اتفق العلماء - كما سبق - على وجوب مسح الرأس (^٥)، واختلفوا هل الواجب مسح جميع الرأس أو بعضه؟ (^٦).
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٦٧)، تيسير البيان (٣/ ١٠٢)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٦).
(٢) الإكليل (٢/ ٦٢٥)، تيسير البيان (٣/ ١٠٢).
(٣) أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٦٧).
(٤) انظر: الإكليل (٢/ ٦٢٥).
(٥) انظر: المغني (١/ ١٧٥)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٠٤).
(٦) ذهب المالكية والحنابلة إلى وجوب مسحه كله. انظر: المدونة (١/ ١٦)، مواهب الجليل (١/ ٢٠٢) المغني (١/ ١٧٥)، الفروع (١/ ١٤٧)، الإنصاف (١/ ١٦١) وذهب الحنفية إلى وجوب مسح ربع الرأس، قدر الناصية. انظر: المبسوط (١/ ٦)، البداية (١/ ١٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٩٩)، مختصر الطحاوي (١٨). وذهب الشافعية إلى وجوب مسح ما يطلق عليه أنه مسح. انظر: الأم (١/ ٢٢)، المهذب (١/ ٢٤)، روضة الطالبين (١/ ٥٣). وانظر: تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٠٤)، الإكليل (٢/ ٦٢٠).
[ ١٠٨ ]
ومأخذ الخلاف راجع إلى معنى (الباء) في قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾.
فالذين قالوا: بمسح جميع الرأس ذهبوا إلى أن (الباء) زائدة مؤكدة، فالمعنى: امسحوا رؤوسكم أنفسها، وعليه فيجب مسح جميع الراس على نص الآية (^١).
وقال بعضهم: إنّ (الباء) على بابها للإلصاق، ليست بزائدة. والمعنى على ثبوت (الباء) أو سقوطها سواء، وذلك يوجب عموم المسح (^٢).
قال ابن الفرس: «وهذا الوجه أحسن؛ لأنّ زيادة (الباء) في هذا الموضع غير معروف في كلام العرب» (^٣).
أمّا الذين ذهبوا إلى جواز مسح البعض فقالوا: إنّ (الباء) للتبعيض، فيقتضي مسح بعض الرأس، وكونها للتّبعيض بيانه - عند من قال به - قالوا: إنّ الباء إذا دخلت على فعل يتعدى من غير (باء) اقتضت التبعيض فيه؛ وذلك لأنّ أهل اللسان فرقوا بين قولهم: (أخذت قميص فلان)، وبين قولهم: (أخذت بقميص فلان) فيحملون الأوّل على أخذ جميعه، والثّاني: على التعلق ببعضه، وكذا في الآية، فإذا قال: (مسحت يدي بالمنديل) و(مسحت يدي بالحائط) عقل من ذلك كله التبعيض، فدّل على أن ذلك مقتضاه (^٤).
_________________
(١) انظر: المغني (١/ ١٧٦)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٠٦، ١٢١) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٩)، الإكليل (٢/ ٦٢٠).
(٢) انظر: المغني (١/ ١٧٦)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٠٦، ١٢١)، الإكليل (٢/ ٦٢٠).
(٣) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٩).
(٤) انظر: تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٠٧)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧١)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٩).
[ ١٠٩ ]
وقد أنكر بعض أهل اللّغة - كابن جني، وابن برهان - هذا التّفريق، وقال ابن جني: «من قال: إن الباء للتبعيض فقد أتى أهل اللغة بما لا يعرفونه»، ولذا أولوا ما استدل به على التضمين، أو أن التبعيض إنما استفيد من القرائن (^١).
نوقش: بأنها شهادة نفي لا تقبل (^٢).
وأجيب: بأنها ليست بشهادة نفي، وإنما هو إخبار عن ظن غالب يستند إلى الاستقراء ممن هو أهل لذلك مطلع على لسان العرب (^٣).
وحمل البعض استعمال (الباء) للتبعيض على المجاز لقرائن ظاهرة في الأمثلة التي ذكروها، والأصل حمل اللفظ على حقيقته، حتى يقوم دليل المجاز (^٤).
وألزم القائلون بعدم التبعيض في (الباء) القائلين بالتبعيض بآية التّيمم في قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ حيث إنّ المسح يكون لجميع الوجه لا بعضه باتفاق (^٥).
وأجيب عنه: بأن المسح في الرأس أصلٌ، أمّا المسح في التيمم فهو بدل، والبدل يأخذ حكم المبدل منه، ولما كان المبدل منه غسلًا للوجه كاملًا كذلك
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧١)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٩)، وانظر: سر صناعة الإعراب (١/ ١٢٣)، وشرح اللمع لابن برهان (١/ ١٧٤)، التحبير للمرداوي (٢/ ٦٧٠)، المغني (١/ ١٧٦).
(٢) انظر: التحبير للمرداوي (٢/ ٦٧١).
(٣) انظر: المصدر السابق.
(٤) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ١٩٠).
(٥) انظر: المغني (١/ ١٧٦)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٠٧)، أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ١٢١).
[ ١١٠ ]
يكون البدل مسحًا للوجه كاملًا (^١).
وهناك مأخذ آخر وهو لمن قال بمسح بعض الرأس وهو: أن الحكم إذا علق على اسم، فإنه يكتفي بأول ذلك الاسم، وأقل ما ينطلق عليه. وقد علق المسح هنا بالرأس فلا يشترط الاستيعاب بل يكتفى بالبعض (^٢).