وفيه ثلاثة عشر مبحثًا:
التيمم لغة: القصد (^١).
واصطلاحًا: استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين على قصد التطهر بشرائط مخصوصة، وعلى صفة مخصوصة (^٢).
ومما روي في سبب شرعيتها، ما رواه البخاري ومسلم: عن عائشة ﵂، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش - انقطع عقدٌ لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق، فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبوبكر ورسول الله ﷺ واضعٌ رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبوبكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير: ما هي أول بركتكم يا آل أبي بكر: قالت:
_________________
(١) انظر: مقاييس اللغة (٦/ ١٥٢).
(٢) وهو للحنفية دون زيادة على صفة مخصوصة، انظر: بدائع الصنائع (١/ ٣٠٩)، والبناية شرح الهداية (١/ ٥١٠).
[ ١٢٧ ]
فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العقد تحته) (^١).
قال ابن عبد البر «: فأنزل الله تعالى آية التيمم، وهي آية الوضوء المذكورة في سورة المائدة، أو الآية التي في سورة النساء. ليس التيمم مذكورا في غير هاتين الآيتين وهما مدنيتان» (^٢).
والتيمم من الخصائص التي خصَّ الله بها أمة الإسلام، وقد ورد في حديث جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ قال: «أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ..» الحديث متفق عليه (^٣). وعند مسلم من حديث حذيفة ﵁: (وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء) (^٤).
وقد نصَّ المولى سبحانه على بعض الحِكم من شرعة التيمم بقوله سبحانه في آية المائدة: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
فذكر سبحانه من الحِكم: رفع الحرج، وإرادة التطهير، وإتمام نعمته سبحانه بإباحته لنا التيمم، مع سائر نعمه السابقة واللاحقة، جعلنا الله من الشاكرين.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التيمم أول حديث من دون ترجمته، برقم (٣٣٤)، ومسلم في كتاب الحيض، باب التيمم برقم (٣٦٧).
(٢) التمهيد (١٩/ ٢٧٩).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، وقول الله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، برقم (٣٣٥)، ومسلم في كتاب الصلاة، باب المساجد ومواضع الصلاة، برقم (٥٢١).
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب المساجد ومواضع الصلاة، برقم (٥٢١).
[ ١٢٨ ]
وهذه الحِكم يلتفت إليها العلماء عند استنباط الأحكام.