ومنها أنّه قرّر قاعدةَ الزكوات بما حاصله أنّ الزكاة إِنما شُرِعت تحصيلًا لرياضة النفس، وصونًا لها عن الطغيان الموجِب للعقاب. وذلك لأنّ المال سببٌ للطغيان؛ لقوله تعالى: ﴿إن الإنسان ليطغى أن راه استغنى﴾. فلما كان المال سببَ الطغيان، اقتضت العنايةُ شَرعَ ما يَمنع منه، وهو رياضة النفس بإِخراج بعض المال.
[ ١٢٧ ]
قال: "ولم تجب الزكاةُ إِلاّ لهذا المعنى؛ لأنّ الزكاة في ذاتها محضُ مَفسدةٍ وضررٍ، لكونها تنتقيصَا للمال الذي هو قِوام الحياة. فلابدّ في مقابلته من مصلحةٍ ونفعٍ. وليس ذلك النفعُ عائدًا إِلى غير المزكِّي؛ إِذ نَفعُ زيدٍ لا يَدفع ضررَ عمروٍ. فتَعيّن أنّه إِليه. ثمّ ليس هو في الدنيا؛ لعدم جواز الرجوع بما دَفع من الزكاة، أو بِبَذلِه على ما أَخذه. فتَعيّن أنّه في الآخرة. ثمّ ليس هو تحصيل الثواب؛ لأنّ تحصيلَ المنافعِ ليس واجبًا، وحصول النفع لا يَجبُر وقوعَ الضررِ، ولا يخرِجه عن كونه ضررًا. فتَعيّن أنّ النفع الذي التزم ضرر الزكاة لأجله هو دفعُ ضررِ العقاب في الآخرة. وذلك إِنما يحصُل بتحصيل ارتياضِ النفس بأداء الزكاة في الدنيا، وتخَلُّصِها من مَعرَّة الطغيان".
ثمّ قال: "فإن قيل: " الزكاة واجبةٌ على الأنبياء والأولياء ونحوهم، ممَّنْ لا عقاب عليه "، قلنا: سَبَبُ العقابِ يصح منهم، وهو الطغيان بالمال ومنعُ الزكاةٍ. لكنّ الله عَصمهم من ذلك، ولَطَف لهم. والعقابُ مُعتَبرٌ بسببه، ولا بوقوعه".
قلتُ: هذا حاصلُ ما قرَّرته هذه القاعدة. وهو تصرُّفٌ عقلي، وضرب من التحسين والمناسَبة.