ومنها أنّ قبول التوبة واجبٌ على الله عندهم، إِمّا لكونه أصلح- وقد أبطلنا رعايةَ الأصلح؛ ثمّ يلزمهم على ذلك إِيجابُ الشفاعة وأن لا يُدخِلَهم النارَ، لأنّه أصلحُ لهم- أو تصديقًا لخبره، حيث قال: ﴿وقابل التوب﴾، ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾، ونحوه. إِذ خلاف الخبرِ كذبٌ؛ وهو قبيحٌ. وقد أبطلنا قاعدةَ التقبيح العقلىّ. ثمّ يَلزمُهم عليه أن يغفر جميعَ الذنوب؛ لقوله، ﴿غافر الذنب﴾، ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾، أو لنحو قال القائل:
إِذا اعتذر الجاني محا العذرُ ذنبَه وكلّ فتًى لا يقبل العذرَ مذنبُ
وهذا عَجَبٌ! إِذ يخالِفون نصوصَ القرآن وتواتر السنّة، ويحتجّون بالشعر الركيك. ثمّ الكلام فيه في المخلوقين، لقوله، "وكلّ فتًى"؛ فقاسوا الله على خلقخ في وجوب قبول العذر، وهو قياسٌ ضعيفٌ في إِثبات أصلٍ عظيمٍ. ثمّ يلزمهم أن يَسقُط الذنبُ بالعذر فقط، ولا حاجة إِلى التوبة.
والقول عندنا أنّ قبول التوبة ليس بواجبٍ على الله، بل هو جائزٌ مِرجُوٌ من فضله
[ ١٠٣ ]
وكرمه. والإِخباراتُ الواردةُ بقبولها مقدرٌ فيها اشتراطُ المشيئة، أى يَقبل التوبةَ مّمن يشاء؛ كما قال: ﴿ادعوني استجب لكم﴾، ثمّ قيّده بقوله: ﴿بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء﴾. وقوله: ﴿ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها﴾، ثمّ قيّده بقوله: ﴿عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ فكذلك، هذا مقيَّدٌ تقديرًا، وإِن لم يُصرِّح به في موضعٍ آخر.
وعُهدَتُهم من المنقول قولُه تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء﴾، الآية؛ ولفظُ "على" للوجوب. وعندهم أنهم يخلّفون التوبةَ أفعالًا يَستوجبون بها القبولَ.
وعندنا، التوبةُ مخلوقةٌ لله، وقبولها تفضُّلٌ من الله. وقوله: ﴿إنما التوبة على الله﴾، مُنَزَّلٌ على وجوب وقوع الوعد بالقبول تصديقًا للخبر بأنّ وعده لا يُخلَف، أو أنّ معناه التوبة الواردة على رسل الله، أي على ألسِنة رسله؛ كقوله: ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾.