مشروعية التيمم للمريض مطلقا سواء وجد الماء او لم يجده (^١).
أما عند عدم وجود الماء فباتفاق أهل العلم - كما سبق - في حكم العادم مطلقًا، سواء كان مريضًا، أو صحيحًا.
قال ابن رشد: «فأجمع العلماء أنها [أي طهارة التيمم] تجوز لاثنين للمريض وللمسافر إذا عدما الماء» (^٢).
وقال ابن العربي: «ومطلق اللفظ يبيح التيمم لكل مريض إذا خاف من استعماله وتأذيه بالماء» (^٣).
وأما عند وجود الماء، فاستدل بعضهم بالآية على عدم جواز تيممه (^٤).
ومأخذ الحكم: مفهوم الشرط الوارد في الآية، حيث دلَّت الآية بمنطوقها على جواز التيمم عند عدم الماء، وبمفهوم شرطها على عدم جواز التيمم مع وجود الماء، ولم تفرق بين مريض وصحيح (^٥).
وذهب جمهور أهل العلم إلى عدم اعتبار المفهوم هنا، وعليه فيجوز للمريض إذا عجز عن الماء أن يستعمل التراب ويتيمم (^٦).
_________________
(١) انظر: المبسوط (١/ ١٠٨)، مواهب الجليل (١/ ٥٠٤)، المجموع (٢/ ٢١٠)، الإفصاح لابن هبيرة (١/ ٦٦)، المغني (١/ ٣١٦، ٣٣٥)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٠).
(٢) بداية المجتهد (١/ ١٣٠) وانظر: مراتب الإجماع لابن حزم (٤٣).
(٣) أحكام القرآن (١/ ٤٤٠).
(٤) انظر: المغني (١/ ٣٣٥).
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢١٩).
(٦) انظر: تيسير البيان (٢/ ٣٩٩)، الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢١٩).
[ ١٣٣ ]
ومأخذهم في عدم الأخذ بالمفهوم: كونه معارضًا بالمنطوق الوارد بالسنة (^١)، وهو ما روي عن بعض الصحابة أنّه أصابته جنابة، وكان به جراحة عظيمة، فسأل بعضهم فأمره بالاغتسال، فلما اغتسل مات، فسمع النبي ﷺ ذلك، فقال: «قتلوه قتلهم الله ألا سألوا فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم» (^٢).
لذا يرى الرازي أنه ليس في الآية دلالة على منع المريض من التيمم عند وجود الماء، وإنما دلت السنة على جوازه (^٣).
ومن العلماء من يستدل بدلالة معنى المرض في الآية على منع المريض من التيمم عند وجود الماء (^٤)، وهذا يشبه قول الأصوليين: يستنبط من النص معنى يخصصه، والله أعلم.
قال ابن عاشور: «وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ عطف على فعل الشرط، وهو قيد في المسافر، ومن جاء من الغائط، ومن لامس النساء، أمّا المريض فلا يتقيد تيممه بعدم وجدان الماء؛ لأنه يتيمم مطلقا، وذلك معلوم بدلالة معنى المرض،
_________________
(١) انظر: بداية المجتهد (١/ ١٣١)، المجموع (٢٤/ ٢٢٨).
(٢) أخرجه أبو داوود في كتاب الطهارة، باب في المجروح يتيمم برقم (٣٣٦). قال أن ابن حجر: "رواه أبو داوود بسند فيه ضعف، وفيه اختلاف على روايته"، وضعفه الألباني. انظر: بلوغ المرام (٤٥)، وإرواء الغليل (١/ ١٤٢ - ١٤٣).
(٣) انظر: التفسير الكبير (١٠/ ٨٨ - ٨٩).
(٤) قال الرازي في تفسيره (١١/ ٣٠٩): " المرض على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يخاف الضرر والتلف، فههنا يجوز التيمم بالاتفاق. الثاني: أن لا يخاف الضرر ولا التلف، فههنا قال الشافعي: لا يجوز التيمم، وقال مالك وداود يجوز، وحجتهما أن قوله وإن كنتم مرضى يتناول جميع أنواع المرض. الثالث: أن يخاف الزيادة في العلة وبطء المرض، فههنا يجوز له التيمم على أصح قولي الشافعي ﵀. وبه قال مالك وأبو حنيفة -رحمهما الله-، والدليل عليه عموم قوله وإن كنتم مرضى الرابع: أن يخاف بقاء شين على شيء من أعضائه، قال في «الجديد»: لا يتيمم. وقال في «القديم» يتيمم وهو الأصح لأنه هو المطابق للآية. "، وانظر كذلك تفسيره (١٠/ ٨٨).
[ ١٣٤ ]
فمفهوم القيد بالنسبة إليه معطل بدلالة المعنى» (^١).
والخلاصة: إن إباحة التيمم للمريض غير مضمنة بعدم الماء، بل هي مضمنة بخوف ضرر الماء، ولذا قالوا: إن كان المرض يسيرًا لم يبح له التيمم.
وهناك مأخذ آخر ذكره بعض العلماء: وهو أن في الآية مقدرًا، تقديره: (وإن كنتم مرضى فعجزتم أو خفتم من استعمال الماء فتيمموا). وقالوا: إن مرجع الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ إنما يعود إلى المسافر فقط (^٢).
وذكر ابن الفرس مأخذًا في الخلاف في دخول المريض الواجد للماء، وكذا الحاضر العادم للماء هل هما من أهل التيمم أم لا؟ أنه راجع إلى معنى (أو) في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ فقال: «في (أو) هنا تأويلان: أنها على بابها من أن تكون لأحد شيئين. الثاني: أنها بمعنى الواو، وعلى هذين التأويلين ينبني اختلاف العلماء في المريض الواجد للماء والحاضر العادم للماء، هل هما من أهل التيمم أم لا؟ فمن أبقى (أو) على بابها رأهما من أهل التيمم … ومن رأى (أو) في الآية بمعنى الواو لم يرهما من أهل التيمم؛ لأنه بعيد …» (^٣).