افتتَحها بأن قال: "اعلم أنّ المشرواعت كلّها مصالح، لا خلاف فيه، إِنما الخلاف في مفعولات الله ﷾. فعندنا، يجوز أن يَفعل اللهُ بعباده ما لا مصلحة لهم فيه. وعند المعتزلة، لا يجوز. وأجمعنا على أنّ الله سبحانه لا يوجِب على عباده، ولا يُشرِّع لهم فِعلًا، إِلاّ لهم فيه مصلحةٌ مخصوصةٌ، يتعلَّق بها وجوبُ شيءٍ، بحيث لا تحصل تلك المصلحة من كلّ نفلٍ أو مباحٍ".
قلتُ: هذا أوّلًا إِمّا تناقضٌ، أو سوء عبارةٍ؛ لأنّه أَوجَبَ برعاية المصلحةِ في المشروعاتِ جزءًا من مفعولات [الله]. فإِن أراد بالمشروعات "مفعولات خاصّةً، فهو سوء عبارةٍ. وإِلاّ، فهو تناقُضٌ؛ إِذ المشروعات دون مفعولات الله سبحانه. فيكون قد أتى الاعتزالَ من حيث أباه.
وتحقيق مرادِه أنّ ما اقتضاه اللهُ من خلقِه اقتضاءَ تكليفٍ، يَستلزم المصلحةَ لهم. وما اقتضاه اقتضاءَ تقديرٍ وتكوينٍ، كتقدير الآلام والمعاصي، لا يَستلزم المصلحةَ، كما سبق في الردِّ على المعتزلة في هذا الأصل، وهو رعاية الأصلح. ثمّ كان حاصلُ ما قرَّرَته القاعدةُ المذكورة أنّ مصلحة الإِيجاب الزائدة على مصلحة المباح والندب، إِمّا عاجلةٌ، أو آجلةٌ. لكنّ المصالح تختلف في ذواتها ومقدارها باختلاف الأحوال والأشخاص والأفعال. كاختلاف قَصر الصلاة وإِتمامها وجمعِها، باختلاف حالِ السفَر والحضَر؛
[ ١٣٧ ]
وسقوطِها عن المرأة ووجوبها، باختلاف حالِ الحيض والطهر شرعًا؛ والسفرِ وعدمِه للتاجر، باختلاف حال ظنِّ الربح وأمنِ الطريق، أو ظنِّ الخسرانِ وخوف اللصوص، عقلًا. وككون الفعل الواحد مصلحةً لزيدٍ، مفسدةً لعمروٍ، لاختلاف الأشخاص. وككون الأكلِ للجائع مصلحةً، والشرب له مفسدةً، لاختلاف الأفعال في ذواتها. وككون القدرِ اليسير نافعًا للشخص، دونَ الكثير من غذاءٍ أو دواءٍ، لاختلاف المقدار.
وإِذا ثبت ذلك، لم يجُز لنا الحكمُ بوجود المصلحة في الفعل، مع تَوَهُّم انعدامِها؛ لِما بَيَّنّا من لُزومِها في المشروعات. بل لابدّ من القطعِ بوجوبها. ولا يكفي جوازُ وجودِها، ولا ظنُّه؛ لمِا بيّنّا من وجوب زيادتها على مصلحة المباح والمندوب. بخِلاف القياسِ وخبرِ الواحدِ؛ حيث وَجَب العملُ بهما؛ لأنّ الدليل القطاع قام على أنّ العمل بهما مصلحةٌ؛ بخلاف ما نحن فيه.