اختلف العلماء في حد اليدين في التيمم:
فذهب بعض العلماء إلى القول بأن المسح يكون إلى الآباط (^٣)، ومنهم من قال: إلى المرفقين (^٤)، ومنهم من قال: إلى الكوعين (^٥)، أو للكفين (^٦).
_________________
(١) انظر: المبسوط (١/ ١٠٧).
(٢) المحلى لابن حزم (١/ ٣٧٦ - ٣٧٧).
(٣) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١٢)، الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٤٠).
(٤) انظر: المبسوط (١/ ١٠٧)، المدونة (١/ ٤٢)، الأم (٢/ ١٠٢)، الحاوي (٢/ ٩٥٠)، المجموع (٢/ ١٦٨)، الفروع (١/ ٢٩٨).
(٥) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١١)، قال ابن قدامة في المغني (١/ ٣٤٧): " وظاهر كفيه إلى الكوعين ".
(٦) انظر: الحاوي للماوردي (٢/ ٩٥٠)، المهذب (١/ ١٢٥)، الفروع (١/ ٢٩٨)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١٢).
[ ١٣٨ ]
ومأخذ من قال للآباط: الإطلاق الواردة في الآية، فكل ما كان من أطراف الأصابع إلى الآباط فإنه يطلق عليه اسم اليد (^١).
قال البيضاوي: «واليد اسم للعضو إلى المنكب» (^٢).
وقال ابن الفرس: «ومن قال: الإبط بناه على تعلق الحكم بآخر الاسم؛ إذ ذاك أكثر ما ينطلق عليه اسم اليد» (^٣).
نوقش: نسلم بأن اليد تطلق على ذلك، لكن دلَّت السنة وبينت المراد، وهو إلى الكوعين، أو الكفين كما في حديث عمار ﵁.
ومأخذ من قال إلى المرفقين: إمّا قياس التيمم على الوضوء (^٤)، أو حمل المطلق الوارد في آية التيمم على المقيد بأية الوضوء، وقد اتحدا سببًا واختلفا حكمًا (^٥).
فسببهما الطهارة ورفع الحدث. والحكم في الوضوء الغسل، وفي التيمم المسح.
نوقش: بأنه القياس فاسد؛ لأنه في مقابل النص، وحمل المطلق على المقيد يصح عند من يقول بالحمل مع اختلاف الحكم.
ومأخذ من قيّده إلى الكوع: حمل الأيدي المطلقة هنا على التقييد الوارد في
_________________
(١) انظر: جامع البيان للطبري (٨/ ٤١٧)، التفسير الكبير (١١/ ٣١٣)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١٢)، الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٤٠).
(٢) أنوار التنزيل للبضاوي (٢/ ٧٦).
(٣) أحكام القرآن (٢/ ٢١٢).
(٤) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٩٤)، روح المعاني (٣/ ٤٣)، وهو المشهور عند الشافعية. انظر: المجموع (٢/ ١٦٨).
(٥) انظر: تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي (٤/ ٥٩١)، تيسير البيان (٣/ ١١٦).
[ ١٣٩ ]
آية القطع في السرقة، وهي مقيدة بفعله ﵊ (^١).
نوقش: بأنهما اختلافا حكمًا، ففي السرقة قطع، وفي التيمم مسح، واختلفا سببًا ففي السرقة: السرقة، وفي التيمم: رفع الحدث، فلا يحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة بالاتفاق (^٢).
ومأخذ من جعل المسح إلى الكوعين:
أولًا: أن اليدين عند الإطلاق يراد بها الكوعين فقط؛ لأنه لو أراد إلي الإبطين، أو إلى المرفقين، أو الذراعين لقيدها به، كما قيَّدها في الوضوء إلى المرفقين.
قال السعدي: «ومن الأحكام: أن اليدين تمسحان إلى الكوعين فقط؛ لأن اليد عند الإطلاق كذلك، فلو كان يشترط إيصال المسح إلى الذراعين لقيده الله بذلك، كما قيده في الوضوء» (^٣).
ثانيًا: القياس على القطع؛ إذ هو حكم شرعي وتطهير، كما أن التيمم تطهير (^٤).
ونوقش: بأنه في القطع عقوبة، لا يؤخذ فيها إلا باليقين، والتيمم عبادة، والعبادات يؤخذ فيها بالاحتياط (^٥).
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١٢)، والوار في فعله ما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ: «قطع سارقًا من المفصل»، والمراد بالمفصل كما يقول البيهقي هنا: مفصل الكف. والحديث فيه مقال، وله شواهد ذكرها الألباني. انظر: السنن الكبرى (٨/ ٢٧٠ - ٢٧١)، ونصب الراية للزيلعي (٣/ ٢٨٠)، إراوء الغليل للألباني (٨/ ٨١ - ٨٢).
(٢) انظر: المنخول (١٧٧)، الإحكام للآمدي (٣/ ٤)، المطلق والمقيد د. حمد الصاعدي (٢٣٦).
(٣) انظر: تفسير السعدي ٢٣٣.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٤٠).
(٥) انظر: المبسوط (١/ ١٠٧).
[ ١٤٠ ]
مأخذًا آخر: ذكره ابن الفرس فقال: «فمن قال إلى الكوعين كان ذلك منه بناء على تعليق الحكم بأول الأسماء؛ لأن اليد هي من أطراف الأصابع إلى الإبط، وأقل ما ينطلق عليه اسم اليد إلى الكوعين» (^١).
ومأخذ من قال إلى الكفين: فهو حديث عمّار كما عند البخاري أنّه أجنب فلم يجد الماء فتمرغ في الصعيد كما تمرغ الدَّابة، وفيه أنه قال: ثمّ أتيت الرسول فذكرت ذلك له، فقال: «إنما كان يكفيك أن تقول بيدك هكذا، ثم ضرب بالأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه» (^٢).