ومن النواقض: النوم، على خلاف بين العلماء هل هو ناقض وحدث بذاته، أو أنه سبب للحدث (^٢).
وإن قلنا إنه حدث بذاته فإنّه ينقض الوضوء قليله وكثيره، ولم يخص نومًا من نومٍ.
وإن قيل: بأنّه ليس بحدث فالأصل أنه ليس بناقض إلّا بيقين خروج الحدث. إلا أن من العلماء الذين قالوا بأنه سبب للحدث وليس بحدث قالوا بنقض الوضوء من النوم الكثير أو المستغرق؛ لأنه مظنة للحدث، والمظنة تنزل منزلة المئنة (^٣).
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٥)، الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٨).
(٢) انظر: المغني (١/ ٢٣٤)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٥٩)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦).
(٣) قالوا: إن حالة النوم المستغرق وما يماثله تجعل الأعضاء فيها مسترخية، وقد لا يقدر على دفع ما ينتقض به الوضوء؛ لذا قالوا: بأن المظنة تنزل منزلة المئنة، واعتبروا ذلك من النواقض الحكمية، وليس من النواقض الحقيقية، التي هي أحداث بذاتها.
[ ١٢١ ]
ومأخذ كون النوم ناقضًا: ما قدَّره العلماء في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ حيث إنه قدَّروا: (إذا قمتم إلى الصلاة وقد نمتم) (^١) باعتبار أن المقدَّر عندهم كالمذكور.
قال ابن الفرس مؤيدًا هذا التقدير، ومقدِّمه على تقدير (إذا قمتم محدثين) فقال: «لأنّ الأحداث مذكورة بعد هذا فأغنى ذلك عن ذكره، وأمّا النّوم فلم يقع له ذكر، وليس بحدث، وإنّما هو سبب للحدث على الأصح في ذلك، فحمل الكلام على زيادة فائدة أولى من حمله على التكرار بغير فائدة، فبهذا رجح جماعة من أهل العلم هذا القول» (^٢).
وأشار بعض العلماء إلى سبب تقدير النوم، وهو بالنظر إلى سبب نزول الآية، حيث: «إن النبي ﷺ استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾» (^٣).
قلت: وذهب جمهور أهل العلم إلى أن المراد بالقيام هنا، القيام للصلاة، وليس من النوم، فهي عامة لمن قام من نوم أو غيره (^٤).
قال ابن عطية: «وجمهور أهل العلم أن معنى الآية: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، وليس في الآية على هذا تقديم ولا تأخير، بل يترتب في الآية حكم واجد الماء» (^٥).
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٥٩)، تيسير البيان (٣/ ١٠٠)، الإكليل (٢/ ٦١٨).
(٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٥٥)، وانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٤٨)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٨٢).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، برقم (٤٦٠٨).
(٤) انظر: معالم التنزيل (٣/ ٢)، المحرر الوجيز (٢/ ١٦١)، القرآن العظيم (٣/ ٤٤)، التحرير والتنوير (٦/ ١٦١).
(٥) المحرر الوجيز (٢/ ١٦١)
[ ١٢٢ ]
تنبيه: إن قلنا بأن الآية دلَّت على حكم النوم، فيدرج معه ما يكون في معناه مما يؤدي إلى زوال العقل، كالإغماء، والسكر، كما سبق. وكون زوال العقل من نواقض الوضوء حكمًا نُقل الإجماع عليه (^١).
قال ابن قدامة: «زوال العقل على ضربين: نوم وغيره، فأما غير النوم، وهو الجنون والإغماء والسكر، وما أشبهه من الأدوية المزيلة للعقل، فينتقض الوضوء يسيره وكثيره إجماعًا» (^٢).
وقال: «ولأنِّ هؤلاء حِسهُم أبعد من حِسِّ النائم، بدليل أنهم لا ينتبهون بالانتباه، ففي إيجاب الوضوء على النائم تنبيه على وجوبه بما هو آكد منه» (^٣).
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٦٠).
(٢) المغني (١/ ٢٣٤).
(٣) المغني (١/ ٢٣٤).
[ ١٢٣ ]