وحاصل ما قرّرها به أنّ النكاح تَضمَّن، أو استَلزَم، معنًى تجِب إِقامتُه. لأنّه ثبت مع وجودِ المنافي. فلو لم يتضمّن ذلك المعنى، لم يجب مع وجود المنافي.
أمّا أنّه ثبت مع وجود المنافي، فلأنّ النكاح رِقُّ ومُلكٌ؛ لقوله ﵇، "النكاحُ رقُّ". ولئن نوقِشنا في عبارة "الملك والرقّ"، قلنا: هو إِثبات ولايةٍ على المرأة، واختصاصٌ بها، تُنافيه حرّيّتُها؛ لأنّ الحرّيّة تُنبِئ عن الخلوص لفظَا؛ وهي كذلك عقلًا وشرعًا، مِن حيث إنّ الله سبحانه خَلَقَ لإِقامة عباداته وتوحيده. ولن يتمكّن الإِنسان من ذلك إِلاّ إِذا اختصّ بنفسه، وانتفى عنه اختصاصُ الغيرِ به، ولأنّ الإِنسانيّة بأصلخا تقتضي الكرامةَ والاستقلالَ، فثُبوت الرقّ والملكِ والاختصاصِ يُنافي ذلك.
وأمّا أنّ ثبوته مع المنافى يقتضي أنّه تضَّمنَ، أو استَلزَم، معنًى تجب إِقامتُه، فلأنّه لو لم يكن كذلك، لَما كان إطلاقُه أولى من حظرِه.
قلتُ: هكذا قال في تقرير هذه المقدّمة. ولها تقريرٌ أقوى وأوضح من هذا. وهو أنّ الشيء مع منافيه لا يجتمعان عقلًا؛ وكذلك لا يجتمعان شرعًا، إِلاّ لمصلحةٍ راجحةٍ على مصلحة الندب، كما سبق تقريره له؛ وليس إِلاّ الواجب.
[ ١٤٣ ]
قال: "وأمّا المعنى الذي اشتَمَل عليه النكاحُ، [و] تجبُ إِقامتُه، فيكفينا إِثباتُه مجمَلًا؛ إِذ قد دلَّ عليه الدليلُ؛ لأنّ الشيء يُعرَف بذاته تارةً، وبدليله ولازِمه أُخرى. وإِن بيّنّاه، قلنا: ذلك المعنى هو التوالد والتناسل والسكن والازدواج والتوسّل به إِلى استدامة إِقامة التوحيد، باستبقاء النفس، بصيانتها عن الزنا وأسبابِ الهلاك، كما سبق. وذلك لأنّ الإبضاع لا يُباح بمطلق الإِباحة؛ فلابدّ من ضربِ حدِّ واختصاصٍ، يمنَع الغيرَ عن مشاركة الرجل في مائة؛ ليثق بأنّ الولدَ منه؛ فيقوم بتربيته والإِرضاع.
و[إِلاّ] اختّلّ أمرُ التناسلِ. ولو لم يكن له على المرأة ولايةٌ، تمنعها من الخروج والتبدُّ عليه، وتُلزِمُها المطاوَعةَ على الاستمتاع بها، لّما حصل السكنُ والازدواج".
ثمّ قال: "فإن قيل: "الإِنسان لا يأثم بترك النكاح؛ وذلك يَنقُض الوجوبَ"، قلنا: إِنما لا يأثم بالتركِ في كلّ زمانٍ؛ لأنّه واجبٌ موسًّعٌ، أو على الكفاية. على أنّ بعضهم قال: "لو تَرك النكاحَ جميع عمره، ومات من غير نكاحٍ، عوقب عليه في الآخرة".
هذا حاصل ما قَرّر به هذه القاعدةَ.