استدل بعض العلماء بالآية على كون الترتيب من فرائض الوضوء (^٣)، ومنهم استدل بها على عدم الترتيب (^٤).
أما القائلون بالترتيب فمأخذ الحكم عندهم هو: مراعاة ترتيب الآية حيث أدرج سبحانه الممسوح بين المغسولات، وهذا لا يكون إلّا عن قصد ترتيب الأشياء على النسق المذكور (^٥).
قال الموزعي: «ولأن الله سبحانه قطع النظير عن النظير، فأدخل ممسوحًا بين مغسولين، وقدم القريب على ما هو أقرب منه، فقدَّم اليدين على الرأس، وهو محلُّ الوجه، فدلَّت هذه المقاصد والأمارات على وجوب الترتيب» (^٦).
وهناك مأخذ آخر قاله بعض العلماء وهو: أن (الفاء) في قوله ﴿فَاغْسِلُوا﴾ تقتضي التعقيب، فإنها لما كانت جوابًا للشرط ربطت المشروط به، فاقتضت الترتيب في الجميع (^٧).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٧).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (١/ ١٣٧).
(٣) انظر: المغني (١/ ١٨٩)، والمجموع (١/ ٤٧٠ - ٤٧٢).
(٤) انظر: المبسوط (١/ ٥٥)، بدائع الصنائع (١/ ١٨)، المدونة (١/ ١٤)، المنتقى للباجي (١/ ٤٧)
(٥) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧٨)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١١، ١١٢)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٨٤).
(٦) تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢).
(٧) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧٨)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٨).
[ ١٠٢ ]
وأجيب عنه: بأنّه اقتضت البداءة في الوجه؛ إذ هو جزاء الشّرط وجوابه، وإنما كانت تقتضي الترتيب في الجميع لو كان جواب الشّرط معنى واحدًا، فإذا كانت جملًا كلها جوابًا لم تبال بأيها بدأت، إذ المطلوب تحصيلها (^١). قاله القرطبي ثم قال: «والصّحيح أن يقال: إن التّرتيب متلقى من وجوه أربعة: الأول: أن يبدأ بما بدأ الله به كما قال ﵊ حين حجَّ: «نبدأ بما بدأ الله به» (^٢)» (^٣). فجعل بداية الله سبحانه سببًا للتقدم، وأخذ بعض العلماء من هذا الحديث عموم لفظه دون خصوص السبب (^٤).
ثمّ ذكر الأوجه الأخرى وهي خارجة عن الآية فقال: «الثّاني: من إجماع السّلف فإنّهم كانوا يرتبون. الثّالث: من تشبيه الوضوء بالصّلاة. الرّابع: من مواظبة رسول الله ﷺ على ذلك» (^٥).
ومن قال بعدم اشتراط الترتيب فمأخذ الحكم عندهم: أن العطف بين الأعضاء بالواو، وهي لا تقتضي الترتيب، إنّما تفيد مطلق الجمع (^٦).
وأجاب عنه: البعض بأنّ نحاة الكوفة قائلون باقتضائها التّرتيب (^٧).
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧٨) وقال عنه: "وهذا قول له رونق وليس بمحقق".
(٢) أخرجه أبوداود في كتاب الحج، باب صفة حجة النبي ﷺ، والنسائي في كتاب الحج، باب القول بعد ركعتي الطواف (٢٩٦١)، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء أنه بدأ في الصفا قبل المروة، برقم (٨٦٢) وقال: "هذا حديث حسن صحيح، وعليه العمل عند أهل العلم". قلت: وفي مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، برقم (١٢١٨) بلفظ (أبدأ بما بدأ الله).
(٣) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٨)، وانظر: تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢).
(٤) انظر: المغني (١/ ١٧٤) تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي (١/ ٣٤٦)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧٨).
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٨).
(٦) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٥١ - ٤٥٥)، أحكام القرآن للكيا الهراسي (٣/ ٥١)، الإشارات الإلهية للطوفي (٢/ ٩٦)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢)، الإكليل (٢/ ٦٢٠).
(٧) انظر: تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢).
[ ١٠٣ ]
قال الموزعي بعد أن ذكر المأخذ السابق: «وأحسن عندي من ذلك كلِّه في الاستدلال ما استدلَّ به الشافعي في الكتاب القديم من قوله ﷺ في الصفا: «نبدأ بما بدأ الله به» (^١)، فجعل بداية الله سبحانه سببًا للتقديم» (^٢).