أما ملامسة النساء. فقد اختلف العلماء في المراد منها في الآية (^١).
فقيل: الجماع. وقيل: مجرد اللمس باليد. ورجَّح كل فريق ما ذهب إليه بأدلة وقرائن، وكل قول قال به نفر من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
فقال بكونه الجماع علي وابن عباس ﵄، وقال بكونه اللمس باليد عمر وابنه وابن مسعود ﵃ (^٢).
وأرجع بعضهم الخلاف فيها للخلاف في القراءتين الواردتين فيهما (^٣)، وهما: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ أو ﴿لمستم﴾.
فقيل: معناهما واحدٌ.
وقيل: إن قراءة ﴿لمستم﴾ بدون ألف: الجماع، ويحتمل أن يكون المراد مجرد اللمس باليد. أمّا قراءة ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ بالألف فهي بمعنى الجماع (^٤).
ومأخذ الحكم: الأول: الأمر الوارد بقوله ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾: أي إن لمستم النساء، مما يدلُّ على كونه ناقضًا. لأن الوضوء والتيمم رافعان لهذه الأحداث فأمر بهما.
ثانيًا: مفهوم الشرط فيه وهو: إن لم يلمس النساء فهو غير مأمور بالتيمم أو الوضوء.
_________________
(١) انظر: المغني (١/ ٢٥٦)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٣ - ٤٤٤)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٩٨).
(٢) انظر: التفسير الكبير (١٠/ ٨٩)، المحرر الوجيز (٢/ ٥٨ - ٥٩)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٤)، تيسير البيان (٢/ ٤١١)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٩٨ - ١٩٩)، الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٤)، الإكليل (٢/ ٦١٩).
(٣) انظر: المصادر السابقة.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٤)، الإكليل (٢/ ٦١٩).
[ ١١٨ ]
تنبيه: على القول بأن قراءة ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ بالألف بمعنى الجماع فإنّ الآية بالمعنى تكون شاملة للحدثين الأصغر والأكبر.
فالأصغر في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ والأكبر في قوله تعالى: أو ﴿لمستم﴾، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ وهو الجماع.
وقيل: إنّ الله ﷾ لما ذكر سبب الحدث، وهو المجيء من الغائط ذكر سبب الجنابة، وهو الملامسة، فبيّن حكم الحدث والجنابة عند عدم الماء، كما أفاد حكمهما عند وجود الماء، فلا يمنع حمل اللفظ على الجماع واللمس.
يقول ابن العربي: «قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ أفاد الجماع، وأن قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ أفاد الحدث، وأن قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ أفاد اللمس والقبل. فصارت ثلاث جمل لثلاثة أحكام، وهذه غاية في العلم والإعلام. ولو كان المراد باللمس الجماع كان تكرارا في الكلام، وكلام الحكيم ينزّه عنه والله أعلم» (^١).
وأجيب بأنه: إن أريد منه اللمس باليد، فإنّه يكون قليل الفائدة؛ إذ المجيء من الغائط واللمس حينئذ من واد واحد، ولا تكون الآية حينئذ شاملة لحكم وجوب التّيمم للجنب إذا لم يجد الماء.
وحمل اللمس على الجماع قواه ابن تيمية معتمدًا على قاعدة: «إنّ الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبينها الرسول ﷺ بيانًا عامًّا ولا بد أن تنقلها الأمة فإذا انتفى هذا عُلم أن هذا ليس من دينه … وكذلك الناس لا يزال أحدهم يلمس امرأته بشهوة وبغير شهوة، ولم ينقل عنه مسلمٌ أنه أمر الناس
_________________
(١) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٤)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٤).
[ ١١٩ ]
بالتوضؤ من ذلك، والقرآن لا يدل على ذلك؛ بل المراد بالملامسة الجماع كما بسط في موضعه» (^١).
واستدل أصحاب هذا القول بفعل النبي ﷺ أنّه قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصّلاة ولم يتوضأ (^٢).
تنبيه ثان: دلَّت الآية على أن الجنب يجب أن يغتسل، والعلماء يقولون: إن ما أوجب الغسل فإنه يوجب الوضوء، بمعنى يكون ناقضًا من نواقض الطهارة.
ومأخذ الحكم من الآية هو: أولًا: الأمر بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
ثانيًا: اقتران الحكم وهو الطهارة، بالوصف وهي الجنابة، دلالة على كون الجنابة علّة وسبب للطهارة بدلالة الإيماء والتنبيه.
وإذا قلنا بأن ما أوجب الجنابة فإنه يوجب الوضوء فيدخل في النواقض ما توجبه الجنابة، كالجماع، ونزول المني، والحيض، والردة.
تنبيه ثالث: يتفرع على القول بأن المقصود باللمس اللمس باليد أنه لا فرق بين اللمس بشهوة وبدون شهوة، ويشهد لذلك ظاهر القرآن (^٣).
ومأخذ الحكم: هو أن المطلق يجري على إطلاقه، فلا يقيد بشهوة إلا بدليل.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٥/ ٢٣٦ - ٢٣٨).
(٢) اخرجه أبو داوود في كتاب الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء من القبلة، برقم (٨٦)، والنسائي في كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من القبلة (١/ ١٠٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤/ ٢٧٣).
(٣) انظر: تفسير الإمام الشافعي (٢/ ٧٠٩).
[ ١٢٠ ]