فتحمل الآية على عمومها في المواضيع حتى يأتي ما يخصصها.
* الوقفة السابعة: جواز تقديم الفدية على الحلق، قاله الأوزاعي.
ومأخذه: تقدير " إن أراد أن يحلق " بعد ذكر الفدية، أي فالتقدير: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ إن أراد أن يحلق، على قاعدة أن المقدّر كالملفوظ.
• القسم الرابع: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦]
وأقف مع الآية ثنتي عشرة وقفة:
* الوقفة الأولى: مشروعية نسك التمتع ووجوب الهدي عليه، وقد اتفق العلماء على أن التمتع الذي هو الاعتمار في أشهر الحج، ثم الحج من عامه أنّه مراد في الآية.
مأخذ الحكم: دلّ إيجاب الهدي - وهو دم شكران لا جبران على مشروعية التمتع، ووجوب الهدي مأخذه التقدير الوارد في الآية، وتقديره: فالواجب عليكم ما تيسر، أو فعليكم ما تيسر من الهدي، وتكون صيغة الأمر فيه واردة بأسلوب اسم الفعل، وهو (عليكم) أو (فعليكم) وإن شئت قلت حرف (على) الدَّالة على الوجوب.
تنبيه: اختلف العلماء في جواز الاشتراك في الهدي الواجب، فأجازه الشافعي وأحمد، وكذا أبوحنيفة، إذا أراد جميعهم الفدية وممنوع إذا أراد
[ ٥٨ ]
بعضهم اللحم، ومنع الاشتراك الإمام مالك، واحتج بأن ظاهر الآية يقتضي هديًا كاملًا، والجماعة إذا اشتركوا في هدي لم يتقرب كل واحدٍ منهم إلّا ببعض هدي.
* الوقفة الثانية: أن العمرة في أشهر الحج متعة عند الحسن البصري، وإن لم يحج.
مأخذه: أن (إلى) في قوله: ﴿بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ بمعنى (في).
قال الموزعي: «وهو جائز في اللسان» (^١) ثم أورد شواهد من شعر العرب تدل على ذلك.
* الوقفة الثالثة: أن من اعتمر ثم رجع إلى أهله ثم حجّ من عامه فهو متمتع.
مأخذ الحكم: ظاهر الآية وإطلاق الحكم فيها، فلم يفرق بين أن يكون نسك العمرة والحج في سفرٍ واحدٍ، أو في أكثر من سفر.
قال القرطبي: «قال ابن المنذر: وحجته ظاهر الكتاب قوله ﷿: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ ولم يستثن: راجعا إلى أهله وغير راجع، ولو كان لله جل ثناؤه في ذلك مراد لبينه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ» (^٢).
* الوقفة الرابعة: كفارة من لم يجد الهدي على الترتيب بلا خلاف.
ومأخذ الحكم: مفهوم الشرط في قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ ومفهومه أن من كان واجدًا للهدي فليس له أن ينتقل للصيام.
_________________
(١) تيسير البيان (١/ ٣٤١).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٩٦).
[ ٥٩ ]
* الوقفة الخامسة: أن من لم يجد الهدي، فيجب عليه صيام ثلاثة أيام في الحج.
ومأخذ الحكم:
أولًا: وجوب الصيام في التقدير الوارد في الآية، أي: فعيله صيام ثلاثة أيام و(على) من ألفاظ الوجوب.
وثانيًا: كونها في الحج، دلّ عليه مفهوم ظرف الزمان، ومفهومه أنها لا تصح ولا تجزئ قبل أن يحرم بالحج.
قال القرطبي: «فإن قوله: (أيام الحج) يحتمل أن يريد موضع الحج، ويحتمل أن يريد أيام الحج؛ فإن كان المراد أيام الحج فهذا القول صحيح (^١)؛ (يقصد قول الشافعية أن الصيام ما بين أن يُهِلّ بالحج إلى يوم عرفة يعتبر أداء، وأيام منى قضاء) لأنّ آخر أيام الحج يوم النحر، ويحتمل أن يكون آخر أيام الحج أيام الرمي؛ لأن الرمي عمل من عمل الحج خالصًا وإن لم يكن من أركانه. وإن كان المراد موضع الحج صامه ما دام بمكة في أيام منى، كما قال عروة، ويقوى جدًا» (^٢).
* الوقفة السادسة: اختلف العلماء في اشتراط التتابع في صيام الأيام الثلاث.
ومأخذ الحكم: أما من لم يشترط التتابع؛ فلأن ظاهر إطلاق الآية يدل على عدم اشتراطه.
وأمّا من اشترطه التتابع فمأخذه حجية القراءة الشاذة الواردة فيه، وقد ورد في قراءة شاذة (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (^٣).
_________________
(١) يقصد قول الشافعية أن الصيام ما بين أن يُهِلّ بالحج إلى يوم عرفة يعتبر أداء، وأيام منى قضاء.
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٠٠).
(٣) انظر: تفسير عبد الرزاق (٢/ ٢٤)، والطبري (١٠/ ٥٥٩)، والدر المنثور (١/ ٥١٩).
[ ٦٠ ]
* الوقفة السابعة: وجوب صيام سبعة إذا رجع إلى أهله.
ومأخذ وجوب الصوم ما سبق، في تقدير (فعليكم صيام)، كما أن في قراءة ﴿وَسَبْعَةٍ﴾ بالنصب، دلالة على الوجوب؛ إذ التقدير: وصوموا سبعةً.
أمّا كونه إذا رجع إلى أهله، فمفهوم الشرط في قوله: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ ومفهومه أنّها لا تصام في الحج، أي: إذا رجعتم فصوموا.
قال ابن عثيمين ﵀: «إن صيام السبعة لا يجوز في أيام الحج؛ لقوله تعالى ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (^١).
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، والخلاف في مفهوم الرجوع هل هو إلى بلادكم، أو يجوز في الطريق، أو الرجوع إلى الإحلال بعد الإحرام، أو الرجوع من منى … ونقل ابن العربي عن القاضي قوله: «وتحقيق المسألة أن قوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إن كان تخفيفًا ورخصة فيجوز تقديم الرخص وترك الرفق فيها إلى العزيمة إجماعا، وإن كان ذلك توقيتًا فليس فيه نص ولا ظاهر أنه أراد البلاد، وإنما المراد في الأغلب والأظهر فيه أنه الحج» (^٢) انتهى (^٣)، ويكون مقصوده الرجوع من منى لا إلى بلاده، والله أعلم.
* الوقفة الثامنة: أن الأيام عشرة لا تنقص ولا يزاد عليها.
ومأخذ الحكم: مفهوم العدد في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.
_________________
(١) تفسير القرآن الكريم، سورة البقرة (٢/ ٤٠٩).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٨٥).
(٣) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٨٥).
[ ٦١ ]
قال الشوكاني: «وقوله: ﴿كَامِلَةٌ﴾ توكيد أخر بعد الْفَذْلَكَةِ لزيادة التوصية بصيامها، وأنه لا ينقص من عددها» (^١).
وقال بعض أهل العلم إن لفظ قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ خبر بمعنى الأمر، أي: أكملوها ولا تنقصوها ذلك، وهذا الحكم متفق عليه، وإنّما الخلاف فيما إذا فات المتمتع صيام الأيام الثلاثة في الحج، فهل يجب عليه صيام السبعة الباقية أم تسقط عنه ويتعين عليه الدّم؟ وبسط هذا في كتب الفقه.
* الوقفة التاسعة: أن الحلق أفضل من التقصير، وهو محل اتفاق.
ومأخذه: وروده في كتاب الله ﷾ في قوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ الآية ولم يقل تقصروا.
* الوقفة العاشرة: عدم جواز تقديم الحلق على الهدي.
قال القرطبي: «لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه، وذلك أن سنة الذبح قبل الحلاق. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وكذلك فعل رسول الله ﷺ، بدأ فنحر هديه ثم حلق بعد ذلك» (^٢).
ومأخذ الحكم: النّهي ومفهوم الغاية فيه أنّه إذا بلغ الهدي محله، فللمحرم أن يحلق رأسه.
وقد ورد في السّنة من حديث عبد الله بن عمرو جواز تقديم الحلق على الهدي، وعدم وجوب الدم للناسي والجاهل، ففي الحديث: (… فما سمعته
_________________
(١) فتح القدير (١/ ٢٢٧).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٨٢).
[ ٦٢ ]
سئل يومئذ عن أمر شيء، مما ينسى المرء ويجهل، من تقديم بعض الأمور قبل بعض، وأشباهها، إلا قال رسول الله ﷺ: «افعلوا ذلك، ولا حرج») رواه مسلم (^١).
قال الموزعي: «وأمّا حديث عبد الله بن عمرو فإنّه وإن ورد في الناسي والجاهل، فلا يدل على منعه في العامد، والله أعلم» (^٢).
قلت: وذلك أن ما خرج مخرج الجواب عن سؤال لا مفهوم له كما هو مقرر في علم أصول الفقه، كما أن الحديث يكون صارفًا للنّهي الوارد في الآية عن التّحريم وربما كان للكراهة هنا.
قال الشاطبي: «… فلذلك إذا قال الشارع في أمر واقع: "لا حرج فيه"؛ فلا يؤخذ منه حكم الإباحة، إذ قد يكون كذلك، وقد يكون مكروها، فإن المكروه بعد الوقوع لا حرج فيه؛ فليتفقد هذا في الأدلة» (^٣).
أمّا الدّم - على من قدَّم الحلق على الهدي - فلو كان واجبًا لبيّنه النّبي ﷺ؛ لأنّه وقت الحاجة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.
* الوقفة الحادية عشرة: أن المكي هل له متعة؟.
فذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا متعة له، وذهب الجمهور إلى أن له متعة.
ومأخذ الحكم: الخلاف في رجوع اسم الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فقال أبو حنيفة: إنّ الإشارة تعود إلى صحة التمتع المترتب عليه هذه الكفارة، فلا يصح لحاضري المسجد الحرام تمتع ولا قران.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي، برقم (١٣٠٦).
(٢) تيسير البيان (١/ ٣٢٨).
(٣) الموافقات (١/ ٢٣١).
[ ٦٣ ]
ومأخذ الجمهور ظاهر عموم الآية، في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ و(مَنْ) من ألفاظ العموم، وأما اسم الإشارة فإنه يعود للدم وليس للتمتع - كما سيأتي - في الوقفة التالية فلم تفرق الآية بين المكي وغيره.
* الوقفة الثانية عشرة: أن المكي المتمتع لا هدي عليه عند الجمهور.
ومأخذ الحكم: رجوع اسم الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يرجع إلى الهدي، وجعلوا اللام في قوله: ﴿لِمَنْ﴾ بمعنى (على)، أي: وجوب الدّم على من لم يكن من أهل مكة، كما أن الجمهور يرى أن دم المتمتع دم جبران؛ لترك الإحرام بالحجّ من الميقات.
تنبيه: الحنفية كما سبق يرون أن المكي لا متعة له، ولا قران، فإنّ تمتع وجب عليه الدّم، وهو دم جناية لا يأكل منها.
* * *
قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧]
استدل بالآية على أحكام، أقف معها ثمان وقفات:
* الوقفة الأولى: أن الحج في زمن مخصوص، وهذا حكم متفق عليه.
ومأخذ الحكم: أن العلماء قدروا محذوفًا ومضمرًا في الآية، فقالوا: (وقت الحج في أشهر معلومات) أي: إنّ الحج في أشهر معلومات.
ثم اختلفوا في تحديد أشهره، والجمهور على أنّه: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحج، ثم اختلفوا في يوم النحر هل هو منها؟ يرجع في ذلك إلى
[ ٦٤ ]
كتب الخلاف.
ومن العلماء من جعل لفظ ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ خبر بمعنى الأمر، أي: أشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، فمن أراد الحج فليبدأ بالإحرام من شوال إلى عشرة ذي الحجة.
* الوقفة الثانية: لا يجوز الاحرام بالحج إلّا في أشهره عند الشافعي، فلا يجوز فرضه قبل أشهره.
ومأخذه: أن الإحرام من جملة الحج، ووقت الحج أشهر معلومات.
* الوقفة الثالثة: جواز الاعتمار في جميع السنة، وهذا حكم متفق عليه.
ومأخذه من الآية هو: إن تخصيص الله ﷾ الحج بالتوقيت يفهم أن العمرة ليست مثله بدلالة مفهوم الظرف الزّماني في الآية، فليس للعمرة وقت مخصوص، أمّا الحج فهو في أشهر معلومات.
* الوقفة الرابعة: أن فرض الحج والعمرة ينعقدان بالنّية دون النطق.
ومأخذه: أن معنى ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ﴾ ألزم نفسه، وبالنية يتحقق ذلك (^١)، وعليه لا يشترط معها نطق أو سوق هدي.
* الوقفة الخامسة: وجوب أخذ الزاد للحج، حتى لا يتكل على سؤال الناس.
مأخذ الحكم: سبب النزول وهو قطعي الدخول، وقد نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد، ويقول بعضهم: نحن المتوكلون،
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٠٦).
[ ٦٥ ]
ويقول بعضهم: كيف يحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فكانوا يبقون عالة على الناس فنهوا عن ذلك وأمروا بالتزود.
* الوقفة السادسة: تحريم الجماع وهو المعبر عنه بالرّفث.
ومأخذ الحكم هو ورود النهي بصيغة الخبر، فهو خبر بمعنى النّهي، وهي أبلغ من صيغة النهي كما يذكره أهل الأصول والبلاغة وقد سبق الإشارة إلى ذلك.
ويترتب على الرّفث أحكام منها: إفساد الحج، وهذا هو مقتضى النهي وهو الفساد، ووجوب الكفارة فيه، والمضي في فاسده، وتفصيل ذلك في كتب الفقه والخلاف.
منها: إذا فرض الحج في غير أشهره فله أن يرفث، وذلك يستلزم صحة فرضه.
ومأخذه: مفهوم ظرف الزّمان في قوله ﴿فِيهِنَّ﴾ أي: في أشهر الحج المعلومات.
ومنها: أن من وطئ ناسيًا بطل حجه.
مأخذه: أنّ الشّارع أطلق النّهي في كل من رفث، ولم يفرق بين عمده وخطئه، والنهي يقتضي الفساد.
* الوقفة السابعة: النّهي عن الفسوق فسّرها ابن عباس بأنها: المعاصي كلها لا يختص بشيء دون شيء. وفسّرها ابن عمر بالمثال، فقال: كقتل الصيد وغيره وقيل: غير ذلك.
[ ٦٦ ]
مأخذ الحكم: ما سبق أنه خبر بمعنى النهي، والأصل فيه التحريم والفساد، وقد فُسِّر بقول الصحابي، وتفسير الصحابي حجة.
* الوقفة الثامنة: النّهي عن الجدال، وفسر بالسّباب، أو مماراة المسلم حتى يغضب وفُسِّر بغير ذلك.
ومأخذه: كونه محظورًا من محظورات الحج لورود النهي عنه بصيغة الخبر كما سبق.
تنبيه: النهي عن الفسوق والجدال لا يختص بحالٍ، وإنّما خصّه الله سبحانه بمن فرض الحج تعظيمًا وتفخيمًا لشأن الحج.
* * *
قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ١٩٨ - ٢٠٠]
يستنبط من الآيات أحكام أقف معها أربع وقفات:
* الوقفة الأولى: جواز التجارة في الحج، وقد قرأ ابن الزبير ﵄: (في مواسم الحجّ).
مأخذ الحكم: يدل عليه نفي الحرج في الفعل - وقد سبق في حكم الطواف بين الصفا والمروة - ويؤكد جواز التجارة: ما ورد عن ابن عباس ﵄ في سبب نزول الآية حيث قال: كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، فلما جاء
[ ٦٧ ]
الإسلام، كأنهم كرهوا ذلك، حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في مواسم الحج﴾ أخرجه البخاري (^١).
* الوقفة الثانية: وجوب الوقوف بعرفة، وهو ركن من أركان الحج باتفاق.
دلّ عليه قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ ثم قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. وفيها دليل أن المولى ﷾ قد أمرهم بالوقوف بعرفة قبل إفاضتهم منها.
وقال الموزعي: عن قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ «وهذه الآية أصرح وأبين في الدّلالة على الوجوب من التي قبلها؛ فإنّ الله ﷾ أمرنا بالإفاضة من حيث أفاض الناس، فأوجب الحصول في مكان ابتداء الإفاضة الذي يفيض منه النّاس، وهو عرفات» (^٢).
مأخذ الحكم: هو الأمر الوارد بقوله: ﴿أَفِيضُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب، والمراد بالإفاضة هنا: الإفاضة من عرفات، وهو قول جماهير المفسرين، بل حكى فيه الطبري الإجماع، ولم يخالف فيه إلّا الضّحاك، وهو محجوج بالإجماع، وكان الناس، وهم العرب ما خلا قريشًا تتجاوز المزدلفة، وتقف بعرفات، وتفيض منها.
تنبيه: لم يذكر المولى ﷾ في كتابه وقت الوقوف، ولا وقت الإفاضة، وبيّنه ﷺ بفعله، فوقف بها إلى أن غربت الشمس، ثم دفع فجمع بين الليل والنهار.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، برقم (٤٥١٩).
(٢) تيسير البيان (١/ ٣٦٣).
[ ٦٨ ]
تنبيه آخر: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ بعد قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ يدل عند البعض أن (ثمّ) في الآية ليست لترتيب الحكم، بل هي للتّرتيب الذّكري، وعليه فلم تخرج (ثم) هنا عن موضوعها.
وقيل: ليست (ثمّ) في هذه الآية للترتيب، وإنّما هي لعطف جملة كلام على جملة كلام، هي منقطعة منها. قال الطبري: في الكلام تقدير وتأخير وبيّن ذلك، وذكر ابن العربي أجوبة منها: «أن معناه: ثم ذكرنا لكم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فيرجع التعقيب ب (ثم) إلى ذكر وجود الشيء لا إلى نفس الوجود» (^١). ويرجع إلى تفاصيل ذلك في كتب التفسير.
* الوقفة الثالثة: مشروعية النزول بالمزدلفة باتفاق إلّا أن الخلاف في كونه المبيت بها ركنًا أو واجبًا أو سنة، بل حكى عن بعض السّلف أنّه ليس بنسك، وإنّما هو منزلٌ إن شاء نزله، وإن شاء تركه، والأخير ضعيف جدًا، بل غلط ظاهر؛ لمخالفة الكتاب والسنة.
قال الموزعي ورجّح كونه واجبًا قال: «لموافقته القرآن، ولحديث عروة بن مضرس ﵁» (^٢). وحديث عروة وفيه أنه أتى النبي ﷺ بجمع -أي مزدلفة - وقال للنبي ﷺ هل لي من حج؟ فقال ﵊: «من صلى هذه الصلاة معنا، ووقف هذا الموقفَ حتى يُفيضَ، وأفاض قبل ذلك من عرفات ليلًا أو نهارًا، فقد تمَّ حجُّهُ، وقضى تَفَثَهُ» (^٣) وتفصيل ذلك في كتب الفقه.
_________________
(١) أحكام القرآن (١/ ١٩٦).
(٢) تيسير البيان (١/ ٣٦٠).
(٣) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، برقم (٣٠٤٢)، وصححه الألباني.
[ ٦٩ ]
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾، وهو على أصله، أي الوجوب.
* الوقفة الرابعة: مشروعية الذّكر في المشعر الحرام، وهو أمر مجمع عليه.
قال الموزعي: «قال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث: المشعر الحرام: جميع المزدلفة وذكر الله سبحانه يقع على التلبية والصلاة والمبيت إن لم يصحبه ذكر؛ لأنّه من مناسك الحج، والمناسك ذكر؛ لأنّها انقياد وتسليم لله ﷾» (^١).
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ ودار الأمر هنا بحسب تفسير الذكر إلى واجب وهو الأصل، وإلى ندب، والواجب كالصلاة، والمبيت عند أكثر أهل العلم.
والمندوب من الذكر كالتلبية والدعاء صبيحة يوم العيد بالمزدلفة وغير ذلك.
تنبيه: ورد الأمر بذكر الله أيضًا عند انقضاء المناسك بقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ ونقل ابن عباس ﵄ في سبب نزولها أن العرب كانت إذا قضت مناسكها، أقاموا بمنى يقوم الرجل فيقول: (اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة، عظيم القُبة، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيت لأبي فنزلت الآية، وأمروا بذكر الله عوضًا من ذلك) (^٢).
وورد الذكر مقيدًا في أيام معدودات وسيأتي في الآية التالية.
_________________
(١) تيسير البيان (١/ ٣٥٦).
(٢) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٦٦).
[ ٧٠ ]
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]
وفيها من الأحكام المستنبطة ما يلي:
* الوقفة الأولى: مشروعية ذكر الله في الأيام المعدودات، وهي: ثلاثة أيام بعد يوم النحر على خلاف بين أهل العلم، وتسمى أيام التّشريق، وأيام منى. وأمر الله ﷻ بذكره فيها لشرفها.
مأخذ الحكم: صيغة الطلب ﴿وَاذْكُرُوا﴾ وهي هنا دائرة بين الوجوب والنّدب.
فإذا فسر الذكر في هذه الأيام بالرّمي فهي للإيجاب، وإن كان مطلق الذكر كالتّكبير فهو للنّدب وقد سبق.
* الوقفة الثانية: مشروعية التعجل في يومين للمكي وغيره.
ومأخذ الحكم: قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ونفي الإثم يدل على المشروعية، والجواز والإباحة.
وكونه للمكي وغيره: أخذًا من عموم (مَنْ) في قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾ وهي من ألفاظ العموم.
فائدة قال ابن الجوزي: " وفي معنى ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ ثلاثة أقوال: أحدها: لمن اتقى قتل الصيد، قاله ابن عباس. والثاني: لمن اتقى المعاصي في حجه، قاله قتادة. وقال ابن مسعود: إنما مغفرة الله لمن اتقى الله في حجه. والثالث: لمن اتقى فيما بقي من عمره، قاله أبو العالية، وإبراهيم " انتهى (^١).
_________________
(١) زاد المسير (١/ ١٦٩).
[ ٧١ ]
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]
* الوقفة الأولى: استدل بالآية على وجوب الحج، وهو أمر متفق عليه، ومعلوم من الدّين ضرورة.
ومأخذ الحكم: ورد في الآية لام الايجاب، ولفظ: " على " الدّالة على الوجوب أيضًا.
قال القرطبي: «قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ﴾ اللام في قوله ﴿وَلِلَّهِ﴾ لام الإيجاب والإلزام، ثم أكده بقوله تعالى: ﴿عَلَى﴾ التي هي من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب، فإذا قال العربي: لفلان علي كذا، فقد وكّده وأوجبه. فذكر الله تعالى الحج بأبلغ ألفاظ الوجوب تأكيدًا لحقه وتعظيما لحرمته، ولا خلاف في فريضته» (^١).
* الوقفة الثانية: أن من جحد وجوبه فهو كافر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس ﵄: (من كفر بفرض الحج، ولم يره واجبًا) (^٢) ووسّع العلماء الحكم ليشمل كل من جحد حكمًا معلومًا من الدّين ضرورة فهو كافر.
ومأخذ الحكم: التفسير السابق عن ابن عباس ﵄ مع ضميمة ذكر غنى الله عنه في الآية.
قال الرازي معددًا مؤكدات وجوب الحج في الآية: " وسادسها: ذكر الاستغناء، وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان " (^٣).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٤/ ١٤٢).
(٢) انظر: تفسير الماودري المسمى بالنكت والعيون (١/ ٤١١).
(٣) التفسير الكبير (٨/ ٣٠٦).
[ ٧٢ ]
* الوقفة الثالثة: أن وجوب الحج على المستطيعين، ثم اختلف العلماء في ضبط الاستطاعة، ومرجع ذلك إلى كتب الفقه.
ومأخذ الحكم: أن قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ بدل من النّاس، وهو بدل بعض من كل، وكأن المولى ﷾ قال: (ولله على المستطيعين حجّ البيت).
والبدل نوع من المخصصات المتصلة، وهو مخصص لعموم (النّاس) المتقدم.
* الوقفة الرابعة: وجوب الحج على الكافر والعبد والمرأة الحرّة المستطيع منهم.
مأخذ الحكم: عموم لفظ (النّاس) حيث إنّه اسم جنس معرف، يفيد العموم.
* الوقفة الخامسة: الخلاف في وجوب الحجّ كل سنة أو في العمر مرّة واحدة؟
ومأخذ الحكم: الخلاف هو في الأمر المطلق هل يقتضي التكرار؟ وعلى القول بأنّه يقتضي التكرار، أي: هل يجب الحجّ كل عام؟ أما في الحج فإنّه لا يجب كل عام؛ لكونه غير مطلق في الشرع بل مقيد في العُمر، فلا يجب في العمر إلا مرّة واحدة.
وبيان ذلك من السنة النبوية، وقد سُئل النبي ﷺ في حجة الوداع: أحجُنا لعامنا هذا، أم للأبد؟ - يعني: هل يجزئنا حجنا عن عامنا هذا فقط، فنحتاج إلى تكرير حجّ في كل سنة، أو يجزئنا للأبد؟ فقال ﷺ: «للأبد» (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في أبواب العمرة، باب عمرة التنعيم، برقم (١٧٨٥).
[ ٧٣ ]
* الوقفة السادسة: أن كل من استطاع على الحج فإنّه يجب عليه المبادرة، ولا يجوز تأخيره عند بعض العلماء.
مأخذ الحكم: كون الأمر المطلق يقتضي الفور، وعليه فإن من أخرها وهو متمكن من أدائها كان عاصيًا. أما القائل بأن الأمر لا يقتضي الفور فإنه أجاز له تأخيرها ولو كان متمكنًا من أدائها ..
* * *
قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وفيه وقفة واحدة حيث:
دلت الآية على مشروعية وإباحة الاصطياد بعد التحلل، مما يدل على كونه محظورًا حال الإحرام.
ومأخذ الحكم: مفهوم الشرط إذ يدل على أننا إذا لم نتحلل، أي: كنا حُرُمًا؛ فإنّه يحرم علينا الصّيد.
* * *
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٥ - ٩٦]
ومعها وقفة واحدة وهي: حرمة الاصطياد حال الإحرام، وكونه محظورًا من محظورات الإحرام.
[ ٧٤ ]
* ومأخذ الحكم يتضح بالوجوه التالية:
أولًا: صيغة النّهي الصريحة ﴿لَا تَقْتُلُوا﴾ والنهي يقتضي التحريم.
ثانيًا: وجوب الكفارة على من فعل ذلك.
ثالثًا: عفو الله ومغفرته لمن فعل ذلك، بقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ ولا يكون العفو إلّا من ذنب.
رابعًا: التهديد بقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾
خامسًا: ختم الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾
سادسًا: قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ بلفظ التّحريم وهو صريح ونصَّ في التّحريم.
قال ابن القيم: في الفصل المعقود للألفاظ الدّالة على التحريم قال: «… وكل فعل طلب الشرع تركه …، أو جعل سببًا لنفي الفلاح أو العذاب عاجل أو آجل، … أو حلول نقمة … فهذا ونحوه يدل على المنع من الفعل، ودلالته على التّحريم أطرد من دلالته على مجرد الكراهة» (^١).
ومما يستنبط من الآية: وجوب الفدية على من قتل الصيد، وهو محرم متعمدًا.
ومأخذ الحكم: التقدير الوارد على الآية، قال القرطبي: «التقدير فعليه جزاء مماثل أو لازم من النعم» (^٢)، ومعلوم أن لفظ "على" في الشارع تدلُّ على الوجوب، والمقدَّر كالملفوظ.
_________________
(١) بدائع الفوائد (٤/ ٤ - ٦).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٣٠٩).
[ ٧٥ ]
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]
ومعه وقفة واحدة مع ما تضمنته الآية من منع المشركين - ككفار مكة وغيرهم - من الحجّ بعد هذا العام الذي بعث فيه النّبي ﷺ أبابكر ثم أردف ﷺ بعليٍّ فأمره أن يؤذن بسورة براءة؛ لإعلام النّاس بألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (^١).
مأخذ الحكم: النهي الوارد بقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ ووصفهم بالنّجس مما يدل على وجوب اجتنابهم للمسجد الحرام.
* * *
قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٩]
ونقف معها أربع عشرة وقفة:
* الوقفة الأولى: وجوب الحج.
مأخذ الحكم: ورد الأمر من المولى ﷾ بالأذان بالحج، والمعنى: أعلمهم أن عليهم الحج، وسواء قلنا إنّ المخاطب النبي ﷺ، والواو في قوله: ﴿وَأَذِّنْ﴾
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك، برقم (١٥٤٣)، ومسلم كتاب الحج، باب لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وبيان يوم الحج الأكبر، برقم (١٣٤٧).
[ ٧٦ ]
للاستئناف، أي إن الخطاب كان لإبراهيم ﵇ في قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦]، ثمَّ خاطب المولى ﷾ النبي ﷺ بقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، أو أن المخاطب بذلك إبراهيم ﵇، وشرعه شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه، وليس في شرعنا ما يخالفه.
قال القرطبي: «لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت، وقيل له: ﴿أذن في الناس بالحج﴾ … وقيل: إنّ الخطاب لإبراهيم ﵇ تمّ عند قوله ﴿السُّجُودِ﴾ ثم خاطب الله ﷿ محمّدًا ﵊ فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾؛ أي: أعلمهم أن عليهم الحج. وقول ثالث: إنّ الخطاب من قوله: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج: ٢٦] مخاطبة للنبي ﷺ. وهذا قول أهل النظر؛ لأنّ القرآن أنزل على النبي ﷺ، فكل ما فيه من المخاطبة فهي له إلّا أن يدل دليل قاطع على غير ذلك، وهاهنا دليل آخر يدل على أن المخاطبة للنبي ﷺ وهو: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي﴾ بالتاء، وهذا مخاطبة لمشاهد، وإبراهيم ﵇ غائب» (^١).
* الوقفة الثانية: استدل بعض العلماء بالآية على سقوط فرض الحج بالبحر.
ومأخذ الحكم: عدم ذكره في الآية.
قال القرطبي: «قال مالك في الموازية: لا أسمع للبحر ذكرا، وهذا تأنس، لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه؛ وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر فيأتيها الناس في السّفن، ولا بد لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة إما راجلا وإما على ضامر، فإنما ذكرت حالتا الوصول» (^٢) - يعني إلى مكّة -.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٣٨).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٤٠).
[ ٧٧ ]
* الوقفة الثالثة: تفضيل المشي على الركوب في الحجّ، وهو قول كثير من أهل العلم.
مأخذ الحكم: لتقديم الله سبحانه له في الذكر، واستدلوا على ذلك ببعض الأثار لقوله ﵇: (إنّ للحاجِّ الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبيعين حسنة، والماشي بكل خطوة سبع مئة حسنة) (^١) والحديث ضعيف (^٢).
تنبيه: من ذهب إلى أن الركوب أفضل؛ فلأجل الاقتداء بالنبي ﷺ، وقد قال ﵊: «لتأخذوا عني مناسككم» (^٣)، ولأجل كثرة النفقة. وقوله ﵊ لعائشة: «ولكنها على قدر نصبك، أو قال: نفقتك» (^٤) يحتمل الأمرين.
وذهب بعض أهل العلم أن النبي ﷺ إنّما حجّ راكبًا حتى يظهر ليقتدى به ويستفتى.
ولا خلاف بين أهل العلم في جواز الرّكوب والمشي، وإنّما الخلاف في الأفضل منهما.
* الوقفة الرابعة: جواز التجارة في الحجّ، من قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾.
واللام للتعليل، وفسِّرت المنافع بالتجارة، وأكثر المفسرين على أنّها تشتمل منافع الدّين والدّنيا، وتدخل التّجارة تبعًا.
قال الجصاص: «فاقتضى ذلك أنهم دعوا وأمروا بالحج ليشهدوا منافع لهم، ومحال أن يكون المراد منافع الدنيا خاصة; لأنه لو كان كذلك كان الدعاء إلى
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٧٥)، برقم (١٢٥٢٢).
(٢) انظر: السلسلة الضعيفة للألباني برقم (٤٩٦، ٤٩٧).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، برقم (١٢٩٧).
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام … برقم (١٢١١).
[ ٧٨ ]
الحج واقعًا لمنافع الدنيا، وإنما الحج: الطواف والسعي والوقوف بعرفة والمزدلفة ونحر الهدي وسائر مناسك الحج، ويدخل فيها منافع الدّنيا على وجه التبع والرخصة فيها، دون أن تكون هي المقصودة بالحج، وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فجعل ذلك رخصة في التجارة في الحج» (^١).
قلت: ولا خلاف بين العلماء في أن المراد بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ التجارة، وقد سبق.
ومأخذ الحكم: يتعلق بالأمر والأذان السابق، أي: فأذن بالحج ليشهدوا منافع لهم، والأمر يقتضي هنا الإباحة، كما دلت عليه آية البقرة.
* الوقفة الخامسة: مشروعية ذكر الله في الأيام المعلومات؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ وهي معطوفة على قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ وسبق القول أنّ اللام هنا للتعليل.
والمعنى: فأذن بالنّاس لأجل أن يشهدوا منافع لهم؛ ولأجل أن يذكروا اسم الله في هذه الأيام على ما رزقهم من بهيمة الأنعام.
ومأخذ المشروعية: ما سبق أن الأمر بالإذن للناس يدل على المشروعية، والتي من ثمرتها ومنافعها ذكر الله.
واختلف العلماء في المراد بذكر الله هنا، قال ابن الفرس: «واختلف في ذكر اسم الله ما هو؟ فقيل: هو بمعنى حمده وشكره على نعمته في الرزق، ويؤيده
_________________
(١) أحكام القرآن (٥/ ٦٦).
[ ٧٩ ]
قوله ﵊ «إنها أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى» (^١) وقيل: المراد ذكر الله على النحر والذبح» (^٢).
كما أنهم اختلفوا في المراد بالأيام المعلومات، فقيل: أيام العشر، وقيل: أيام الحج، وهو يوم عرفة والنّحر وأيام التّشريق، وقيل: يوم التّروية وعرفة، ويوم النحر، وقيل: يوم النحر ويومان بعده، وكل يستدل لقوله ببعض الآثار.
* الوقفة السادسة: الذّبح والنحر لا يكون إلّا في هذه الأيام، وأجمعوا على أنّه لا يجوز الذبح في هذه الأيام حتى يكون يوم النحر.
ومأخذ الحكم: مفهوم الظرف حيث دلّ اختصاص هذه الأيام المعلومات بالذكر على ما رزقهم من بهيمة الأنعام بمفهومه على أنّه لا يكون في غيرها.
* الوقفة السابعة: ذهب بعض العلماء إلى أن الليالي لا تدخل، فلا يجوز الذّبح بالليل؛ لقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ﴾
ومأخذ الحكم: مفهوم اليوم، يدل على عدم دخول الليل، إذا قيل إنّ اليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهذا يعتبر مفهوم ظرف زمان.
ومن قال: بأن الليل يدخل في اليوم أجاز الذبح فيها.
* الوقفة الثامنة: مشروعية الأكل من الهدي والأضاحي والإطعام.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وهو أمر ندبٍ عند الجمهور.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب تحريم صوم أيام التشريق، برقم (١١٤١)، وأخرجه أبو داود - واللفظ له - في أول كتاب الضحايا، باب في حبس لحوم الأضاحي، برقم (٢٨١٣) قال الشيخ الألباني: صحيح.
(٢) أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٠٠).
[ ٨٠ ]
قال القرطبي: «أمر معناه الندب عند الجمهور … وشذت طائفة فأوجبت الأكل والإطعام بظاهر الآية» (^١).
وقال ابن الفرس: «قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمر إباحة بالأكل من الهدايا». ثم ذكر خلاف العلماء فيما يؤكل من الهدي الواجب مما لا يؤكل، ثم نقل عن مالك قوله: أنه يؤكل منها كلها، إذا بلغت محلها إلّا من ثلاثة أنواع: جزاء الصيد، ونسك الأذى، ونذر المساكين، ثم قال: «واحتج ابن القصار لمالك بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ولم يخص واجبًا من واجب ولا تطوع فهو عامّ في جواز الأكل إلّا ما قام الدّليل عليه من الثلاثة الأشياء المذكورة؛ لأنّها وجبت للمساكين، فلا يجوز له الرجوع ولا الأكل منها كالكفارات (^٢).
* الوقفة التاسعة: أن الهدي والأضاحي لا يكون إلّا من بهيمة الأنعام، وقد أجمع العلماء على ذلك.
ومأخذه: مفهوم قوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ أن غير بهيمة الأنعام لا تجزئ، وهو مفهوم صفة، - وسيأتي مزيد أحكام في باب الأضاحي بإذن الله - كالتسمية عند الذّبح، وقد قيل: إنّ المراد بذكر الله في الآية هو: التّسمية عند الذبح، وكذا هل يجزئ من بعد الفجر، أي: وقبل طلوع الشمس؛ لإضافة التّحريم إلى اليوم، ومقدار ما يطعم ويأكل ويتصدق إلى غير ذلك من أحكام.
* الوقفة العاشرة: مشروعية قضاء التفث، كالحلق ورمي الجمار وإزالة الشعث ونحوه، وغير ذلك على خلاف في التّعميم والتّخصيص ببعضها.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٤٤).
(٢) أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٠٠).
[ ٨١ ]
ومأخذ الحكم: الطلب الوارد بصيغة الأمر ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ والطلب دليل المشروعية.
* الوقفة الحادية عشرة: أن الحلق نسك على التفسير بأنّه التفث بالآية.
* الوقفة الثانية عشرة: مشروعية الحلق بعد الذبح، وقد اختلف العلماء في ذلك، فمنهم: من يرى وجوب ذلك. ومنهم: من يرى استحبابه.
ومأخذ الحكم: ترتيب قضاء التّفث في الآية على الذّبح.
* الوقفة الثالثة عشرة: كون طواف الإفاضة ركن من أركان الحجّ، وهذا الحكم مجمع عليه.
ومأخذ الحكم من الآية: الأمر الوارد بصيغة (ليفعل) وهو الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، والأمر يقتضي الوجوب.
تنبيه: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن المراد بالطواف في هذه الآية، طواف الإفاضة، ويسمى بطواف الزّيارة، بل ونقل بعض العلماء الإجماع على كونه هو المراد، وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالطواف هنا: طواف الوداع، ويرده ما قاله الجصاص في أحكامه حيث قال: «ظاهره يقتضي الوجوب; لأنه أمر والأوامر على الوجوب. ويدل عليه أنه أَمَرَ به معطوفا على الأمر بقضاء التفث، ولا طواف مفعول في ذلك الوقت - وهو يوم النحر بعد الذبح - إلا طواف الزيارة، فدل على أنه أراد طواف الزيارة» (^١).
ثم إنّه على القول بأنّه طواف الإفاضة، أو الوداع فكلاهما واجب، فالأوّل: باتفاق، والثاني: عند من قال بأنّه المراد بالآية؛ إذ إنّ الأمر غير مصروف.
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٧٤).
[ ٨٢ ]
* الوقفة الرابعة عشرة: لا يصح الطواف بغير طهارة عند الجمهور، وهي شرط في صحة الطواف. وذهب الحنفية: إلى كونها واجبة وليست شرطًا في صحة الطواف، والواجب يمكن جبره بالدّم في الحجّ؛ ولذا قالوا: بصحة الطواف بدون طهارة.
وقالوا: إنّ الطّواف اسم للدوران بالبيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر.
مأخذ الحكم: يتكلم أهل الأصول عن هذا الفرع تحت قاعدة: مطلق الأمر هل يتناول المكروه أم لا؟
فعند الجمهور: لا يتناول المكروه خلافًا للحنفية.
قال ابن السمعاني: «وتظهر فائدة الخلاف في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فلا يتناول عندنا الطواف بغير طهارة، وعلى مذهبهم يتناوله؛ فإنهم وإن اعتقدوا كراهة هذا الطواف ذهبوا إلى أنّه دخل في الأمر، حتى يتصل به الإجزاء الشّرعي، ونحن لا نقول إنّه طواف مكروه، بل لا طواف أصلًا؛ لقيام الدليل على أن الطّهارة شرط فيه كالصّلاة» (^١).
_________________
(١) انظر: قواطع الأدلة (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩).
[ ٨٣ ]