ومنها ما حُكي ابن بَرهان عن أبي هاشمٍ، أنّه يجب على العاقل بالعقل دفع الضرر عن نفسه، ولا يجب عن غيره إِلاّ بسمعٍ. قلتُ: الوجوب العقليّ باطلٌ، لما سبق. أمّا الحكم في هذا عند بعض العلماء، فإِنّ الإِنسان يلزمه الدفعُ مع القدرة عن حرمته إِذا أُريدت للزنا، لأنّ الدفع حقُّ الله، دون ماله، لأنّه حقّ نفسه. وفي نفسه قولان، بناءً أُريدت للزنا، لأنّ الدفع حقُّ الله، دون ماله، لأنّه حقّ نفسه. وفي نفسه قولان، بناءً
[ ١٠٥ ]
على أنّ المغلَّب فيها حقّ الله، لكونها مُلكَة، وهذا لا يُجَوِّز له التصرُّفَ بما يَوَدّ بها بغير إِذن شرعي؛ أو الإِنسان، لأنّه المختصّ بالألم فيها، والمستحِقّ لبذلها قصاصًا أودَية. وقد قرّرتُ هذا الأصل في الفوائد.
وأمّا دفعه عن غيره، فظاهر قوله ﵇، " انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، يقتضي وجوبَه. وفيه نصوصٌ غير ذلك. ويحتمل أن يخرج فيه القولان كالنفس، لقوله ﵇، "مَثَل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كالجسد الواحد"؛ وفي "الجسد الواحد" القولان.
[قولهم: "القبح محرَّمٌ إِما لنفسه، أو لكونه مفسدةً]
ومنها ما حكاه أيضًا عنهم أنهم قالوا "القبيح إِمّا محرَّمٌ لنفسه، كالكذبِ وكُفرِ النعمة، أو لكونه تركَ واجبٍ، كتَركِ العبادات، أو لكونه مفسدةً مخالِفةً للعقل، كالزنا ونحوه".
قلتُ: قد سبق الدليلُ على بطلان قّبح الكذب لنفسه. وقد وردَت الشريعةُ بمشروعيّته لمصالح راجحةٍ على مفسدته. ولو كان قبيحًا لنفسه، لما وردَت به. فرَوَت أمُّ كلثوم بنت عُقبة، قالت: "سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ليس بالكاذب مَن أصلحَ بين الناس، فقال خيرًا أو نَمَى خيرًا". رواه النسائيّ وأبو داوود والترمذيّ وصحّحه، وأخرجاه في الصحيحين؛ زاد مسلم: "لا يحلّ الكذبُ إِلاّ في ثلاثٍ: يحدِّث الرجلُ امرأتَه ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليُصلِح بين الناس". واللفظ في هذه الزيادة للترمذيّ من حديث أسماء بنت يزيد، وقال: "هو حَسنٌ غريبٌ".
[ ١٠٦ ]
قال بعض العلماء: "الكذب قد يكون واجبَا إِذا تضمّن واجبًا؛ كإِنقاذ وليّ أو مظلومٍ مِن قتلٍ أو ظُلمٍ. وقد يكون مندوبًا، كالإصلاح بين الناس. وقد يُباح، لاستصلاح الزوجة. وما عدا ذلك منه، فهو حرامٌ قبيحٌ شرعًا، للنصوص فيه".