* الوقفة الأولى: مشروعية الحجّ والعمرة ووجوب إتمامهما لمن بدأ بهما، وسواء كانت فرضًا أو تطوعًا، وهذا الحكم متفق عليه.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ فيدل على المشروعية ويقتضي وجوب إتمام الحجّ والعمرة لمن بدأ بهما، وكونه شاملًا للفرض والتطوع مأخذه العموم الوارد بدخول الألف واللام على الحجّ والعمرة، فيشمل الفرض والنفل.
_________________
(١) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٧٠).
[ ٤٧ ]
* الوقفة الثانية: وجوب الحجّ والخلاف في وجوب العمرة.
أمّا الحجّ فوجوبه أمر متفق عليه ومعلوم من الدّين بالضرورة، وأما العمرة ففي وجوبها خلاف.
ومأخذ وجوبهما من الآية ما يلي:
أولًا: إن من معاني الإتمام المأمور به: الأداء والإتيان.
قال القرطبي: «اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة لله، فقيل: أداؤهما والإتيان بهما، كقوله: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أي ائتوا بالصيام، وهذا على مذهب من أوجب العمرة» (^١).
ثانيًا: بقراءة ﴿وأقيموا الحجّ والعمرة لله﴾ (^٢) على أن القراءة الشّاذة حجة.
ثالثًا: إذا كان الإتمام واجبًا؛ فإنّ الأداء واجب.
وهذا المأخذ فيه نظر، قال ابن القصار: «فيقال لهم هذا غلط؛ لأنّه من أراد أن يفعل السنة فواجب أن يفعلها تامّة، كمن أراد أن يصلي تطوعًا، فيجب أن يكون على طهارة …» (^٣).
قال القرطبي: «في هذه الآية دليل على وجوب العمرة؛ لأنه تعالى أمر بإتمامها كما أمر بإتمام الحج …» (^٤). ثم ساق آثارًا تدل على وجوب العمرة، ثم قال: «وأمّا الآية فلا حجة فيها للوجوب، لأنّ الله سبحانه إنما قرنها في وجوب
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٦٥).
(٢) انظر: تفسير البغوي (١/ ٢٤١)، حدائق الروح والريحان للهرري (٣/ ٢٠٠).
(٣) أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٣٤).
(٤) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٦٨).
[ ٤٨ ]
الإتمام لا في الابتداء …» (^١).
واستدل من قال بوجوب العمرة إضافة إلى ما سبق:
أولًا: قراءة ﴿والعمرةُ لله﴾ بالضّم، وقد كان يقرأ بها من الصحابة ابن عمر وابن عباس ﵄، وهي بذلك تكون خبرًا بمعنى الأمر.
ثانيًا: بدليل الاقتران، وقد استأنس الشافعي على وجوب العمرة به؛ ولقول ابن عباس ﵄: والذّي نفسي بيده إنّها لقرينتها في كتاب الله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٢)
أمّا القائل بأنّ الآية لا تدل على الوجوب ابتداء، وإنّما تدل على وجوب الإتمام بعد الشروع فيهما فقط. فمأخذه نص الآية، فإنّ الأمر بالإتمام، فلا يتعدى لغيره كما سبق في قول القرطبي.
ويشهد أنها للإتمام لا للابتداء ورودها بعد حكم المحصر، الذي لم يتمّ الحجّ والعمرة، كما أنّهم أيدوا عدم وجوبها بأدلة أخرى مثل قوله ﵊: «بني الإسلام على خمس» (^٣) وذكر منها حج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلًا، ولم يذكر العمرة.
تنبيه: للخلاف في معنى الإتمام أثر كبير على كثير من مسائل الحج والعمرة، إذ إن من معاني الإتمام غير ما تقدم: الإتيان بها خالصة لله، ويقوي هذا المعنى قوله سبحانه ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ وبُني عليه الخلاف في التجارة في الحج وسيأتي
_________________
(١) المصدر السابق (٢/ ٣٦٩).
(٢) انظر: تفسير الشافعي (١/ ٤٨٤)، التفسير الكبير للرازي (٥/ ٢٩٧)، الدر المنثور (١/ ٥٠٤).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب الإيمان، برقم (٨)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، برقم (١٦).
[ ٤٩ ]
حكمهما عند قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
ومن معاني الإتمام: الإتيان بها كاملة؛ ولذا اختلف الصحابة في كيفية ذلك، فعن عمر ابن الخطاب ﵁: إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما من غير تمتع وقران (^١) … وفسَّر علي ﵁ وغيره من الصحابة الإتمام بأن تحرم بهما من دويرة أهلك (^٢). وهذا يقتضي جواز الإحرام بهما قبل الميقات.
والإحرام قبل الميقات أجازه العلماء، بل نقل بعضهم كابن المنذر وابن قدامة الإجماع على جوازه.
قال ابن قدامة: «لا خلاف في أن من أحرم قبل الميقات يصير محرمًا، وتثبت في حقه أحكام الإحرام» (^٣).
وإنّما الخلاف في أيهما أفضل الإحرام من قبل الميقات أو من الميقات، والجمهور على أنّه من الميقات.
* الوقفة الثالثة: من المسائل التي تبنى على معنى " الإتمام " القول بوجوب النّية.
قال القرطبي: «لا خلاف بين العلماء فيمن شهد مناسك الحج وهو لا ينوي حجا ولا عمرة- والقلم جار له وعليه- أن شهودهما بغير نية ولا قصد غير مغن عنه، وأن النية تجب فرضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ ومن تمام العبادة حضور
_________________
(١) نسب تخريجه السيوطي في الإكليل (١/ ٣٧٣) إلى عبد الرزاق في تفسيره، ولم أجده فيه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٤٣٧)، والقرطبي في جامعه للأحكام (٣/ ٣٦٦)، وفيه انقطاع بين الزهري وعمر ﵁.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب التفسير، (٢/ ٢٧٦). وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال ابن حجر: إسناده قويّ. انظر: التلخيص الحبير (٤/ ١٥٢٧).
(٣) المغني (٣/ ٢٥٠).
[ ٥٠ ]
النّية، وهي فرض كالإحرام عند الإحرام» (^١).
ومن المسائل التي تبنى على معنى " الإتمام ": القول بأن من أفسد حجه أو عمرته؛ فإنّه يمضي عليهما ثم يقضي.
ومأخذه: أن الله أمر بالإتمام، والأمر يقتضي الوجوب، ولم يفرق بين الصّحة والفساد.
ومنها: من قال إنّ القارن إذا خاف فوات الوقوف بعرفة ليس له رفض العمرة؛ لأنّ الأمر بالآية يقتضي وجوب إتمامها.
ومنها: من قال بأن المعتمرة إذا حاضت قبل الطواف، وضاق عليها وقت الحج، فإنّ الواجب عليها، أن تردف الحج ولا ترفض العمرة، وتصير قارنة، وبذلك يتحقق لها معنى إتمام العمرة الوارد في الآية.
ومنها: من قال بمشروعية التحلل من الحج الفاسد إلى عمرة؛ لأنّ الله تعالى أمر بإتمام الحج، ولم يمكن إتمامه، فانقلب عمرة، وهي العبادة التي يمكن إتمامها.
وأجيب: بأن الله ﷾: إنّما أمر بإتمام ما دخل فيه، ولم يأمره أن يتم غيره، وعليه فلا يصح الاستدلال بالآية.
ومنها: من قال بأن من بلغ قبل الوقوف بعرفة يجب عليه إتمام حجه وعمرته، وتكونان نافلة.
وذهب أبو حنيفة إلى جواز رفضها وعدم إتمامها، وتجديد الإحرام بعد البلوغ ويكون الحج فريضة.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٦٩).
[ ٥١ ]