وعند هذا، يُحتاجُ، قبلَ الشُروعِ في خاصيّة المسألة، إِلى بيانِ معنى "الكسب" و"الخَلْق"؛ لأنّ مدارَ المسألةِ عليهما؛ إِذ أفعال العبادِ عندنا صادرةٌ؛ أعني خَلقَ البارئِ، وكسبَ العبدِ. فنقول: "الخَلق" يُستعملَ بمعاني:
منها الإِبداعوالاختراع، وهو إِيجاد الشئ بعد أن لم يَكن؛ كقوله سبحانه: ﴿خلق السموات والأرض﴾، ﴿وخلق كل شئ﴾، ﴿خالق كل شئ﴾. وهذا خاصٌ بالله، يستحيل من غيره.
ومنها الكذبُ والافتِراء والاختِلاق؛ نحو: ﴿إن هذا إلا خلق الأولين﴾، بسكون اللام؛ و﴿إن هذا إلا اختلاق﴾. وهذا على الله مستحيلٌ.
ومنها التصوير، وهو جعل المادّة على شكلٍ وصورةٍ ما، نحو: ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير﴾، ﴿فتبارك الله أحسن الخهالقين﴾، أى المصوِّرين.
وتقديرُ الشيء بالشيء، أي جَعلُه على قَدْرِه. ومنه سُمِّي الحذّاءُ "خالِقًا"، لأنّه يُقَدِّر
[ ١٦٤ ]
الحذاءَ بالخشبة التي تُسمِّيها الأساكفةُ "قالبًا".
والقصدّ إِلى الشيء، فيما قيل؛ نحو:
ولأنت تفري ما خلقتَ وبعض القوم يخلُق ثمّ لا يفرى
أى تُحكِم ما قصدتَ إِليه من أمورك. وأصله من قولك، "خَلَقتُ الأديمَ"، إِذا قَدَّرته وهَيأتَه لما تُريد من قميضٍ، أو وعاءٍ، ونحوه، ثمّ تُقطّعه على حسب ذلك. فنقول: إِنّك إِذا قَدَّرتَ في نفسك شيئًا، فَعَلتَه في الخارج مطابِقًات لذلك التقدير الذهنيَ؛ فهو بصفة إِحكام تصوُّراتِه الذهنيّة وأفعالِه الخارجيّة ونظائرهما.
وهو، بهذه المعاني الثلاثة، جائزٌ من الله ومِن خَلقِه. ثمّ اختُلِف في أنّ الخلق حقيقةٌ في المعنى الأوّل، مجازٌ في غيره، يحتاج في حملِه عليه إِلى قرينةٍ؛ أو أنّه حقيقةٌ في كلّ واحدٍ من المعاني المذكورة بالاشتراك. والأوّل رأي الأشعريِّ. والثاني رأي القاضي أبى بكر من أصجابه. والأوّل أَولى؛ لتبادُرِه إِلى الذهنِ عند الإِطلاق؛ ولأنّه يُعارِض الاشتراكَ والمجازَ، وهو أَولى.
ثمّ اخَتَلفت في حقيقته عباراتُ الأئمّة؛ فقال بعضُهم: "الخلق هو فِعل فاعلٍ". وهو ضعيفٌ؛ لأنّه يقتضي أن يكون كلُّ فعلٍ خَلقًا؛ وليس كذلك. بل الخلق أَخَصُّ من الفعل؛ فكلَ خَلقٍ فِفعلٌ، وليس كلّ فعلِ خَلقًا. فأفعال الله سبحانه تُسمّى "خلقًا"، بمعنى أنها إِحداثٌ وإِبداعٌ واختراعٌ، وتُصير المعدومَ موجودًا، وبالعكس. وذلك حقيقة الخلقِ في الاختيار.
وأفعال العبادِ لا تُسمَّى "خلقًا"، إِلا أن يُرادَ به الكسبُ، على ما يأتى بيانُه، إِن شاء الله تعالى. ولهذا، أَخبر اللهُ سبحانه عن نفهس، ووصفها بالخلق، في غير موضعٍ. ولم يَصِف به خلقَه؛ بل يقول: ﴿بما كانوا يفعلون﴾، ﴿يعملون﴾، ﴿يكسبون﴾،
[ ١٦٥ ]
﴿يقترفون﴾؛ ولم يقل قط: "بما كانوا يِخلقون". وأمّا قوله: ﴿وتخلقون إفكا﴾، فهو من معنى الكذب. وقوله، ﴿أحسن الخالقين﴾، هو من معنى التصوير، كما سبق فيهما.
وأمّا "الكسب"، فهو، في عُرفِ اللغة، تحصيلُ الشيء مباشَرةً. ولذلك سُميَت جوارحُ الطيرِ وسباعُ الوحشِ "كواسب". قال لبيدٌ: "غُبسٌ كَواسِب ما يُمَنُّ طعامُها"؛ يعني الذئبَ، لا مِنّة عليها في طعامها؛ لأنها تَكسبه بأنفسها. ولهذا لم يوصف االهُ سبحانه والاكتساب، لأنه سبحانه فَعالٌ بلا مباشَرة. كما قال ذو النون، في وصفِه تعالى، "موجودٌ بلا مزاجٍ، فعالٌ بلا علاجٍ". فأمّا إِطلاق "الكسب" على ما لا مباشرة فيه، كقولهم، "كسَب مالى"، بمعنى "ربح"، فهو تنزيلٌ للمال منزلةَ كاسبٍ مباشرٍ مجازًا، مع أنّه عُرفٌ عامي.
ثمّ لهم في حقيقة الكسبِ عباراتٌ. قال القاضي: "هو ما وُجِدت عليه قدرةٌ حادثةٌ". وفيه إِجمالٌ وفسادٌ؛ إِذ هو مُشعرٌ باستقلال القدرة الحادثة بالإِيجاد؛ وليس هعو المرادَ. بل يريد وصفَ الحادثِ بأنّه كسبُ العبدِ. وحينئذٍ، يَصير تعريفُ الكسب بالكسب؛ وهو دورٌ. وقيل: "هو المقدور عليه بالقدرة الحادثة". وهو قريبٌ ممّا قبله. وقيل: "هو المتعلُق بالقادر عليه، لا على جهة الحدوث". وهو أقربها.
وأصحّ ما قيل فيه: "إِنّ الكسب أثرُ القدرةِ القديمة في محلِّ القدرةِ الحادثة". وذلك أنّ الله سبحانه هو يخترع الأفعالَ ويوجِدها على أدوات العبدِ وجوارحه، مطابقةً لعزمِه وإِرادته واختياره. وجوارحُه، مطابِقةً لعزمِه وإِرادته واختياره. وجوارحُه هي محلُّ قدرتِه الحادثة.
فهو، في التقريب والتصوير، كما يُحرِّك أحدًنا، أو الريحُ، شجرةً أو نباتًا. فالحركة، في رأيِ العينِ، قائمةٌ بالشجرة. ومادّتها، في الحقيقة، مِن ذلك المحرِّك. غير أنّ حركة العبدِ، في أفعالِه المقدورة فيه، مطابِقةٌ لقصدهِ واختيارِه. بخلاف الشجرة؛ إِذ ليس لا قصدٌ ولا اختيارٌ. فبالأوّل، انفصل مذهبُنا من مذهب القدريّة. وبهذا الأخير، تميَّزَ عن
[ ١٦٦ ]
مذهب الحبريّة.
ثمّ لهم في الفرق بين الخلق والكسب عباراتٌ. فقيل: "الخللق ما وَقع بقدرة الخالق على وجهٍ لا يَتَفرّد به". وقيل: "الخلق ما تَعلَّقَت به قدرةُ القادرِ عليه من جميع الوجوه؛ والكسب إِنما تَتعلَّق به قدرةُ القادرِ عليه بوجهٍ ما". وقيل: "الخلق يُصيِّر العدمَ وجودًا من غير تغيُّرِ الفاعلِ بفعلِه وتركِه؛ والكسب مقدورٌ، إِذا وَقَعَ، اتَّصَف القادرُ عليه بفعلِه وتركِه؛ ككونه عاصيًا، أو مطيعًا، أو متحرِّكًا، أو ساكنًا". قلتُ: هذا ينزِع إِلى قول من يزعم أنّ ذات الفعل واقعةٌ بقدرة الله، وكونه طاعةً ومعصيةً يَقع بقدرة العبدِ. وسيأتي، إِن شاء الله، قريبًا.
فحينئذٍ، ها هنا ثلاثة أسماءٍ: "الخلق"، وهو مختصُّ بالله سبحانه؛ و"الكسب"، وهو مختصّ بالعبد؛ و"الفعل"، وهو مشترَكٌ، نحو ﴿فعال لما يريد﴾؛ ﴿بما كانوا يفعلون﴾.