخٌ، لما تقرّر في أصول الفقه.
المأخذ الثاني: أنّ الوضوء عبادةٌ، أم لا؟ أو أنها مترددةٌ بين العبادات والعادات؟ فأيّهما يُغلَّب فيها؟ وبأيّهما يُلحَق؟ وظاهر كلامه في هدايتهم أنّه من ذوات الوجهين. فمن حيث هو مفتاحٌ للصلاة، يَصحّ بدون النيّة؛ ومن حيث هو قُربَةٌ، لا يَصحّ بدونها. فلهذا، سُنَّت له النيّةُ، ليَحصُل كونُه مفتاحًا وقُربًة.
والصواب أنها عبادةٌ؛ لقوله ﵇: "الوضوء شطر الإيِيمان"؛ والإِيمان عبادةٌ. ولأنّ معنى العبادة، وهو الانقياد والذل، حاصلٌ في الوضوء. إِذ لولا استشعار ذلِّ العبوديّة بين يدي عزّة الربوبيّة لَما انقاد أحدٌ للصلاة، فضلًا عن الوضوء.